عُرس الثورة في مصر يختلط بعُرس الشرطة لتخفيف وقع الذكرى

القيمة الرمزية والتغيرات السياسية تعيد التذكير بالماضي من أجل استيعاب العبر والدروس.
الأربعاء 2021/01/27
بسط الاستقرار قضية أمن قومي

بغض النظر عن توقيت قرار السلطات المصرية بشأن دمج عيدي الثورة والشرطة ليكون إحياؤهما معا في يوم واحد، فإنه يبعث بالعديد من الإشارات داخليا وخارجيا والتي تفيد بأن النظام الحاكم يسيطر على زمام الأوضاع في البلاد بفضل جهود الأجهزة الأمنية وأنه يخطو باتجاه المزيد من الاستقرار، مع إعطاء دليل على أن القيمة الرمزية والتغيرات السياسية أمر مهم للتذكير بالماضي لاستيعاب العبر والبناء عليه، بما يتيح فرصة للقيام بأدوار أكبر على الساحتين الإقليمية والدولية ودعم مستوى النمو الاقتصادي.

القاهرة - قررت الحكومة المصرية منح عطلة رسمية للعاملين في الدولة بمناسبة ذكرى 25 يناير، وخلطت في قرارها الذي صدر منذ أسبوع، بين عيدي الثورة والشرطة، وذهبت بعض التحليلات السياسية إلى أن السلطات عادت لتقدّر الثورة، وتعيد الاعتبار إليها بعد فترة من التجاهل، خاصة أن المنشور ذكرها أولا.

لكن الاحتفالات الرسمية والإعلامية انحازت إلى عرس الشرطة الحقيقي على حساب عرس الثورة المفتعل، وظهرت تجليات هذا الأمر في كلمات الرئيس عبدالفتاح السيسي وهو يحتفل في حضور لفيف من المسؤولين بعيد الشرطة الاثنين الماضي، ويشيد بالشهداء والتضحيات والدور، الذي لعبته الأجهزة الأمنية في تحقيق الأمن والاستقرار في البلاد.

وظهرت شوارع القاهرة والمحافظات المختلفة عادية جدا، ولم تشهد استنفارا أمنيا أو نشرا لوحدات من الجيش والشرطة في الميادين الرئيسية كما جرى سابقا، لأن الإرهاب خفّت حدته وتلاشت بصماته تقريبا، والتهديدات تراجعت، وفقدت جماعة الإخوان صمودها ولم تقم بالحشد المعنوي، حيث كانت في ذكرى الثورة تحض الناس على التظاهر ضد نظام الحكم، في مناسبة تعد رمزا قد يخرج المصريون عن صمتهم.

دلالات سياسية

سلطت وسائل إعلام دولية الضوء على هذا اليوم، وأفردت له مساحات لافتة لاسترجاع عبره ودروسه ودلالاته، وما وصلت إليه مصر من إنجازات وإخفاقات بعد عشر سنوات، وأعادت التذكير بأسماء وشخصيات لعبت دورا في حدث لا يزال المصريون يختلط عليهم الأمر في تصنيفه، ثورة أم فوضى، وهل يجوز الاحتفال بعيد للشرطة في يوم كان مقدمة لتحولات كبرى في مصر؟

لقد خفّت حدة التداخل نسبيا خلال الفترة الماضية، التي تم تصوير الثورة فيها على أنها “مؤامرة” لهدم مصر، وغطت أحداث الإرهاب وتداعياته على الكثير من الأصوات السياسية، التي صعدت مع الثورة، وبدت أقرب للفوضى، أو تهمة لكل من يتجرأ على الاقتراب منها أو من أهدافها، وجعلت منها البعض من وسائل الإعلام كلمة “سيئة السمعة”.

القاهرة استوعبت دروس 25 يناير ولن تسمح بتكرار الأخطاء السابقة التي قادت مقدماتها إلى الثورة، ولذلك قطعت الطريق على عوامل تغذيتها

ويشير البعض من المراقبين إلى أن الاهتمام الدولي بهذا اليوم يوحي بالقيمة الرمزية التي يمثلها الحزب الديمقراطي، الذي عاد إلى الحكم في الولايات المتحدة تحت قيادة جو بادين، فالثورة المصرية كانت من العلامات الفارقة في العلاقة بين واشنطن والقاهرة، والتركيز عليها في هذا التوقيت يتضمن إشارة بأن العلاقة بينهما يمكن أن تعود إلى المربع السابق، إذا لم يصل البلدان إلى تفاهمات في القضايا الحيوية.

ويقول متابعون إن الحكومة المصرية أصبحت واثقة من نفسها ولا تعبأ بيوم الثورة. وذكر الثورة في سياق واحد مع الشرطة في بيان العطلة الرسمية، هو محاولة للخلط بينهما، و”ذر للرماد في العيون”، لأن ديباجة الدستور المصري تتضمن إشارة واضحة إلى أهمية ثورة 25 يناير في الوجدان العام، ولا يعني تقديرا للثورة بحدّ ذاتها.

