عَقد بلا مشروع ثقافي في العراق

الثلاثاء 2013/12/10
المثقف العراقي ظل يحلم بعودة السلطة التي تمنحه مشروعية وجوده

تتركز مساءلتنا عن عقد مضى من تجربة ما اصطلح عليه "العراق الديمقراطي" على غياب أو عدم وضوح موقف ثقافي محدد تمكن من خلاله الإشارة إلى مشروع تحمله النخب العاملة على الساحة الثقافية بمختلف توجهاتها ومشاربها.

هذا يحتم علينا مناقشة لحظات مفصلية في تاريخ البلاد ومتابعة تطورات المشهد الثقافي ومشاريعه التي أطلقت منذ التأسيس الأول للدولة العراقية في 1920 وانبثاق الوعي الوطني بضرورة الخروج من سبات القرون الطويلة التي عاشها العراق.

سنكتفي بالمرور سريعا على تلك المحطات والإشارة لها دون مراعاة للسياق التاريخي بقدر ما هي محاولات استشهاد يتطلبها موضوع البحث، في التأسيس الثقافي ومحطات التطور والتحديث التي شهدها المجتمع العراقي.

لا يمكن إنكار جهود ومواقف المثقف العراقي التنويري الذي لم يكتف بالوصف بل أدرك أن استخدام قوته "الناعمة" في التغيير والرفض والاحتجاج والتمرد لها أثر في حركة التحديث.

فمع بدايات التحديث النسبي الذي شهده العراق "العثماني" مطلع القرن الماضي وإقرار الدستور العثماني عام 1908 وما نتج عن ذلك من إصلاحات "غير جذرية" في الأوضاع بالعراق، إلا أنها مهّدت لإنتاج وعي لدى الطبقات المتعلمة بضرورة التفكير جديا لإنقاذ البلاد مما هي عليه.

وإذا كان بعض المؤرخين يشيرون إلى أن ظهور الطباعة والصحافة كان لهما الأثر الكبير في النهضة التي شهدها العراق، فإن وجود نخبة منالأدباء وحتى بعض رجال الدين المتنورين كان لهم الفضل في التأسيس لبدايات التحديث عبر ما خاضوه من نضالات وما سجلوه من مواقف في قضايا كانت محرمة.

لعل أيّ باحث في التطور الاجتماعي والسياسي الذي شهده العراق مطلع القرن الماضي سيتوقف عند معارك الشاعر جميل الزهاوي ورفيقه معروف الرصافي والجواهري ومحمود الحبوبي والأثري وغيرهم من الشعراء الذين خاضوا في موضوع تحرير المرأة، وشنوا هجوما واسعا على العادات والتقاليد البالية وعدّوا تحرير المرأة هو الكوة التي يجب أن تفتح في جدار الظلمة والتخلف الذي تعيشه البلاد.

ومن يقرأ "كتاب لمحات اجتماعية في تاريخ العراق" للمفكر علي الوردي سيلاحظ أيّ دور أدّتهُ هذه النخبة في تاريخ العراق الثقافي عبر ما كتبه وما طرحته في القنوات الاتصالية المتاحة آنذاك، وسيدرك أن جهود الجيل المؤسس للثقافة الحديثة في البلاد -إن صحّ التعبير- كانت جبارة وناضجة في التأسيس لمشروع ثقافي اتسم بنزعة التحرر والميل نحو العلم وتسييد منطقه في بلاد تشيع بها مظاهر التخلف منذ قرون.

في ما بعد ذلك ستظهر ملامح أخرى لمشهد ثقافي أكثر تنوعا وأكثر ثراء بما يطرح وما يناقش من قضايا ذات أبعاد أكبر من نزعات التحرر الاجتماعي إلى السياسي منه، عبر نخبة أخرى ظهرت في العقود الثلاثة بعد التأسيس للدولة العراقية، حيث تنوّع التوجه الثقافي، وصار معبّرا عن قضايا أكبر من "الحجاب والسفور" وتحرير المرأة ليمتد إلى طرح مشروع التحديث الشامل للمجتمع وتوسيع المشاركة السياسية وتحقيق العدالة الاجتماعية بين طبقات المجتمع وأفراده وإنكار الظلم الذي تتعرّض له شرائح اجتماعية واسعة وإنهاء الاستعمار.

