عين محبي المغامرة على الحفرة الزرقاء في دهب

المدينة المصرية وجهة سياحية تحمل زائريها في رحلات غوص خطيرة ومثيرة، وتجذب السائحين لممارسة أنشطة الغطس الشاطئية لما توفره من مناظر طبيعية خلابة.
الأحد 2018/10/14
رحلة شيقة تجمع بين الإثارة والموت
تعد منطقة الحفرة الزرقاء بمدينة دهب المصرية المطلة على البحر الأحمر، نقطة جذب سياحي تستقطب أعدادا كبيرة من محبي سياحة الغوص من كافة أنحاء العالم، وهو ما تعمل الحكومة المصرية على الاستفادة منه في الترويج للسياحة ضمن خطتها للسياحة الشتوية التي تنطلق مع بداية العام 2019.

 دهب (مصر) - كادت منطقة “البلو هول” أو “الحفرة الزرقاء” الشهيرة بسياحة الغوص في مدينة دهب المصرية المطلة على البحر الأحمر، تفقد بريقها كوجهة للسياح المغامرين من مختلف أنحاء العالم، عقب غرق المنقذ الأيرلندي استيفن كينان (أشهر الغواصين المنقذين)، لكن انتعاش السياحة حاليا أعاد الاعتبار إليها وزاد من إقبال الزائرين عليها.

تغري تلك المنطقة الواقعة شمال مدينة دهب (جنوب سيناء) الكثير من المغامرين بتحدي الغوص في عمقها البالغ 130 مترا، في محاولة لاستكشافها والتعرف على سر غرق بعض الغواصين فيها، كما أنها تجذب السائحين لممارسة أنشطة الغطس الشاطئية لما توفره من مناظر طبيعية خلابة.

توصف “الحفرة الزرقاء” بأنها تجويف دائري داخل حائط من الشعاب المرجانية بقُطر 100 متر، ويوجد تجويف آخر في المنطقة ذاتها ويعرف باسم “القنطرة”، وهي فتحة مقوسة تصل الحفرة الزرقاء المغلقة بالبحر المفتوح، والقنطرة أحد أسباب عدة حوادث جراء دخول النور من الجهة المقابلة للغواص، ما يؤدي إلى الشعور بقصر المسافة داخل الفتحة، علاوة على عدم وجود أرض مسطحة يعتمد عليها الغواص كدليل يمكنه من الغوص على أساسه.

يرجع اكتشاف تلك المنطقة إلى العام 1962 حينما شاهدها طيارون كانوا على متن طائرة هليكوبتر، وجذبهم وجود بقعة زرقاء داكنة على شكل دائري، فقرروا الذهاب إليها وغطسوا داخلها، ومنذ ذلك الحين يتوافد عليها محبو الغوص من جميع الجنسيات.

أمام الإقبال المتزايد على سياحة الغوص في مدينة دهب أنشأ البعض من الغواصين 'المتحف الغارق' الذي يجذب الآلاف من السائحين سنويا

وتضع وزارة السياحة المصرية ضوابط صارمة للغوص فيها وتشترط أن يكون السائح حاصلا على شهادات تدريب الغطس الدولية، ويقبل على زيارتها خريجو مراكز الغطس العالمية، ويتركز الاهتمام حاليا على جذب الآلاف من الغطاسين من الحاصلين على شهادات ممارسة الغطس سنويا.

وقال عمرو أبوجريشة، أحد غطاسي مدينة دهب، لـ”العرب” إن المنطقة نجحت العام الحالي في استقطاب مئات الآلاف من السائحين الحاصلين على دورات تدريبية متخصصة في الغوص، والعديد منهم قام بالغوص في تلك المنطقة أكثر من مرة للتعرف على أسرارها، وقام بعضهم بإجراء أبحاث علمية للتعرف على أسباب وفاة عدد من الغطاسين المحترفين.

وأضاف أبوجريشة أن الرغبة في المغامرة تغلب على نوعية السياحة الوافدة لتلك المنطقة تحديدا، وهي تشكل أحد أكبر مصادر الدخل بالنسبة للسياحة الوافدة إلى مصر، لأن إقامة العديد من المغامرين تمتد لأشهر وربما سنوات، ويأتي إلى المنطقة سياح متخصصون كل عام.

وأوضح أن الغواصين المحترفين لا يجدون صعوبات كبيرة في التعامل مع البلو هول، وأن أغلب حالات الوفاة التي شهدتها خلال العشر سنوات الماضية كانت من نصيب بعض الهواة الذين يصرون على التعمق داخل الحفرة الزرقاء رغبة في استكشافها والتعرف عليها دون الأجهزة والأدوات اللازمة، وكان ذلك دافعا لزيارة غواصين مغامرين إلى مصر مؤخرا.

الحفرة الزرقاء في دهب الأكثر جمالا ورعبا
الحفرة الزرقاء في دهب الأكثر جمالا ورعبا

تشهد تلك المنطقة على قصص الكثير من الغواصين الذين لقوا حتفهم، وأشهرهم وفاة الغطاس الأيرلندي ستيفن كينان، عن عمر يناهز 39 عاما، بعد أن أنقذ صديقته إليسيا من الغرق بينما كانت تحاول عبور منحنى الجرف المائي في موقع البلو هول، وسارع كينان إليها لمساعدتها وإرشادها إلى سطح الماء، وتمكنت هي من النجاة، بينما فقد هو وعيه، وعُثر عليه طافيا على سطح الماء على مسافة بعيدة.

