عيون رومي شنايدر تشتعل في غرام العراق

الأحد 2013/10/06
سليمة مراد: غناء الحنين

عندما شرعتُ في كتابة الفصل الأول من حكاية وطن من خلال عيون ممثلة سينمائية، والموسوم ( عراق رومي شنايدر ) كنتُ أعيد نسيج رواية البلاد في واحدة من تفاصيل دهشتها ومحنتها وشهوتها في اختيار فصول حياتها وتواريخها عبر ذاكرة الأجيال ومذاهب الثقافة والتحضر، وما يمنحه لنا بريق تيجان الملوك وعمائم السلاطين وسدارات الوزراء وبيريات وخوذ حروب الرؤساء حاملي لقب المهيب والزعيم والمشير.

وكان عليّ أن أجعل الحكاية بمثابة الوثيقة والشاهد لعصر أحلامنا وأشواقنا وسعادتنا المتشحة بحزن الفقر والقراءة والرغبة بصناعة أساطيرنا الفطرية والبريئة في المكان الذي صنع الأنبياء والشهداء وكتبة اللوح ومعلمي مدارس الحرف والموسيقى ونصوص الكتب السماوية.

وهكذا بدأ الكتاب معي في تحدٍ للسرد ومصداقيته والأمانة في كتابة كل هواجس شخصيات المكان وتواريخه من خلال عيون الممثلة النمساوية (رومي شنايدر) التي سحرت طفولتنا وصبانا ومراهقتنا بأفلامها الملونة والمثيرة والمجنونة.

إرثه الأدبي منحه اللجوء

تكاد الطبعة الأولى تنفد في الأسواق، وأكاد أعيش فصول الراوي الآخر الذي لم أكتبه في الطبعة الأولى لكتاب (عراق رومي شنايدر) وتكاد رسائل الأصدقاء على صفحتي على الفيسبوك تغرقني من كل العالم تتمنى اقتناء الكتاب بثمن أو بدونه.

ولهذا فإن الخمسين نسخة التي أرسلها لي صديقي ناشر الكتاب مازن لطيف من بغداد قد نفدت عدا نسخة واحدة ظلت معي لتوثق لزائر بيتي ما أكتبه وأصدره في مكتبة متواضعة تحوي بعض الكتب التي جلبتها من العراق وجابت معي مدن الأرض كلها من دمشق إلى طنجة إلى برشلونة إلى بومباي وحيدر أباد إلى قرطاج وبيروت وأخيراً نزلت بي طائرة اللوفت هونزا في مطار فرانكفورت أنا وعائلتي والعراق الحالم في دهشة حقيبة خبأت فيها كل كتبي التي كتبتها من مراهقة معهد المعلمين وحتى حصولي على جائزة دبي للرواية عن روايتي "جينكيزخان" لأسمع قاضي التحقيق يقول لي: من يحمل هكذا عناوين وإرثا لا يحتاج لنسأله كي نمنحه لجوءاً سياسياً وسنمنحكَ الظل والحديقة أنتَ وأطفالكَ لتكتب هنا بجوار بيت غوته ما تحلم فيه من روايات وقصص وقصائد وأحلام أصدقاءكَ المندائيين.

لقد أرسلت ما لديّ من نسخ الكتاب إلى قارات الأرض كلها. من مدينة الديوانية إلى شنغهاي ومن الشطرة حتى لاهاي ومن الكحلاء حتى مونتريال..

مولد "عراق رومي شنايدر"

"عراق رومي شنايدر" رواية الوطن

ولد (عراق رومي شنايدر) في صدفة مساء جلست فيها بحانة صغيرة على نهر الراين لأنتبهَ إلى صورة لرومي شنايدر بالأسود والأبيض وهي تدخن سيجارة بمتعة غريبة على ذات الزاوية والكرسي وذات الحانة التي أجلس عليها.. شعرت بسعادة عجيبة وسكنتني الرغبة والحماس لأكتب عن هذه اللحظة فإذا بها تمتد لتصير كتابا يروي تفاصيل عشق نادر وغريب سكن طفولتي وذكورتي إلى هذه الممثلة بارعة الآداء والجمال والتي ماتت منتحرة بسبب كآبة لازمتها إثر موت ولدها أثناء سقوطه من شرفة الغرفة على سياج الحديقة الحديدي في اللحظة التي كانت فيها شظايا المدفع الإيراني تسقط على صورها التي علقتها على جدار ملجئي الصغير على جبل لاله حمران في قاطع بنجوين.