وحاول منحازون إلى ثورة يناير الإيحاء بأن داخل الحكومة من يؤيدون في الخفاء الثورة على الشرطة، واستشهدوا بأن يوم العطلة الرسمية الآن هو الخميس الموافق ليوم 28 يناير بدلا من الاثنين 25 يناير، والذي كان فيه الانهيار الكبير لجهاز الشرطة والمسمى بـ”جمعة الغضب”، حيث صادف 28 يناير قبل عشر سنوات يوم جمعة.

ويتغافل هؤلاء عن عمد عن أن الحكومة المصرية تمنح العطلات، التي تقع في منتصف الأسبوع في نهايته كي لا تتوقف عجلة العمل، وصارت العطلة قبل أو بعد يوم واحد من الإجازة المعتادة أسبوعيا يومي الجمعة والسبت، وهي حكمة بيروقراطية ولا علاقة لها بأغراض سياسية وتطبق في كل المناسبات الرسمية.

الأمن أولا

Thumbnail

لا تقلل هذه التفسيرات من الحيرة، التي تنتاب الحكومة المصرية ودفعتها إلى تعمد الخلط بين العُرسين، بعكس أعوام سابقة كان عرس الشرطة واضحا عقب الثورة الشعبية في 30 يونيو 2013 التي أزاحت نظام الإخوان من الحكم، فلم يكن هناك سوى عيد الشرطة، كرد اعتبار لجهاز كاد انهياره يُدخل البلاد في دوامة خطيرة.

وتعترف شريحة واسعة من المصريين بتضحيات جهازي الجيش والشرطة في مكافحة الإرهاب، وقطع الطريق على سيناريوهات قاتمة استعد متطرفون متحالفون مع الإخوان القيام بها، لكن ثمة شريحة أخرى متشوقة لذكريات الثورة قبل أن يتم اختطافها من الجماعة، التي أدت سياساتها إلى استرجاعها منها وعودة الأمور لما كانت عليه قبلها.

ولم يكن التعامل المصري استثناء في نعي ثورات “الربيع العربي” صراحة أو ضمنيا، فقد أدت نتائجها إلى الندم عليها بعد تدمير عدد من الدول العربية وعدم تحقيق الأهداف المرجوة في أخرى، بينما لا يزال من يبكون أحلامهم، التي ولدت معها ووئدت بعدها، ولم تتحقق الطموحات التي بنيت عليها، ومع هذا هناك من يرون أن أمنيات الثورة في مصر سوف تظل كامنة لدى جيل عاصرها أو شب في كنفها.

ويستمد هؤلاء حلمهم من المخاطر التي ينطوي عليها الانسداد في الفضاء العام، فالأحزاب والقوى السياسية مشلولة في مصر، ومحاولات الترقيع التي تقوم بها الحكومة المتعلقة باستيعاب قوى معارضة في الجسم الرئيسي المعروف بحزب “مستقبل وطن” لن تجدي نفعا، لأنها غير مقنعة لشريحة كبيرة من المواطنين، تراها عملية من قبيل الديكور السياسي، وربما يتحول كبت هؤلاء إلى بركان غضب قابل لكسر الضوابط الأمنية الصارمة.

كما أن المشروعات التنموية، التي تقوم بها الحكومة، وهي كبيرة وممتدة ومتشعبة ومهمة، لم تفلح في تسويقها لإقناع الناس أنها مُنتجة وقابلة للحياة، لأنها تصب في صالح شريحة معينة، وثمة غالبية تئن من عواقب الإصلاح الاقتصادي، ما يجعل هذه الشريحة عرضة لانفجار غير معلوم، حيث تلعب عليه جماعة الإخوان وقوى يسارية وجدت في وسائل التواصل الاجتماعي فرصة لزيادة جرعات الغضب المكتوم.

ولجأت الحكومة المصرية إلى تدليل جهاز الشرطة في عرسه عمدا، لأنه الواجهة أو رأس الحربة في ضبط المشهد العام في شارع متناقض، يبدو خاملا وقابلا للحركة في أي لحظة، وإذا لم يشعر رجال الشرطة بأنهم محل تقدير كبير فقد يترددون في أداء مهامهم عند أي محك مصيري.

واستوعبت القاهرة دروس 25 يناير ولن تسمح بتكرار الأخطاء السابقة التي قادت مقدماتها إلى الثورة، ولم تفلح كل الجهود في التعامل مع روافدها، ولذلك جرى قطع الطريق على عوامل تغذيتها، ومن يراهنون على تكرار مفردات الثورة كمن يحرثون في البحر، ما يجعل الحكومة مطمئنة وهي تحتفل بعرس الشرطة وتفرّغ تدريجيا الثورة من مضامينها السياسية.

7