كان ستيفن منخرطا بشدة في مجتمع الغطس الحر في دهب المصرية، ويمارس رياضة الغطس الحر، وهي طريقة للغوص يكتم فيها الغواصون أنفاسهم، ويعودون إلى السطح بدلا من استخدام معدات الغوص، وكان مشاركا في مدرسة غطس محلية شهيرة للغاية، تُسمى “دهب فريدايفرز”.

ويحاول القائمون على سياحة الغوص في مدينة دهب، استغلال اهتمام المغامرين بمنطقة البلو هول، من خلال عرض العديد من الأفلام التسجيلية للتعريف بمناطق الغوص الموجودة فيها، بالإضافة إلى عرض قصص أشهر الغواصين الذين زاروها على مدارس السنوات الماضية.

وتشهد مدينة دهب هذه الأيام رواجا في انتشار مراكز تدريب الغوص، ويشرف عليها بعض الغواصين المصريين والأجانب، ومنها ما يعمل في تنظيم رحلات الغوص وتنفيذ برامج غوص متعددة للسائحين الذين يتوافدون على مدنية دهب للاستمتاع بتلك الرياضة، استغلالا للرواج الذي تشهده فنادق المدينة وبلغت نسبة الإشغال فيها 75 بالمئة الشهرين الماضيين.

ويشير البعض من المهتمين بالسياحة إلى أن منطقة البلو هول ساهمت في إنعاش سياحة الغوص في مصر بشكل عام، خاصة في منطقتي شرم الشيخ ودهب، وهما تحتويان على 120 مركزا مخصصا لرياضة الغوص، وهي سياحة تسعى القاهرة للترويج لها ضمن خطتها للسياحة الشتوية التي تنطلق مع بداية العام 2019.

اكتشاف البقعة زرقاء يرجع إلى العام 1962 حينما شاهدها طيارون، فقرروا الغطس داخلها، ومنذ ذلك الحين يتوافد عليها محبو الغوص 

وأكد محمد أمين، أحد المرشدين السياحيين بمدينة دهب، لـ”العرب” أن السياحة الوافدة إلى تلك المدينة يأتي أغلبها من أوكرانيا والذين يهوون سياحة الغطس، بالإضافة إلى عرب 48 الذين يأتون إليها لانخفاض أسعارها مقارنة بشرم الشيخ وقرب مسافتها، كما أن دهب تمثل سوقا رائجة لسياحة اليوم الواحد الوافدة من إسرائيل والأردن للاستمتاع برحلات الغوص والتجول وسط المحميات الطبيعية.

وأمام الإقبال المتزايد على سياحة الغوص في مدينة دهب، وتعرض بعض الشعاب المرجانية لمخاطر نتيجة زيادة عدد الغطسات على الأنواع النادرة منها، أنشأ البعض من الغواصين المصريين “المتحف الغارق”، وهو عبارة عن تجميع لبعض التماثيل وتثبيتها في أعماق تتراوح ما بين 25 و30 مترا تحت الماء لجذب السياحة إليها وخلق مناطق جديدة للشعاب المرجانية حولها.

وأصبحت تلك المنطقة المعروفة باسم “اللايت هوس”، جاذبة للآلاف من السائحين سنويا لرؤية التماثيل، منها تمثال “حورس” إله الحماية عند الفراعنة و”بس” إله المرح والفكاهة، وتمثال لفيل عملاق مصنوع من الخردة المعالجة بيئيا.

وأعلنت جمعية حماية البيئة بالبحر الأحمر في أغسطس الماضي، عن مشروع لخلق مناطق غوص عالمية جديدة للحفاظ على مناطق الشعاب المرجانية، بإغراق معدات حربية وطائرات وقطارات، خرجت من الخدمة لخلق مواقع غوص جديدة وحيود مرجانية اصطناعية تخلق مأوى للعديد من الكائنات البحرية.

الغوص في عمق 130 مترا
الغوص في عمق 130 مترا

وتواجه الشعاب المرجانية النادرة في منطقة البلو هول أزمة ضعف وتآكل بعضها، وهو ما تنبهت إليه الحكومة المصرية مؤخرا، وأطلقت عبر وزارتي السياحة والبيئة حملة لتطوير المنطقة خلال شهر أكتوبر الجاري، ومقرر أن تمر الحملة بتنظيف المنطقة التي تشهد رحلات غطس يومية وتوفير منطقة خدمات للزوار وتكثيف المعلومات الاسترشادية للتقليل من حوادث الغرق.

وأوضح هشام جبر، رئيس غرفة سياحة الغوص سابقا، لـ”العرب” أن غياب الترويج الجيد لمناطق الغوص يؤدي إلى فقدان العديد من المهتمين بها، لافتا إلى أن مصر كانت تستقطب في العام 2010 حوالي ثلاثة ملايين سائح يأتون خصيصا لمناطق الغوص وينفقون أضعاف السائحين المهتمين بالسياحة الشاطئية العادية، مشيرا إلى أن مصر تستقبل حاليا حوالي مليون ونصف المليون سائح يقومون بالغوص داخل أكثر من 300 مركز مخصص للغوص في المدن الساحلية.

وتقوم مجموعات كبيرة من السفن فجر كل يوم باختراق عباب البحر الأحمر من مدينة دهب وشرم الشيخ، وتحمل الآلاف من السائحين، بعضهم يقوم بممارسة الغوص، وقلة منهم تستمتع برؤية الشعاب المرجانية من على ظهر السفن، ويقوم غواصون مدربون باصطحاب من لا يجيدون الغوص، بعد ارتداء البذلة الخاصة بذلك.

16