عيون الغربي ترى العربي الإرهابي وتغفل المفكر

غالبا ما يروج الإعلام الغربي، سواء الصحف والمجلات أو الإذاعات والتلفزيون ـ خاصة في السنوات الأخيرةـ صورة سلبية وسيئة ومشوهة في كثير من الأحيان عن العرب والمسلمين الذين اختاروا لظروف ما التوجه للعيش في البلدان الغربية، متجاهلا الوجه المضيء لهذه الجاليات التي أثرى الكثير منها الخزينة العلمية والثقافية لتلك البلدان في عدة مناسبات. والواقع أن هذا الوضع وإن ساهم الإعلام الغربي بصورة كبيرة في انتشاره لا سيما في الداخل، إلا أن الدول الأصلية لهؤلاء المهاجرين تتحمل مسؤولية أكبر من حيث عدم جديتها في التصدي لهذا النمط من التعاطي مع أبنائها.
السبت 2016/01/30
الإعلام هو المسؤول

خلال الأشهر الماضية اعتدنا أن نرى في وسائل الإعلام العربية والأجنبية أخبارا عن شباب عرب لقوا حتفهم خلال محاولتهم التسلل إلى شواطئ أوروبا، في واحدة من موجات الهجرة غير الشرعية.

لكن في الوقت الذي تنتشر فيه دعوات الإسلاموفوبيا في معظم الدول الغربية و بضرورة طرد المسلمين ومنع دخولهم إلى أوروبا وأميركا، جاء انتخاب خديجة عريب، المسلمة ذات الأصول المغربية، رئيسة لمجلس النواب الهولندي، ليسلّط الضوء على الجانب الآخر من صورة المهاجرين العرب، التي تم تجاهلها أو تاهت وسط زحام الأخبار عن المتشدّدين الإسلاميين واللاجئين السوريين.

في نفس اليوم الذي تم فيه انتخاب عريب، ترأّست المصرية نجوى جويلي، الجلسة الأولى للبرلمان الأسباني، بعد حصولها على أعلى الأصوات في الانتخابات النيابية بإحدى ولايات إقليم الباسك، وقد سبقهما إلى منصات التتويج والإبداع الكثير من العرب. مع ذلك حينما نبحث عن نوعية مختلفة من الأخبار نقرأ عن متطرفين عرب أحدثوا أو حاولوا القيام بعمليات تخريبية في المجتمعات التي استضافتهم، أو عن عرب متسولين وعاطلين عن العمل ومتسكعين في الشوارع الأوروبية.وسط كل هذا يقف البعض ليتساءل بتعجب، متى كانت المرة الأخيرة التي سمع فيها قصة مهاجر عربي قدم إسهامات إيجابية في دولة غربية، أو كانت له أياد بيضاء على المجتمع الأوروبي الذي يعيش فيه؟

الغرب بريء من التشويه

جهاد عودة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة حلوان (جنوب القاهرة)، يرى أن الدول الغربية بريئة من تشويه المسلمين أو التقليل من إسهاماتهم. وقال في تصريحات لـ”العرب” إن المشكلة في الواقع العربي الحالي الذي يفرز عدة أنماط من الشخصيات هي الإرهابي واللاجئ والمفكر والعالم وصانع السلام، مشددا على أن الأحداث الدولية الحالية هي السبب في التركيز على الأنماط السلبية وتجاهل دور المفكر والعالم.

قد يكون في تصوير الأمر على هذا النحو الذي يبرز العربي كشخص غير مرغوب فيه وعالة على المجتمع الغربي الذي احتضنه نوع من التوجيه المغرض، خاصة في تناول الإعلام الغربي لقصص الإرهابيين والمتسكعين، لتغذية النعرات العنصرية المتصاعدة ضد العرب المهاجرين هناك.

العلماء العرب الثلاثة الذين سبق لهم الفوز بجائزة نوبل في الطب والكيمياء حصلوا عليها عن أبحاث وأعمال قاموا بها في الدول الغربية

لكن في نفس الوقت لا يمكن لمنصف إنكار أن عددا كبيرا من المهاجرين أساؤوا بالفعل لسمعة العرب، لا سيما الذين يدخلون الدول الأوروبية بذرائع مختلفة، ثم يقيمون فيها بشكل غير قانوني إقامة تمتد غالبا لسنوات طويلة، قبل تسوية أوضاعهم القانونية.

