عيون ليلى

الأحد 2014/05/18

جارتنا “مدام” ليلى كانت ملكة جمال الإسكندرية عام 1962، وهي في العشرين، مازالت تزهو باللقب وتحتفظ بصورها والمجلات التي كتبت عنها في صالون منزلها، وفي قسم خاص بمكتبة زوجها السفير الراحل.. ابنها يعيش في سويسرا وتزوره مرة سنويا، أجمل ما في هذه العجوز الأنيقة هو عيناها، لهما نفس بريق وجاذبية الستينات.

سوادهما مختلط بلون بنيّ فاتح مع رموش طويلة، ليلى مازالت تعيش دور ملكة الجمال.. ونسيت أنها تخطت السبعين.. تتحدث مع الباعة والجزار والفكهاني باللغة الفرنسية.

أما البقال فمسكين “غلبان” لأنها تطلب منه كل أنواع الجبن بالفرانكوفون.. الزمن حفر خطوطه على وجهها وجلدها، لكنه لم يقترب من جسمها الرشيق.

السبعينية الوحيدة التي مازالت تحرص على ارتداء الكعب العالي، “هانم” من أفلام الأبيض والأسود. لكني لم أكتشف أن عيبها الخطير هو عيناها الجميلتان..

قبل أسبوعين اتصلت بي وبزوجتي على الهاتف المحمول، لتخبرنا أن سيارتنا سرقت، فهي غير موجودة أمام المنزل في مكانها المعتاد.

زوجتي في زيارة لوالدتها وأبنائي في العمل وأنا في الإسكندرية.. ونزل الخبر علينا كالصاعقة، وبدأت أفكر في عمل بلاغ عن السرقة، وذهب بي الخيال بعيدا في أن السارق سيطلب فدية كبيرة ليعيد السيارة، وهو المتّبع الآن في مصر..

اسودت الدنيا في عيني وكلمت زوجتي، فقالت إنها خاطبت شقيقها ليقوم بعمل بلاغ عن السرقة في قسم الشرطة الذي نتبعه، وأفاد الضابط بضرورة حضور مالك السيارة -الذي هو أنا- بنفسه.

وصلت زوجتي للمنزل لاهثة، زائغة العينين تتسارع ضربات قلبها من وقع الصدمة على سرقة سيارتنا الجديدة التي لم نهنأ بها بعد.. وصعدت من فورها لشقة “مدام” ليلى التي بدأت تطمئنها قائلة إن لها عينا ثاقبة اكتشفت عدم وجود السيارة بالشارع لذا سارعت بالاتصال بنا.

وبعد دقائق دق جرس الباب ففتحت “مدام” ليلى لتجد “سايس” (الجراج) يسأل عن زوجتي، وقال لها: “متخافيش يا حاجة السيارة موجودة على الرصيف المقابل للعمارة، وقد قمت بنقلها لإفساح الطريق أمام سيارة نقل حتى لا تصطدم بها”.

واكتشفنا الكارثة “مدام” ليلى ضعيفة النظر جدا، وترفض ارتداء نظارة طبية حتى لا تخفي عيونها الجميلة.. هاتفتها من الإسكندرية قائلا: “أبوس إيديك إلبسي نظارة، وهناك ماركات شهيرة تليق بجمالك، لكننا لن نتحمل توقف قلوبنا مرة أخرى لو قلت لنا إنك شاهدت دخانا يندلع من شقتنا”.. وقالت زوجتي يخرب بيت عينيك يا ليلى!

24