عين الحوثيين على مأرب: إحكام السيطرة على المؤسسات له ثمن اقتصادي

الأربعاء 2015/01/28
زعيم قبلي في مأرب اليمنية: لن نسلم المحافظة لمسلحي الحوثي

يقول خبراء إن اندلاع المعركة في محافظة مأرب بين مسلحي الحوثي والقبائل بات مسألة وقت، بعد أن صار الحوثيون يسيطرون على أغلب محافظات شمالي اليمن، باستثناء محافظتي مأرب وتعز، اللتين يتطلع الحوثيون إلى السيطرة عليهما بأي ثمن، لأنهم يتحركون في إطار مشروع يتجاوز حدود مأرب إلى حضرموت والجنوب لتحقيق مكاسب للحليف الإقليمي إيران.

يرابط آلاف من رجال قبائل مأرب اليمنية على مشارف المحافظة، بكامل عتادهم، بدءا من الأسلحة الرشاشة الخفيفة، وحتى مضادات الطيران والعيارات الثقيلة، تحسبا لأي هجوم، من قبل جماعة الحوثي المسلحة، على ضوء المتغيرات على الساحة اليمنية. وهذه المتغيرات تعتبر مؤشرات قوية على قرب المواجهة الدامية التي تؤكد الأحداث أنها ستكون حربا طاحنة فالعنصر القبلي بمذحج بدأ يتخندق مع قبائل مأرب وهناك أنباء عن بداية تدفق مقاتلين من محافظة شبوة إلى مأرب للقتال ضد الحوثيين.

الموقف القوي للرئيس عبدربه منصور هادي، من عملية اختطاف مدير مكتبه أحمد عوض بن مبارك من قبل مسلحي الحوثي، ثم إطلاق سراحه، وتقديمه لاستقالته، وموقف الأحزاب السياسية والقوى الشعبية من هذه الخطوة، بالإضافة إلى حراك المحافظات الجنوبية، وقيامها بوقف إنتاج النفط، ووصول قبائل مراد إلى الخط الفاصل مع الحوثيين في منطقة الوشحاء، التي تعد المدخل الجنوبي لمحافظة مأرب، كلها دلائل على أن الأمور توشك أن تخرج عن نطاق السيطرة.

وبتصعيدهم لوتيرة المواجهة وسيطرتهم على صنعاء، مركز القرار السياسي والعسكري في البلاد، اقترب الحوثيون من معركتهم المصيرية للسيطرة على محافظة مأرب الاستراتيجية بما تحتويه من مخزونات ومنشآت نفطية، وبموقعها كبوابة على باقي المحافظات جنوبا وشرقا، وبمكانتها التاريخية وأهميتها القبلية.

مأرب، العاصمة التاريخية لليمن، هي الطريق لتحقيق الهيمنة والسطوة للقوى الحاكمة في العاصمة المركزية، التي غلب عليها المذهب الزيدي. وتختلف مأرب عن باقي المحافظات اليمنية قبليا وعسكريا، وهي طريق الوصل إلى البيضاء، ومكيراس ويافع وحتى شبوة وصولا إلى حضرموت، وهذا معناه أنها خزان بشري طائفي مذهبي يتدفق بلا توقّف وعلى مسافة تزيد على الألف كيلومتر. ومأرب الغنية بالنفط مرتبطة بممرات بحرية تتخللها بوابات وحدود إقليمية مع أكثر من دولة في الخليج والجزيرة العربية والقرن الأفريقي ومعظم خارطة الدعم تقف على الرافعة المذهبية ذات الطيف الواحد.

الوضع في اليمن يقود البلاد إلى وجود تيارين رئيسيين على غرار التجربة اللبنانية تيار موالي للغرب وتيار موالي لإيران

لهذه الأسباب، تعتبر معركة مأرب بين الحوثيين وقبائل المنطقة معركة مصيرية. وأيا يكن السيناريو المتحقق، فإن المعركة الوشيكة ستكون مهمة وحاسمة لمستقبل اليمن، فإما أن تواصل جماعة الحوثي بسهولة سيطرتها على البلاد أو تتقهر نحو جبال صعدة التي جاءت منها.


