عَقّد تَسد

الخميس 2015/05/21

فرانز كافكا من القلائل الذين خلدت أسماؤهم وصارت مرتبطة بنعت يخصهم، لأنه نجح في خلق عالم خاص به، يتميز به عن سابقيه، وما اللاحقون، وإن أبدعوا، سوى صورة منه ومريدين يتشبهون به. هذا العالم، الذي بني على اللاعقلانية والإكراه وجعل الفرد مجرد قطعة في آلة رهيبة تسحق بلا رحمة وتولّد في النفس مخاوف وكوابيس، هو الوجه البشع للبيروقراطية. نشهد تعقيداتها اليوم كما كنا نشهدها بالأمس، حيث يتيه المرء لينفي خبر وفاته مثلا ويثبت أنه حيّ يرزق، ويذوق الأمرّين في جمع الأوراق الثبوتية كي يقيم الدليل على أنه المعنيّ وليس شخصا آخر يشبهه في الاسم، ويفني جهده ووقته في التنقل بين أقسام الإدارة الحكومية للحصول على وثيقة يستغنى عنها في نهاية المطاف، كل ذلك باسم القانون. وكافكا عاين ذلك من الداخل، في براغ أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، سواء من خلال دراسته الأكاديمية للقانون، أو من خلال عمله في التأمينات، واكتشف أن القانون هو بمثابة قوة اضطهاد خانقة، وفي الخضوع له نوع من التواطؤ على تدمير العالم.

والبيروقراطية، بوصفها منظومة معقلنة في الظاهر، تقوم على تطبيق القانون وتراتيبه، تمنع أي شكل من أشكال التكيف، كما بين ماكس فيبر، وتؤدي في الغالب إلى شلّ الإدارة، وتكثيف الحواجز أمام المواطن العادي. وقد أثبتت دراسات لاحقة لفريق من علماء الاجتماع مثل روبرت كينغ ميرتون وألفين غولدنر وجيمس مارش وميشيل كروزييه أن البيروقراطية المفرطة ينجم عنها خلل في المنظومة وحدّ من ذكاء العاملين بها ومن طاقة المتعاملين معها، وتخلق وضعيات عبثية سوريالية.

هذه البيروقراطية التي استنسخناها في مؤسساتنا العربية بعلل أفظع، هل هي قدر محتوم لا يمكن الفكاك منه، أم هي وسيلة من وسائل الهيمنة على مصائر الشعوب، وإهدار لوقتهم وطاقتهم في ما لا ينفع حتى يزدادوا امتثالا لمن بيده الحل والربط؟ في كتاب له بعنوان “المتاهة” يبيّن الفرنسي جاك بيشو أن الإدارة الفرنسية، رغم دعوات الحكومات المتعاقبة إلى تبسيط المعاملات، تظل خاضعة لبيروقراطية كفكاوية، تشكل عقبة كأداء في وجه الفئات الاجتماعية كافة، لأن الغاية كما يقول هي جعل المواطن يعيش داخل متاهة، عملا بشعار “عقّد تَسُد”. وإذا كان تيسيوس في الأساطير اليونانية القديمة قد نجا من متاهة الملك مينوس التي بناها له ديدالوس بفضل خيط أريان، فإن إنسان هذا العصر لا ينفذ من دهاليز المتاهة البيروقراطية، ولو استعان بألف خيط من خيوط أريان.

كاتب من تونس مقيم بباريس

15