عين تركيا لا تنام في شرق المتوسط

أوهام الإمبراطورية وأطماعها حاضرة في ذهن أردوغان.
الأحد 2021/01/24
إبحار تركي محفوف بمخاطر كثيرة

لا يقف نظام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عند حدود بحرية وبرية واحدة لتحقيق غاياته وإقامة حلمه الأبدي باستعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية. وسائله تتمثل في الغزو العسكري والسياسي والثقافي، وأدواته تتجاوز إرسال سفن تنقيب عن الغاز ومصادر الطاقة الأخرى في شرق المتوسط. فما هي أهدافه الحقيقية؟

أنقرة - لم تعثر سفن التنقيب التي أرسلها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على مواد هيدروكربونية قبالة ليبيا واليونان حتى الآن، في وقت جعل فيه أردوغان مغامرات تركيا بلا هوادة في محيطها القريب والبعيد، وحوّل سياسة بلاده الخارجية الحذرة في السابق إلى أكثر عدوانية حاضرا.

يحرك أردوغان قواته وسفنه وجيشه وأدواته في الخارج لتحقيق غايات وأهداف أعلن عنها سابقا، جعل من مصطلحات “الجغرافيا في قلوبنا” و”حدودنا الروحية” المحرك الأساسي لتبرير تدخلاته في أوروبا الشرقية والشرق الأوسط وآسيا الوسطى، وغرس تلك النزعة الانتقامية التاريخية في خطاباته منذ سنوات.

لكن ماذا يريد أردوغان من شرق المتوسط؟ هل فعلا المسألة لا تتجاوز البحث عن مصادر الطاقة والتنافس مع دول متوسطية؟ أم أن هناك خفايا سياسية وأطماعا تاريخية تجتاز تلك المنطقة لتصل إلى ما أبعد من ذلك، وماذا عن تدخله العسكري في ليبيا؟

يقول الباحثان والمحللان السياسيان زينوناس تزياراس وجليل الحرشاوي، في تقرير نشرته مجلة “فورين بوليسي” الأميركية، إن “الأزمة في شرق المتوسط لا تتعلق في المقام الأول بالغاز الطبيعي بل بقضايا السيادة التي تعود إلى عقود من الزمن والتي أصبحت مشبعة بمزيج من الطموحات الجيوسياسية القديمة والجديدة”.

ويرى الباحثان، أن “تركيا تنظر إلى البحر على أنه نقطة انطلاق لاكتساب المزيد من النفوذ في المغرب العربي والساحل وغرب أفريقيا”، مشيران في الوقت ذاته إلى أن الهوية والأيديولوجيا تحركان الأحلام التركية أيضا.

واشتبكت سفن المسح الزلزالي والبحرية التركية مرارا مع السلطات اليونانية أثناء البحث عن الهيدروكربونات في المياه قبالة جزيرة كاستيلوريزو اليونانية الصغيرة، وهي منطقة متنازع عليها مع تركيا. ولا تترك أنقرة أيّ فرصة لإعادة إحياء أزمات سابقة في محيطها القريب.

أجندة أردوغان تشمل أكثر من مجرد الدفاع والبقاء، وهدفه النهائي يكمن في تغيير الوضع الجيوسياسي الحالي

ويؤكد الباحثان أن الخلاف حول كاستيلوريزو والتوغلات التركية في شرق البحر المتوسط مجرد أعراض قريبة لصراع متجذر على السيادة، وأن المسألة تفاقمت بسبب التخلي عن مبادئ السياسة الخارجية التركية التي قامت منذ فترة طويلة على أساس الحذر وتجنب المغامرة.

ولا تبدو أن دبلوماسية البوارج الحربية وسفن التنقيب قد نجحت في قلب المعادلة في شرق المتوسط، على الرغم من محاولات الرئيس التركي الإيحاء بأنه الممسك بخيوط اللعبة، لكنه بدا الخاسر الرقم واحد في ضوء خلافاته المتفاقمة مع الجميع، والتحالفات القوية بين دول المتوسط للاستفادة من مصادر الطاقة والغاز الوفيرة في تلك المنطقة.

وتستخدم أنقرة سياسة إرسال سفن التنقيب إلى شرق المتوسط في محاولة للضغط على القوى الغربية في صراعها على النفوذ. وتنشط تركيا بكثرة على صعيد بعث تهديدات مباشرة وغير مباشرة بهدف تثبيت أقدامها في المناطق التي أرسلت إليها قوات وسفنا أو تعمل على ذلك.

ولم تعد تركيا ذاك النموذج الذي يحتذى به تحت سلطة الرئيس أردوغان، بعد أن غيّر الكثير في الداخل التركي لصالح حزبه ونظامه وعزز من بسط نفوذه في كل مكان، مستفيدا من التغييرات الخارجية التي غضت الطرف عن السياسات القمعية في الداخل.