حرب بالوكالة


ما يجري في اليمن اليوم، هو انعكاس لحالة الصراع القائمة في الوطن العربي بين دول الجوار الإقليمي العربية لليمن وإيران التي تدعم الحوثيين الذين تمددوا بسرعة بسبب حالة الفراغ السياسي في البلاد والخواء لدى النخب السياسية اليمنية التي يتم التحكم فيها عن بعد. وهذا يعني أن الحركة الحوثية تنطلق في حربها مع القبائل في مأرب وفق غطاء مذهبي صرف. وهي المرة الأولى التي تتجه من خلال المذهب شرقا منذ عصر الإمام المتوكل على الله إسماعيل.

ولأكثر من مرة، اتهمت الحكومة اليمنية الحوثيين، بتلقي تمويلات وأسلحة من إيران، وتحدث الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي، صراحة عن تدخل إيراني في اليمن والقبض على خلايا تابعة لها في صنعاء أثناء زيارته للولايات المتحدة في سبتمبر 2012.

كما أن وزير الخارجية اليمني السابق، أبوبكر القربي، دعا في 13 ديسمبر 2009، إيران إلى التوقف عن دعم الحوثيين. وتشير تقارير عسكرية رسمية إلى أن صواريخ الكاتيوشا التي استخدمها الحوثيون في الحرب السادسة في العام 2010، من ذات النوعية التي سبق لحزب الله اللبناني استخدامها، معتبرين أن ظهور مثل تلك الصواريخ لدى الحوثيين دليل قاطع على التمويل الكبير الذي تتلقاه الجماعة من إيران وحزب الله والبؤر الشيعية في المنطقة.

رضا زاكاني: ثورة الحوثيين في اليمن هي امتداد للثورة الخمينية في إيران

ومنذ سقوط صنعاء بيد المسلحين الحوثيين أواخر سبتمبر الماضي، بدأ المسؤولون الإيرانيون يتحدثون صراحة عن استخدام بلادهم نفوذها في تطورات اليمن، وراح النائب في البرلمان الإيراني علي رضا زاكاني، المقرب من المرشد الإيراني علي خامنئي، إلى أبعد من ذلك، معتبرا “ثورة الحوثيين في اليمن امتداد للثورة الخمينية”.

يحدث ذلك في الوقت الذي تتردد فيه الأنباء عن تقديم دول إقليمية عربية لإمكانيات مالية إلى الطرف الآخر وهم هنا مجموعة قوى اتحدت ولا يجمعها إلا الدفاع عن مأرب ومنع اقتحامها من قبل الحوثيين. أيضا من المتوقع أن تضغط الإدارة الأميركية وبقوة على الرئيس عبدربه منصور هادي بعدم إقحام الجيش في المعركة في حالة اندلاعها لأسباب عدة منها إطالة أمد الصراع وحتى لا تحسم المعركة مبكرا لطرف دون آخر وحتى يتم استنزاف الطرفين المعادِيَيْن لها.


القوى المتصارعة


بالنظر إلى الصراع الدائر حاليا على امتداد الخارطة اليمنية نرى أن هناك ثلاث قوى رئيسية تقود المشهد السياسي في اليمن وهي: الإخوان المسلمون والحوثيون والنظام السابق، فيما يتم التعامل مع نظام حكم الرئيس (المستقيل) هادي كضيف شرف غير مرغوب فيه من قبل الجميع باعتباره الحلقة الأضعف في الصراع الحالي ويتم اختزال التعامل معه من خلال المبعوث الدولي أو من خلال وسطاء. وما يحدث اليوم على تخوم مأرب عملية نقل للمعركة التي جرى تأجيلها من صنعاء إلى الجزء الشمالي النفطي. وهذه المعركة هي جزء من حالة الصراع التاريخي بين العاصمتين، وقد قدّم الحوثيون صنعاء على مأرب من أجل السيطرة على المنظومة المركزية الحاكمة.