عراق رومي شنايدر رواية الوطن في تعدد هواجس التفكير فيه، إنه ذاكرة للأجيال التي عاشت المخاضات العسيرة في جبروتها وخذلانها وتلويناتها المجتمعية والروحية والعقائدية.

جزء منه حكاية اليهود وتأثيرهم الحضاري في البلاد منذ سبي بابل وإلى اليوم، وفصل يتحدث عن الحروب وفصول أخرى تتناول أطياف مجتمعية ودينية صنعت من عيون هذه الممثلة ودهشتها تواريخ لأحلامها وذكرياتها وفصولها الغرامية والنضالية والمنفية أيضاً. عراق رومي شنايدر حرصت ليكون عطر الوطن فينا قبل أن نكون نحن العطر الذي فيه.

وعلى حد قول الناقد السينمائي الدكتور فراس الشاروط إن قراءة كتاب عراق رومي شنايدر تقودنا إلى الرعشة والتذكير بسحر اللحظات الفاتنــة التي كنا نتسمــــر فيها أمام شاشات السينما ونحن نعيش رعشة ولذة قبلة الفم المتبادلة بين الممثل الفرنسي آلن ديلون والممثلة النمساوية رومي شنايدر.

إنه الكتاب الذي يعيش وقائع الحدث بتفاصيل المكان منذ سدارة الملك الهاشمي فيصل الأول وحتى جلوس بول بريمر على ذات الكرسي الذي كان يوقع عليه صدام حسين بيانات الحرب ومراسيم منح الأنواط وإعدام خصومه.

إشكالية العلاقة بين العرب واليهود

كتاب في رواية لإثارة الإسم والمسمى سعى فيه الكاتب ( أنا ) أن يعطي للتاريخ حقيقته الإيروتيكية التي يعتقدها البعض أنها تابوه لا يمكن الكشف عنه. فلم أكن قريبا منكم لأفهمكم قدرة هذا الكتاب ( الرواية ) ليكون لسان حال البلاد في أجمل عصورها واغترابها وجنونها ومنجزها الثقافي، وحتى عراق رومي شنايدر هو عراق الحلم في تفاصيل الغرام البعيد ــ القريب..!

يختبر الكتاب ما تبقى من الوجود اليهودي في العراق. وحتماً في الاقتراب من هذه المنطقة الحمراء ينبغي أن يكون حذراً لإشكالية العلاقة بين العرب واليهود الذي أوجدته ولادة دولة إسرائيل والقائمة الآن على رؤى الصراع الدائم بين العرب وإسرائيل منذ مقاتل دير ياسين وحتى آخر قصف إسرائيلي على غزة.

لم تتطرق أجفان رومي شنايدر لهذه الإشكالية المستديمة لأن قصائد درويش وقصص كنفاني وعمليات ليلى خالد الفدائية وخطابات عرفات أغنت عن ذلك..

كتابي تحدث عن عراق له مع الوجود اليهودي وصلاً تاريخياً منذ بابل نبوخذ نصر وحتى شناشيل بيوت البصرة والبتاوين وتنصيب اليهودي ساسون حسقيل وزيرا للمالية في أول حكومة وطنية عراقية في زمن الملك فيصل الأول.

وربما شخصية الملحن اليهودي العراقي صالح الكويتي هو من سكنت وجدان فصل من فصول الكتاب عبر هاجس الجمال الكامن في روح الموسيقار المجدد والذي يمتلك الأثر الكبير في تطور الموسيقى العراقية الحديثة.

هذا الجمال الذي أفتقده في ليالي بغداد الملاح عندما اضطر ليهاجر عنها وليعوضه بشوق غريب للغرق في عيون الممثلة النمساوية من خلال حضور أفلامها التي كانت دور السينما في مدينة حيفا تواظب على عرضها لامتلاكها جاذبيــــة خاصة وربما نكاية بالفوهرور أدلوف هتلر النمساوي الأصل والذي رمى مئات آلاف من اليهود في محارق الموت والتصفيات العرقية.

الرجل وأخوه واللحن الجميل وسليمة مراد باشا سعي هاجسي على أن يوحد اللحظة التاريخية لما قدمه الملحن وكأن هاجس الممثلة السينمائية يصنع قدرة توثيقية لفصلٍ حضاري من ثقافة الموسيقى العراقية منذ بدايات القرن العشرين وحتى رحيله عن العراق في منتصف الخمسينات.

