عين الصحافة الغربية تتسع أمام نكبة بيروت

من المفيد جدا تشجيع الكتاب العرب المسؤولين عن جوهر الكلمة على الكتابة للصحافة الغربية، على الأقل لمساعدة القارئ الغربي في فهم ما يحدث في بلداننا الساخنة، وفك الالتباس السياسي والديني في ذهنه.
السبت 2020/08/15
الحدث اللبناني كان درسا صحافيا مختلفا

مع أن العين الصحافية الغربية كانت أوسع مما توقعت في تغطيتها لانفجار بيروت، وقربت بأقصى ما يمكن الواقع اللبناني إلى الجمهور الغربي، إلا أن تساؤلا مازال قائما بشأن قدرة الصحافة الغربية على فهم الواقع السياسي اللبناني أكثر من أي مساحة عربية أخرى.

لدي مثالان على النجاح الصحافي في تغطية انفجار بيروت، يتمثلان في صحيفتي نيويورك تايمز الأميركية والغارديان البريطانية، فقد تعاملتا مع الحدث وكأنه خبر محلي يستحق التعاطي معه بشكل مستمر سواء في تقارير المعلومات أو التحليل أو الرأي.

وبينما أرادت نيويورك تايمز أن تصل بخطابها إلى القارئ العربي واللبناني، فذهبت إليه مباشرة ولم تنتظر أن يأتي إليها، عندما نشرت مقالا باللغة العربية في موقعها لمراسلتها في الشؤون الدولية فيفيان يي بعنوان مثقل بالأسى “كنت مضرجة بدمائي ومذهولة. أناس غرباء في بيروت عاملوني كأنني صديقة” مع تقاريرها الأخرى باللغة الإنجليزية، ذهبت الغارديان أبعد من ذلك عندما استكتبت محللين وصحافيين لبنانيين وعرب لقراءة الفاجعة، وبالفعل نشرت مقالات مهمة تستحق الانتباه بالنسبة إلى القارئ البريطاني، كتبتها لينا منذر وليلى خليلي وكيم غطاس وأنطوان عيسى ولينا الخطيب، وجميعها كانت تقرأ الحدث اللبناني بعين صحافية تحليلية لا ترتدي عدسات السائح الأجنبي، وهذا أفضل ما يمكن أن تقدمه الصحافة الغربية لقرائها عندما يتعلق الأمر بالأحداث العربية.

لم يحدث مثل هذا الأمر بشأن كل ما يتعلق بقصص العراق وسوريا ودول الخليج والمغرب العربي، كانت هناك قصص تفتقر إلى الفهم الواقعي على الأرض، عندما يكتبها صحافيون بريطانيون عن واقع عربي سياسي واجتماعي وطائفي ملتبس.

قد يعزو البعض كثافة الاهتمام بالخبر اللبناني إلى وجود مكاتب إقليمية لكبرى المؤسسات الإعلامية والصحافية الدولية في بيروت لتغطية أخبار المنطقة، لكن ذلك لا يعني شيئا حيال العمل الرائع الذي يقوم به عدد كبير من الصحافيين في تاريخ هذه الأزمات، بمن فيهم الذين يتحدون الدمار في بيروت اليوم، على الرغم من ضياع تقارير أولئك المراسلين غالبا في دورة الأخبار المحلية بالصحافة البريطانية والأميركية.

الحدث اللبناني كان درسا صحافيا مختلفا بالنسبة إلى الصحافة الغربية وهذا أمر يستحق الاهتمام، مع أنه أتى لسوء الحظ مع انفجار تسبب بالنكبة لأهلنا في لبنان.

ويرى جون أولسوب الصحافي المستقل الذي عادة ما يحلل تقارير الصحافة العالمية في مجلة “كولومبيا جورنالزم ريفيو” أن الصحافة الأميركية لا تكف عن التطلع بلا هوادة إلى ما يحدث داخل البلاد، لكن انفجار بيروت بمثابة تذكير صارخ بمآسٍ خارج الحدود.

وهذا ما تصفه دانييل كيلجو أستاذة الإعلام في جامعة إنديانا الأميركية، بأن الصحافيين والمراسلين يتمتعون بسلطة هائلة عندما يتعلق الأمر بكيفية نظر الجمهور إلى الاحتجاجات وفهم شرعيتها، كما الأحداث التي تغير وجه البلاد.

بلد جبلي صغير ينتج القليل جدا، باستثناء شيئين: دمار ومهاجرون

هذه الانفجارات الضخمة قد تكون نادرة الحدوث. لكنْ ثمة أحداث لا تقل ألما عنها تودي بحياة المئات من الأشخاص في لبنان والعراق واليمن وليبيا… سواء بالقمع الحكومي أو الأمراض أو البؤس الاقتصادي، لا تلقى اهتماما حقيقيا من الصحافة الغربية.