ولفهم أهمية مأرب عند الحوثيين، يجب العودة إلى التاريخ، فمأرب تعتبر قلعة المقاومة التاريخية ضد الأطماع الخارجية، منذ مجيء الفرس. وعلى نقيض صنعاء وهمدان، لم تخضع مأرب يوما لحكم الفرس الذين سيطروا على اليمن. لهذا فالمعركة القادمة تختلف كثيرا عن كل المعارك التي خاضتها الحركة الحوثية.

من هم الحوثيـون
حينما قرر محمد عزان، ومحمد بدر الدين الحوثي، في العام 1992، إنشاء منتدى شبابي له صبغة دينية في محافظة صعدة شمالي اليمن، لم يكونا يحلمان بأن يصبح "منتدى الشباب المؤمن" هو البذرة الأولى لحركة عسكرية ستسيطر بعد عقدين من ذلك التاريخ، على مساحات شاسعة من الأرض اليمنية، بينها العاصمة صنعاء.

واستطاع آل بدر الدين الحوثي أن يتفردوا بالتنظيم الذي بدأ يتسع شيئا فشيئا، في حين تم إقصاء الآخرين. وينتمي الحوثيون إلى المذهب الزيدي، لكن أطماعهم التي بدأت في التضخم جعلتهم يصطدمون بعلماء الزيدية، الذين تبرأ الكثير منهم من الحوثيين، واعتبرهم مشروعا إيرانيا لا علاقة له بالمذهب الزيدي.

ويقول مراقبون إن الحوثيين لا يعترفون بالنظام الجمهوري أو الدستور والقانون اليمني، وإن كانوا لا يظهرون ذلك علانية. لكن وفق أبجديات الجماعة، فإنهم يعتبرون الثورة اليمنية (26 سبتمبر 1962) انقلابا على نظام الإمام وعلى الحكم الشرعي، ولذا فهم يرفعون أعلام الحركة الخضراء بدلا عن رفع العلم الوطني في غالب أنشطتهم.

وينتشر الحوثيون في مناطق التواجد الزيدي، أي محافظات الشمال، وتنشط أفكارهم حيث الجيوب الشيعية في البلاد، وتعتبر محافظة صعدة، المعقل الرئيس لحركة الحوثيين، ومنها انطلقت الجماعة نحو توسيع رقعة البلدات التي تسيطر عليها.

وتعتمد جماعة الحوثي بشكل رئيس على الأسر الهاشمية (السّادة، الأشراف)، لكنها لم تستطع أن تستقطب كل الهاشميين إلى صفوفها، وبقي بعضهم ينظر بريبة إلى مشروع الحوثي، ولهذا فإن كثيرا من "السادة" و"الأشراف" يعتبرون جماعة الحوثي خارجة على أعراف الزيدية وذات مطامع توسعيّة لا تتسق ونهج الزيدية المعروف بالإعتدال والوسطية. ويترأس الجماعة المحسوبة على المذهب الشيعي حاليا، عبد الملك بدر الدين الحوثي.

ولا يمكن لأي محلل سياسي أن يقوم بعملية تمفصل لما يجري اليوم بين الحركة الحوثية وبين القبائل العربية في مأرب بمنأى عن الصراع التاريخي بين قبائل إقليمي سبأ وأزال، والتاريخ يؤكّد أن إقليم أزال، الذي تسيطر عليه أغلبية من اليمنيين المعتنقين للمذهب الزيدي، كان عبر التاريخ يقوم بدور المستبد وهو يمارس هذا الدور حتى بتحالفه مع القوى الدخيلة مثل الأحباش والفرس، واليوم بتحالفه مع أنصار النظام اليمني السابق ومع الإيرانيين. وعلى الدوام تقوم قبائل مأرب السنية، بدور المتمرد الدائم على السلطات الحاكمة محلية كانت أم أجنبية.

من الأسباب الأخرى التي يمكن من خلالها تفسير أسباب دخول الحوثيين لصنعاء قبل مأرب، رغم أن الثانية تعتبر العاصمة الاقتصادية لليمن وخزّانها النفطي، خاصية المعركة في مأرب، التي تختلف عما سواها في بقية اليمن.