رؤى الدهشة والنغم والروح الوطنية التي تنتمي إلى التراب والمكان قبل انتمائها إلى تفكير مروجي الهجرة اليهودية.

غرائبية "رومي شنايدر"

علاقات شنايدر امتدت إلى الرؤساء

الكتاب كما أشعر أنا بعين الناقد وليس بعين المؤلف فيه رؤى لم أتعودها في نمطِ الكتابة العراقية..فهو يجمع بين ألف هاجس كتابي ويشتغل بحداثةِ ابتكار فكرة لغوية لموضوعةٍ جديدةٍ وكأنني أدون مقاربات المكان في كل تواريخه وخصائصه وعطوره مع عيون زرق للممثلة التي ربما لم تفكر في يوم ما أن أحدهم من جنوب بابل حيث يعتقد الاستشراق الألماني أن أوروك وأور وأكد مثلت المعنى الاستشراقي الأول للعقل البشري حيث كتب حرف الكتابة لأول مرة في هذه البلاد التي شعارها وعاء يفيض منه نهران (دجلة والفرات) وهو ذاته الحلم اليهودي المفترض من أورشليم حتى ضفاف الأنهر البابلية. والبعض يقول إن حلمهم يريد الوصول إلى الجنوب العميق حيث الأهوار ومرقد نبيهم الأثير (عزرا الكاتب ــ العُزيرْ) على ضفاف دجلة في ناحية من نواحي مدينة العمارة حملت إسم النبي (العزير ).

لحظة العيش مع كتاب بأجواء غريبة وعناوين لم يألفها الكاتب في مؤلفاته السابقة يمنحك شيئا من سعادة المؤلف الجديد. رواية تمضي في حبكة السينما والبحث عن الأزمنة في تراب المكان البعيد، هناك حيث يكون عليك أن تصنع كشوفاتكَ وأحلامكَ وشخوصكَ وإتمام رسالتكَ التي عاشت تفاصيل الكتاب عبر امتداد الجغرافية بهاجسي الإنسان والروح والسلطان.

وربما الفصل الذي أفردته لعلاقة رومي شنايدر بالرئيس العراقي السابق صدام حسين يمثل مفاجأة لقارئ الكتاب في حصول ما لم يكن يتوقعهُ، أن تكون هناك علاقة ما بين شنايدر وصدام، وذات الغرابة ستسكن في دهشتها عندما تكون هناك في الكتاب فصول عن علاقة رومي شنايدر بالحاكم المدني بول بريمر والسياسي العراقي أحمد الجلبي.. ورؤى أخرى تخص علاقة الممثلة النمساوية بصابئة العراق أو بأبناء مدينتي النجف وكربلاء..

غرائبية تنوع مسميات الفصول وموضوعتها هي ما جعلت القارئ للكتاب يُثار بسبب نجاح المؤلف في الجمع بين كل هذه المتفرقات والمتناقضات، وربما سماعي للآراء الطيبة من القراء هي من أوصلتني إلى هذه القناعة أن كتابي يمتلك خصوصية أن يكون جديدا في المشهد الثقافي العراقي.

(عراق رومي شنايدر) الكتاب الذي أنجزت فيه حلم تشظي المكان والبحث في تنوعاته الروحية والأسطورية عبر لحظة إعجاب تطلقها أجفان المُشاهدِ المولع بمتابعة أفلام الممثلة النمساوية.

ومن بريق عينيها وحتى إغفاءة عيون شهداء الحروب بقيت نصوص الكتاب تدفع بخطواتها البطيئة بين الأزمنة والأمكنة وقاعات السينما أو تلك النوتات الموسيقية التي كانت تضع لحنها على كلمات الأغاني التي يلحنها اليهودي العراقي صالح الكويتي لسليمة مراد ومنيرة الهوزوز وعفيفة إسكندر وغيرهن.

روح الكتاب وجسده والرئة التي يتنفس منها هي الجسور الممتلئة بخطوات الحنين وعشق لحظات الغرام لكل أزمنة الذكريات التي عشقتها مع دورة عدسة الكاميرا وصوت المخرج والأداء الساحر للمثلة النمساوية.

الكتاب أنا. وأنا الكتاب. والقارئ هو مهمتي الأولى كي أجبره ليعشق بطلة الفصول (رومي شنايدر) مثلما عشقتها أنا..!

15