ويقول تزياراس والحرشاوي في تقريرهما إن “أجندة أردوغان تشمل أكثر من مجرد الدفاع والبقاء، وأن هدفه النهائي يكمن في تغيير الوضع الجيوسياسي الحالي بطرق يعتقد أنها تفيد تركيا”.

وجعل أردوغان من التدخلات الخارجية في بؤر التوتر نافذة إضافية لإحياء طموحات الزعامة الإقليمية والدولية، لرجل جعل الداخل التركي يتجه أكثر نحو نظام سياسي قائم على الدكتاتورية والحكم الأمني.

أبعد من شرق المتوسط

تركيا تنظر إلى البحر المتوسط على أنه نقطة انطلاق لاكتساب المزيد من النفوذ في المغرب العربي والساحل وغرب أفريقيا
تركيا تنظر إلى البحر المتوسط على أنه نقطة انطلاق لاكتساب المزيد من النفوذ في المغرب العربي والساحل وغرب أفريقيا

سارع الرئيس التركي إلى الرد على منتدى غاز شرق المتوسط بعقد اتفاق مثير للجدل مع حكومة الوفاق الليبية برئاسة فايز السراج للاستحواذ على مناطق بحرية يعتقد أنها غنية بالغاز ومصادر الطاقة الأخرى. وعمل على نشر جنود ومستشارين عسكريين أتراك في البلد الغني بالنفط بحجة دعم تلك الحكومة ضد هجوم يقوده الجيش الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر.

بدا التدخل التركي في ليبيا عبر نشر المرتزقة والجنود الأتراك، أكثر من مجرد مساعدة ميليشيات حكومة الوفاق، إلى أبعد من ذلك بالتدخل للاستيلاء على مناطق النفط والغاز، ووضع نقطة انطلاقة نحو تعزيز الحضور التركي والنفوذ في شمال أفريقيا.

ويضيف الباحثان بالقول إن “التدخلات الخارجية جعلت تركيا دولة رجعية تسعى للسيطرة على أراض أجنبية في سوريا والعراق، وتتحدى الحدود البرية والبحرية في قبرص واليونان، وتمارس الهندسة الديموغرافية والتدخل السياسي في سوريا وشمال قبرص، ولها قواعد في الصومال وقطر، وتشغّل الوكلاء التابعين لها في ليبيا وشمال سوريا وقرة باغ”.

ويرى الباحثان أن هذه التدخلات “تأتي في النهاية بنتائج عكسية في تعزيز مكانة تركيا في مواجهة الحلفاء السابقين، لكنها ضمن مسار انتقامي مستوحى من سياسة أنقرة الخارجية الحالية، مع النسخة التجارية التركية الخاصة بالإسلام السياسي”.

ويلعب ملف العضوية التركية في الاتحاد الأوروبي محركا إضافيا في خطط أردوغان، وينظر نظامه إلى معاهدة لوزان لسنة 1923، التي أسست الجمهورية التركية ورسمت حدودها الحديثة، على أنها “لعنة وتنازل لم يكن على تركيا أن توافق عليه أبدا”. وتأسف نخب حزب العدالة والتنمية على التنازل عن مناطق في شمال سوريا وشمال العراق بموجب المعاهدة، وادعى القوميون الأتراك أنها كانت في ميثاقهم الوطني سنة 1920.

وعلى الرغم من أن مؤسس تركيا الحديثة مصطفى كمال أتاتورك صوّر معاهدة لوزان على أنها انتصار تاريخي، يراه أردوغان وأتباعه على أن أيّ شيء أسفر عن إلغاء الخلافة والسلطنة “خيانة”، خاصة عندما يتبعه مشروع علمنة، ولهذا السبب يرى الرئيس التركي أن مراجعة معاهدة لوزان أساس لطموحاته السياسية، وربما هذا الأمر يفسر طريقة التدخلات التركية الخارجية المثيرة للاستفزازات في مناطق مختلفة من العالم.

يعتبر الباحثان أن الحكومة الكمالية “لم تكن لتفكّر في مثل هذه المغامرات المليئة بالمخاطر، حيث كانت السياسة الخارجية الكمالية في معظمها تتسم بالخوف من خسارة الأراضي وليس كسبها”. ويقولان إن هذا الأمر تغيّر مع أردوغان وأتباعه مما أدى إلى تورط تركيا في حرب أهلية على بعد أكثر من ألف ميل من حدودها.

الكنز الليبي

عين تركية دائمة على ثروات ليبيا
عين تركية دائمة على ثروات ليبيا

لا يتوقع تقرير “فورين بوليسي” أن يلجأ الرئيس التركي إلى اتخاذ قرار بالمغادرة في الوقت القريب من ليبيا، إضافة إلى أنه “لا يمكن مواصلة الوجود العسكري القوي بتكلفة زهيدة” في ضوء ما قدمه من خدمات لحكومة الوفاق، وما ينتظره من تحقيق غاياته بالحصول والاستحواذ على مصادر الثروة، مع ما يعنيه البلد بالنسبة إلى أردوغان من أطماع سياسية واقتصادية آنية ومستقبلية.