هناك بالفعل العديد من الحالات الناجحة لشباب خرجوا من بلادهم قاصدين تلك الدول بشكل شرعي للاستفادة من منح دراسية أو عروض عمل مقننة، وهؤلاء قدموا الكثير من الإضافات الإيجابية للمجتمعات التي عاشوا فيها، كما أنهم لا يواجهون مشاكل في التكيف مع ثقافات تلك المجتمعات.

من الحقائق التي لا يتوقف أمامها الإعلام الغربي والعربي على حد سواء، أن العلماء العرب الثلاثة الذين سبق لهم الفوز بجائزة نوبل في الطب والكيمياء حصلوا عليها عن أبحاث وأعمال قاموا بها في الدول الغربية التي هاجروا إليها، واستفادت المجتمعات هناك من حصيلة أفكارهم وجهدهم.

وكان في مقدمة هؤلاء الطبيب اللبناني الأصل البريطاني الجنسية بيتر مدور الذي فاز بالجائزة عام 1960، ثم الكيميائي اللبناني أيضا الأميركي الجنسية إلياس جيمس خوري الذي فاز بها عام 1990، فضلا عن الكيمائي المصري الأميركي أحمد زويل الفائز بها عام 1999.

ويرى إبراهيم الشهابي، الباحث في العلاقات الدولية، أن ظاهرة انتشار العلماء العرب في الخارج تكشف عن خلل كبير في البنية التحتية العلمية في بلداننا العربية، وكذلك فشل المنظومات الإدارية المختصة بالبحث العلمي، وتراجع قدرة الدول على تبني نظام تشغيل أمثل للطاقات العلمية، بالإضافة إلى تقادم نظم التعليم والبحث في المؤسسات الجامعية العربية.

سعد الزنط: الكلام عن مؤامرة غربية نوع من الحماقة في ظل الواقع الطارد للعقول بمعظم الدول العربية

وأرجع السبب الرئيسي لانتقال العلماء العرب إلى الغرب لتنامي نفوذ الشركات متعددة الجنسيات، والتي ساهمت بشكل كبير في نقل الخبرات العربية في المجالات غير الأكاديمية بشكل منتظم عبر مواقع عملها المنتشرة في كل منطقة في العالم.

وأكد لـ”العرب” أن السبيل الأمثل لمقاومة ذلك إعادة تدوير رؤوس الأموال العربية في داخل مجتمعاتها وتحديث البنية التحتية علميا وتقنيا، بما يجعل المجتمع أكثر نضجا ومرونة مع تعزيز عامل التنافسية.

ينتشر العشرات من العلماء العرب والمسلمين بالجامعات الأوروبية والأميركية، فإلى جانب زويل الذى تم اختياره عضوا في الأكاديمية الأميركية للعلوم متجاوزا أحد شروطها بعدم قبول أي عالم يقل عمره عن 55 عاما، هناك الكثير من العلماء الشباب البارزين في الولايات المتحدة، منهم عالم الكيمياء الأردني عمر ياغي أستاذ الكيمياء بجامعة كاليفورنيا الذي حقق المرتبة الثانية في قائمة أعلى مئة كيميائي في العالم، علاوة على العالم اللبناني تشارلز العشي، الذى تولى رئاسة مختبر الدفع النفاث التابع لوكالة ناسا.

إهمال عربي ظاهر

يرى سعد الزنط، مدير مركز الدراسات الإستراتيجية وأخلاقيات الاتصال بالقاهرة، أن قيادات الدول العربية لا تؤمن بأي دور للعلم، وهو ما يدفعها لتقليل مخصصاته، ومن ثم إجبار الباحثين والعلماء على الهجرة بحثا عن إمكانية تنفيذ أبحاثهم في أي مكان في العالم.