لذلك أرى من المفيد جدا تشجيع الكتاب العرب المسؤولين عن جوهر الكلمة على الكتابة للصحافة الغربية، على الأقل لمساعدة القارئ الغربي في فهم ما يحدث في بلداننا الساخنة، وفك الالتباس السياسي والديني في ذهنية الجمهور الغربي.

فوفق التقويم المفرط في التفاؤل لا تمنح هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” مثلا في نشرتها الإخبارية الرئيسية مساحة للحدث العربي بما يلائم سخونته، فالخبر العربي وفق الاعتبارات التحريرية ثانوي قياسا بالخبر المحلي، ذلك أيضا ما يحدث في وسائل الإعلام الأميركية، لذلك بدت لي التغطية الغربية لانفجار بيروت الكارثي فاصلة مهمة لتوثيق صلتنا الصحافية مع وسائل الإعلام الغربية.

لم تنظر الصحافة البريطانية بعين واسعة للاحتجاجات المناهضة للطبقة السياسية الفاسدة التي اندلعت في العراق العام الماضي وراح ضحيتها المئات من الشباب المحتجين ضد فساد وطائفية وفشل الحكومة العراقية، وكانت التغطية مكررة لتقارير وكالات الأنباء، وحدث مثل هذا الأمر أيضا مع الانتفاضة اللبنانية ضد الفشل الطائفي بإدارة الدولة.

ومع الانفجار المروع في بيروت، اكتشفت أهم الصحف الغربية أن الحدث أكبر من أن يوضع في هامش الأخبار، وعليها ألا تكتفي بالتقارير الإخبارية المتاحة في وكالات الأنباء، لذلك استنفرت نيويورك تايمز جميع مراسليها لتزويدها بتقارير نوعية وبمحتوى متميز، وبمجرد فتح صفحة أخبار الشرق الأوسط بموقع الصحيفة الأميركية نكتشف استمرارية المادة اللبنانية بتنوع مفيد للغاية للمتابع في شتى أنحاء العالم.

وبسبب الضائقة المالية التي تعاني منها صحيفة الغارديان البريطانية قلصت عدد المراسلين الخارجيين، وكان عليها أن تستكتب غيرهم، فركزت هذه المرة على كتّاب ومتخصصين لبنانيين وعرب، لذلك بدت الصورة أكثر من واضحة بالنسبة إلى قارئ الغارديان عما يحصل في لبنان، فقد كشف الانفجار المروع استمرارية الفشل الحكومي والتقسيم الطائفي للبلاد التي كانت في يوم ما أكثر من جميلة في الخيال الغربي.

كان أمرا يستحق الاهتمام عندما يقرأ المتصفح في كل دول العالم ما كتبته لينا منذر متسائلة “لماذا لن نسامح الذين فعلوا هذا ببيروت؟”.

وتقول منذر إنها قد واجهت حزنا منهكا من قبل، من ذلك النوع الذي يسمح على الأقل براحة قصيرة أو بضع ثوان من النسيان قبل أن تنغمس في ذكرى كيف تحطمت حياتك. لكن حزنها الحالي لا يعرف راحة أو هوادة. فما تحطم ليس حياتها فقط، بل العالم كله الذي يعطي هذه الحياة سياقها ومعناها، من الأحباء والأصدقاء إلى المدينة التي تضم حياتها وحياتهم.

وتتساءل بمرارة “نحن جميعا في بيروت -وأولئك الذين غادروها ولكنهم أحبوها- غارقون في الإرهاق والحزن والغضب العارم. يمكننا فقط التفكير والتحدث عن شيء واحد: ماذا حدث وكيف ومن المسؤول”.

ويقرّب أنطوان عيسى صورة لبنان إلى القارئ الغربي بمقاله في الغارديان، بتعريف مبسط عن بلد جبلي صغير ينتج القليل جدا، باستثناء شيئين: دمار ومهاجرون.

وكتب عيسى “لقد عانى كل جيل لبناني على مدى الـ160عاما الماضية من الصدمات، حيث حمل كل مولود جديد ندوب الشيخوخة. وخلال نفس الفترة الزمنية، كان المتفائلون بالبلاد يفرون من البؤس الذي يلوث وطنهم العزيز.

فيما رأت لينا الخطيب في مقالها بالغارديان أن النظام السياسي القائم في لبنان هو الذي يسهل سلوك قادته المتهاون لذلك اعتاد أولئك القادة على مدى عقود على إهمال المصلحة الوطنية. كما حمّلت المجتمع الدولي جزءا من المسؤولية بدعمه اللامسؤول لهذا النظام.

18