مردّ هذه الخاصية أولا: الطبيعة العسكرية لدى قبائل مأرب المتمرّسة على الحرب وقد أظهرت هذه القبائل استعدادها لقتال الحركة الحوثية، وثانيا: الطبيعة الجغرافية والديمغرافية والتكوين القبلي للمنطقة، وهي خاصية تجعل من الحركة الحوثية التي تعتمد على حرب العصابات في معاركها ضد الجيوش النظامية تقع في الفخ الكبير الذي يمكن أن يشكل حالة انكسار استراتيجي لها.


معركة دار الرئاسة


ما جرى يوم 19 يناير 2015 ليس سوى المقدمة الفعلية للبدء في عملية واسعة للتجييش من قبل الحوثيين على مأرب. وقد حدث ذلك التطور الدراماتيكي في الأحداث بسبب رفض الرئيس عبدربه منصور هادي لمطالب الحوثيين له بمشاركة الجيش وسلاح الجو اليمني جنبا إلى جنب مع الحوثيين في الهجوم المرتقب على مأرب.

ويدرك الحوثيون عدم قدرتهم على تحقيق ولو الحد الأدنى من التقدم العسكري على القبائل في مأرب. بل وهناك من نصح الحوثيين بأن معركة مأرب قد تكون البداية الفعلية لانكسار عسكري حقيقي للقوات الحوثية وخاصة البيانات الصارمة من قبل دول مجلس التعاون الخليجي التي تؤكد أن الخليج لن يتردد في دعم القبائل العربية في مأرب في معركتها ضد الحوثيين.

وبالنظر إلى مجريات الأحداث الأخيرة في اليمن من شماله إلى جنوبه، يمكن القول إن المعركة الفاصلة بدأت ولن تتوقف إلا بهزيمة ساحقة لأحد الطرفين. والحقيقة هي أن الطرف الحوثي استطاع بقوة الاستقطاب التي يمتلكها أن يحوّل المناطق الزيدية إلى حاضن طبيعي له، وهو ما يمكن فهمه من خلال ألوية الحماية الرئاسية التي تمردت على الرئيس، ومن خلال سرعة حسم المعركة لصالح الحوثيين.

مقاتل من جماعة الحوثي يحمل خنجره في وجه أحد شباب اليمن الرافض لممارسات الحوثيين في صنعاء

فالرئيس هادي كان معزولا عن محيطه القبلي والمذهبي ولا يوجد له أي حاضن اجتماعي أو ديمغرافي حقيقي يمكن أن يساهم في صموده في وجه تطلعات الحركة الحوثية للسيطرة على البلاد. وكما كانت معركة دار الرئاسة من أجل السيطرة على مأرب، فإن مأرب في حال سقوطها ستكون بمثابة نقطة الانطلاق للسيطرة على مدن الجنوب. لكن لا يبدو أن ذلك سيتحقق قريبا، مع تزايد الرفض الشعبي والسياسي لجماعة “أنصارالله”.


جغرافية الرفض للحركة الحوثية


يوما بعد آخر تتسع جغرافية الرفض للحركة الحوثية، فبموازاة مظاهرات شعبية عفوية في عدة محافظات، منها صنعاء (شمال) وإب وتعز (وسط) والحُديدة (غرب)، رفضا لما يقول المحتجون إنه “انقلاب حوثي مسلح على المؤسسات الدستورية”، قطعت أربعة أحزاب رئيسية مفاوضاتها مع الجماعة، المتهمة بتلقي الدعم الإيراني، والتي أجبرت رئيس الحكومة خالد بحاح والرئيس هادي، الخميس الماضي، على الاستقالة.

وحاليا هناك أكثر من أربع عشرة محافظة سنية رافضة للحركة الحوثية بصورة مطلقة يزيد عدد سكانها على الثمانية عشر مليون مواطن يمني من أصل 25 مليونا. بالإضافة إلى رفض جزئي بنسب تتراوح مابين 30 إلى 50 بالمئة في المناطق الزيدية الشيعية، واتساع جغرافية الرفض مستمر على هذه الحالة التصاعدية وخاصة بعد الانقلاب على الرئيس المستقيل عبدربه منصور هادي وهو ما يجعل الوضع الراهن قابل للعديد من السيناريوهات لتشكل خارطة الصراع اليمني.

6