وترى المجلة الأميركية أن الاتفاقية الموقّعة مع ليبيا “لم تكن وسيلة لتركيا لاستخراج الغاز الطبيعي من الساحل الليبي بقدر ما كانت محاولة لتخريب الحدود البحرية الحالية وتعطيل مطالب الدول الأخرى المعترف بها، بما في ذلك قبرص ومصر واليونان”.

وتؤكد أن الاتفاقية المثيرة للجدل والانتقادات “تهدف بالأساس إلى إضفاء الشرعية على تطلعات تركيا التوسعية في جوارها المباشر”.

ووقّعت تركيا وليبيا مذكرة بشأن ترسيم حدود الجرف القاري والمناطق الاقتصادية الخالصة في شرق البحر المتوسط، بالإضافة إلى دعم حكومة الوفاق عسكريا في مواجهة الجيش الليبي.

وعلى الرغم من الهدوء الذي يسود ليبيا في الوقت الراهن بعد انسحاب الجيش من محيط طرابلس وبعض المناطق، ونجاح الأمم المتحدة والدول الداعمة للحل السياسي في تقريب وجهات النظر الليبية على أكثر من صعيد وملف، باتت التساؤلات حول الأنشطة التركية في ليبيا أكثر إلحاحا للحصول على إجابات حول مصيرها.

ويقول تزياراس والحرشاوي، في نبرة يلفها الشك، إنه “لم يُعرف بعد ما إذا ستثبت عملية أنقرة المستمرة في ليبيا أنها مستدامة أو حتى مفيدة للمصالح الوطنية التركية، لكن بالنظر إلى ميول أردوغان التحريفية تبدو المخاطر كبيرة”.

وتقع معظم احتياطيات ليبيا من الهيدروكربونات ضمن مناطق سيطرة الجيش الليبي بقيادة حفتر، ولا يعرف كيف يمكن لتركيا ضمان الجدوى الاقتصادية لوجودها في ليبيا في المستقبل.

ويرى الباحثان أنه “إذا لم يتم العثور على أموال في البحر، فيجب ربح الأموال على الأراضي الليبية”، ويبدو أن هذا الأمر هو الدافع الرئيسي للتغلغل التركي داخل ليبيا بالزّعم أنها تعمل على “حماية حكومة الوفاق” ودعم جماعات إسلامية متطرفة تعمل وفقا لأجندتها في المنطقة.

----

ويذكّر الباحثان بأن لتركيا حوالي 20 مليار دولار من العقود المعلقة مع الدولة الليبية في مشاريع البنية التحتية والهندسة والطاقة، وتم توقيع تلك العقود قبل إسقاط النظام السابق قبل نحو عقد من الزمن. وتنظر أنقرة إلى الحاجة الماسة لليبيا لإعادة الإعمار على أنها فرصتها لتحصيل عدة مليارات من الدولارات من خلال صفقات تجارية بعد تفاقم أزمتها الاقتصادية الداخلية.

كما أن تركيا أبدت في أغسطس من العام الماضي اهتمامها بتحصيل مدفوعات بالعملة الصعبة من حكومة الوفاق من خلال توقيع اتفاقية مع مصرف ليبيا المركزي، وأن “هذا الأمر وحده لن يغطي مستحقات تركيا”.

وحسب “فورين بوليسي” فإن “القطاع المالي الليبي أصيب منذ سنة 2014 بشلل بسبب الخلل الوظيفي والاقتتال الداخلي، ويكمن آخر آماله المتبقية في الإنقاذ في اقتراح إصلاح الأمم المتحدة الذي قدم العام الماضي، وأنه لا يمكن لتركيا الاستفادة من الخطة إلا إذا وافقت الفصائل الليبية المتنافسة عليها”.

ويعتقد التقرير أن “إصلاح المصرف المركزي قد ينتهي ضد مصالح تركيا”، إضافة إلى خشية أنقرة من أن يعيد حفتر فرض حصاره، خاصة أن ليس هناك ما يضمن أن حملة الضغط التي قادتها الولايات المتحدة وروسيا، والتي أنهت الحملة السابقة، ستكون موجودة لإنقاذ الموقف مرة أخرى.

وتختتم المجلة الأميركية  تقريرها بالقول إنه “بالنسبة إلى تركيا يعتبر النفط والغاز الطبيعي وسيلة لتحقيق غاية: في ليبيا، يضمن النفط بقاء حكومة الوفاق الوطني من خلال تقليل اعتمادها الاقتصادي على الأعداء. وتحتاج أنقرة حلفاء أقوياء لتحقق غاياتها”.

7