وأشار في تصريحات لـ”العرب” إلى أن هناك علماء مصريين وعرب سافروا إلى الدول المعادية وحققوا نجاحات علمية كبيرة لتوافر الإرادة لديهم والوعي لدى من يستقبلهم ويستثمر إمكانياتهم. واعتبر أن الحديث عن مؤامرة غربية لاستنزاف العقول العربية نوع من الحماقة، لافتا إلى أن الغرب لا يحتاج لخطة أو مؤامرة في ظل الواقع الطارد للعقول الرافض لأي علم بمعظم الدول العربية.

وشدد على أن الوسيلة الوحيدة للاستفادة من العقول العربية بالخارج تأتي بتوافر إرادة سياسية وخلق آلية حقيقية بالدولة وحشد إمكانيات الدولة في خدمة العلم والعلماء.

وشهدت الشهور الماضية تصاعد حالة الإسلاموفوبيا الغربية، حيث بلغت حد المطالبة بترحيل العرب والمسلمين من أوروبا، ودعا دونالد ترامب أحد المرشحين للانتخابات الرئاسية الأميركية، لحظر دخول المسلمين للولايات المتحدة بعد أيام من إطلاق النار الدامي في كاليفورنيا.

عاصم الدسوقي، أستاذ التاريخ الحديث بجامعة حلوان، أكد لـ”العرب” أن هناك دراسات كثيرة تحدثت عن إسهامات العرب العلمية وأدوارهم في النهضة الأوروبية، لكن ما يحدث الآن يخضع للصراع السياسي لأن المطلوب تسفيه الخصوم وليس الحديث عن عبقريتهم.

هناك علماء مصريين وعرب سافروا إلى الدول المعادية وحققوا نجاحات علمية كبيرة لتوافر الإرادة لديهم والوعي لدى من يستقبلهم ويستثمر إمكانياتهم

وأرجع نجاح العلماء العرب في أوروبا إلى توافر إمكانات البحث العلمي دون عوائق، عكس الوضع بالدول العربية التي لا تهتم بالأبحاث العلمية، في ظل سيطرة أصحاب رأس المال على الحكم والذين يفضلون الاستيراد بدلا من الإنتاج لمزيد من الأرباح، الأمر الذي يجعل بلادهم في النهاية أسيرة التبعية السياسية.

وبحسب جريدة الإنــدبندنت فإن نحو 56 بالمئة من البريطانيين يعتبرون العرب والمسلمين خطرا على بريطانيا، وعدد قليل من هؤلاء يعتبر الدين الإسلامي هو الخطر، بينما يؤيد نحو 37 بالمئة من البريطانيين خفض عدد المسلمين في بريطانيا.

سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع السياسي بالجامعة الأميركية بالقاهرة، طالب جامعة الدول العربية في تصريحات لـ”العرب” بالقيام بدور أكثر إيجابية في إبراز النماذج العربية المضيئة التي حققت نجاحات ملموسة بالدول الأوروبية لمواجهة حملات التحريض الغربية ضد العرب والمسلمين بأوروبا.

ودعا صادق الجامعات العربية للقيام بحملات إعلامية مضادة حتى لو كانت مدفوعة الأجر للتأكيد على أن العرب ليسوا جميعا متطرفين أو لاجئين بل منهم الكثير من العلماء أصحاب الفضل على أوروبا والعالم.

وكان مرصد الإسلاموفوبيا التابع لدار الإفتاء المصرية قد أكد في تقريره خلال شهر يناير 2016 أن وسائل الإعلام الغربية تجذر لدى المواطن الغربي توجها سلبيا تجاه الإسلام والمسلمين عمومًا والمسلمين الذين يعيشون في الغرب منذ أجيال عديدة بشكل خاص، وهو ما يُترجم إلى سلوك عدائي لفظي ومادي تشهد عليه حوادث الاعتداء على الرموز الإسلامية كالمساجد والمراكز الإسلامية وحرق المصاحف في الغرب.

فضلا عن التضييق على المسلمين في أماكن السكن في الأحياء متعددة الأعراق والثقافات، بدعوى أنهم يمثلون خطرا وجوديّا على المجتمعات الغربية، وبغية حصارهم وعزلهم في مجتمعات منغلقة مما يعيق اندماجهم في هذه الدول.

اقرأ أيضا:

قوانين أوروبية صارمة لوقف تدفق اللاجئين

6