خاض المثقف نضالا مشرفا في تلك المواقف، فكان للمثقف العراقي مشروعه الذي ينادي به ويطرحه بمختلف الأساليب التي يستخدمها سواء أكانت أدبية أو غير ذلك. ففي أربعينات القرن الماضي توالت إرهاصات التحديث لتطال الفنون الأدبية وفي طليعتها الشعر الذي قاد مجموعة من طلبة معهد المعلمين العالي مشروع تحديثه، ليكسروا بذلك نسقا ظل حاكما على مدى قرون.

كما أن المثقف العراقي كان في طليعة المناضلين في المجال السياسي ضدّ ما يعدّ أفكارا لا تنسجم مع روح العصر السائر في رحاب الحداثة والتطور. ولربما كان المشروع الثقافي الذي ساهمت فيه القوى الوطنية من قوى اليسار والحركات الليبرالية الوطنية والقومية يشترك في همّ التخلص من ربقة الظلم الاجتماعي وإنهاء النظام القائم آنذاك.

في مراحل لاحقة ظلت الساحة الثقافية تمور بمختلف المشاريع الثقافية التي تتصارع في الشارع عبر تمثلاتها المتعددة. فالباحث سيجد أن أكثر من مشروع ثقافي كان يطرح في الشارع؛ فإلى جانب المشروع الثقافي اليساري كان هناك مشروع آخر يدعو إلى الثقافة القومية ويروج لها، فيما بدأت تتشكل ملامح مشروع ثقافي إسلامي آنذاك على يد نخبة من الطلبة والأدباء وعلماء الدين.

في مرحلة الدكتاتورية البعثية طرحت هذه السلطة مشروعا ثقافيا أدلجت من خلاله الثقافة والتعليم ونجحت إلى حدّ بعيد من وسم الحياة الثقافية بمتبنياتها الفكرية، وصار المشروع الثقافي البعثي هو الوحيد الذي يتسيد الساحة بقوة السلاح والفرض فيما اختفت ملامح أي مشروع يعارض السلطة أو يعمل خارج متنها الحاكم.

ويظل الحديث عن مشروع ثقافي عراقي لما بعد الدكتاتورية يلفه الكثير من الغموض ويعتريه الكثير من الالتباس في ظل التداخل واللاوضوح في موقف المثقف الذي لم يعارض الاحتلال الأميركي للبلاد بشكل واضح كما لم يعارض الدكتاتورية من قبل، ولم يكن له دور في معارضة المشروع الطائفي الذي بدأ ينخر في الجسد الوطني بكل مفاصله حتى طالت لوثة الطائفية مرافق الثقافة والتعليم.

ولم يك للمثقف أيضا أيّ موقف مما جرى ويجري على الساحة السياسية في ظل طغيان السياسي وتغوّله على منطق الدولة، فمسخت هوية الدولة وتلاشى مشروع الوطن، في ظل انبعاث خطير لمنطق الجماعات المتنافسة المتناحرة، وتمترس المثقف خلف لافتات ضيقة وحزبوية وطائفية هي أبعد ما تكون عن وظيفته ودوره.

أنهى المثقف العراقي عقدا كاملا دون أن يتفق أو على الأقل يشخص موقفا ينسجم مع طبيعة التحولات الجذرية التي طالت المجتمع وفككت بناه الراسخة، لكنه ظل يحمل أحلامه الكبرى في عودة السلطة التي تمنحه مشروعية وجوده وترسم له ملامح حركته.

فهو، وعلى ما يبدو، ما زال لا يدرك أن المشروعية لا تمنح بقدر ما تصنع عبر ما تقدمه من منجز وطني، وأن زمن رسم الملامح عن طريق المؤسسة السلطوية انتهى، وأن المثقف هو من يرسم لمجتمعه طريق تحقيق الاستقلال والتعايش وإنجاز المهام التاريخية في الحفاظ على الوطن بمواطنيه وتحقيق حلم الرفاه الاجتماعي الذي هو حق الجميع دون استثناءات على أيّ أساس وتحت أي ظرف.
14