عُمان ومجلس التعاون: هل هي سياسة "لا تقترب كثيراً؟"

الخميس 2013/12/12

الرفض العماني للاتحاد الخليجي ليس جديداً، فقبل 18 شهر تقريبا أعلن وزير خارجيتها يوسف بن علوي أنه لا يوجد اتحاد خليجي، وأن ما يدور حوله من أفكار هي في عقول الصحفيين فحسب. هذه المرة ذهب الوزير العماني خطوة إلى الأمام ليقول بأن عُمان ستنسحب من المجلس في حال ما مضت الدول الأخرى في الإتحاد. تصريحه هذا أثار زوبعة. فأنْ يصرّح شخص بمكانة وحنكة الوزير، على الملأ، وببساطة، بأن بلاده مستعدة لأن تنسحب من حلف عمره أكثر من ثلاثين سنة، فهذا يضرب ما تبقّى من ثقة في المجلس وفاعليته وضرورة وجوده. ربما شعر العمانيون أنه لم يتم أخذ موقفهم السابق بجدية، فرأوا أنه من الضروري أن يكونوا أوضح في موقفهم من الاتحاد الخليجي. أو ربما شعروا أن الولايات المتحدة الأميركية تدفع دول المجلس نحو تكامل أمني أشمل. فقد لمّح وصّرح وزير الدفاع الأميركي في كلمته في المنامة، بأن بلاده تريد التعامل الأمني والعسكري مع مجلس التعاون الخليجي كمنظمة. أي تريد التعامل مع المجموع، بقدر ما تريد التعامل مع كل دولة على حدة. ولعل التصريح العماني كان غرضه أن يقول لمثل هذه الرغبة: لا، بصوت عال وواضح لا لبس فيه.

إن توقيت التهديد بالانسحاب من المجلس كان سيئاً للغاية. فقد أتى بعد أن تكللت الجهود العمانية بالنجاح فيما يخص العلاقات بين الغرب وإيران. مما يدفع البعض للتفكير بأن العمانيين أيضاً اقتربوا كثيراً من الإيرانيين وأنّهم يريدون الآن الاستفادة من التقارب الغربي الإيراني واستثماره قبل بقية دول الخليج خاصة وأنها أسهمت في صناعته.


واقعيون أم توحديون؟


طالما تم اتهام العمانيين بأنهم يغردون خارج السرب في قضايا السياسة الخارجية. فعمان من الدول الثلاثة التي لم تقطع علاقتها بمصر بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد 1978.

وفيما كانت الحرب الإيرانية العراقية تستعر، وحين كانت السعودية والكويت والبحرين تشعر بأنها أمام تهديد وجودي واضح من إيران، فإن عُمان اختارت أن تحافظ معها على علاقات إيجابية. ولكن رغم أنها حافظت على علاقاتها مع إيران إلا أنها لم تثق فيها تماما وعملت على تعزيز أمنها لدفع أي خطر إيراني محتمل. فعززت من حلفها الأمني مع الولايات المتحدة. بل سمحت للولايات المتحدة أن تستخدم جزرها للانطلاق في عملية عسكرية لإنقاذ رهائن السفارة الأميركية في طهران. في عام 1994 تقاربت كل من عمُان وإسرائيل، وفي 1996 وقعا اتفاقية تمثيل تجاري في البلدين.

وحتى بعد أن أغلقت تلك المكاتب بسبب الانتفاضة الثانية في 2000 إلا أن عُمان حافظت على صلاتها مع إسرائيل وحصل في 2008 لقاء بين وزيري خارجية إسرائيل وعمان في قطر. رداً على تهمة التغريد خارج السرب، فإن العمانيين يرون أنهم واقعيون ونفعيّون. ويلمحون بأن دول الخليج الأخرى انفعالية وعاطفية في مواقفها.

ولكنني أظن أن كل دول الخليج العربي واقعية ونفعية أكثر حتى من عُمان. ولعل الفرق بين عُمان وبين بقية دول المجلس هي أن العمانيين لا يغلّفون قراراتهم الاستراتيجية بلغة أيديولوجية مثلما تفعل إيران ولا بلغة الأخوّة كما تقوم بقية دول المجلس. العمانيون واضحون جدا في التعبير عن مصالحهم القومية لدرجة أن البعض يعتبرها بجاحة. خصوصاً في منطقة اعتادت على التعبير عن المصالح القومية بلغة المثاليات.


"لا تقترب كثيراً؟"


فكيف يكون موقف عمان في مصلحتها القومية؟هناك حقيقة مؤلمة عن علاقات دول المجلس، وهي أنها تتوجس أمنياً من بعضها البعض بقدر توجسها من إيران والعراق. وأن الدول الأصغر في المجلس تقلق من السعودية كما تقلق من إيران والعراق أيضاً. وأن تلك الدول الأصغر تسعى لتوازن نفوذ السعودية وصرف ما تراه تهديداً سعودياً محتملاً من خلال خلق تحالفات أحادية مع الولايات المتحدة، أو من خلال السعي للتقارب مع إيران أو العراق. إن الالتفات إلى هذا خطوة أساسية لفهم سياسات عُمان الخارجية بشكل عام وموقفها الحالي ضد الاتحاد بشكل خاص. وقد تكثفت المخاوف الأمنية بين دول الخليج إزاء بعضها البعض، وإزاء إيران والعراق بعد التقارب الأميركي- الإيراني. وهذا من أسباب الإلحاح السعودي للمضي في الاتحاد الخليجي، وهو أيضاً من أسباب الرفض العماني لهذا الاتحاد مهما كان الثمن. لقد اعتمد الأمن القومي العماني على الولايات المتحدة. والعمانيون واضحون في هذا ولا يحاولون أبداً إخفاءه. وقد كان الوزير بن علوي واضحاً للغاية عندما قال لصحيفة الأيام: «دعني أقولها لك، لقد شهدت منطقتنا تهديدات طيلة القرن السابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر قبل النفط، ونحن نواجه إلى تهديدات وتحديات كثيرة، وبعد النفط اهتم بالغرب بمنطقتنا أكثر وأصبحت له مصالح فيها وهو الآن ملتزم بأمنها، وعندما غزا صدام حسين الكويت تدخلت القوات الغربية على الفور، وعلى هذا الأساس سيبقى التعامل مع التهديدات العسكرية مسؤولية غربية لأن لديهم مصالحهم هنا، أقولها بصراحة لسنا على استعداد عسكري لمواجهة جيراننا».

لا يمكن لمسؤول أن يكون أكثر وضوحاً في التأكيد على أن أمن قومه يعتمد بالكلية على دولة أخرى، وأن دول الخليج لا تستطيع توفير أمنها القومي. وعلى خلفية هذه الاستراتيجية الأمنية، فإن عُمان سعت للوقوف في المنتصف بين القوى الإقليمية المختلفة: السعودية، والعراق، وإيران وإسرائيل. بل يمكن القول بأن مجلس التعاون بالنسبة للعمانيين لم يكن لأجل حمايتها من التهديدات الإيرانية أو العراقية بقدر ما كان لأجل الشعور بالأمان إزاء السعودية. إن عُمان رأت أنها بحاجة لأن تكون قريبة من السعودية لتشعر بالأمان، ولكن ليس بالقرب الذي يجعلها تشعر بالتهديد السعودي أو تثير قلق الإيرانيين. إن مجلس التعاون حقق لها هذا، ولكن الاتحاد الخليجي سيقضي على هدفها الأساسي لأنه سيجعلها أقرب إلى السعوديين مما تحتمله عُمان أو مما تقبله إيران. ولذلك فإن عُمان سترفض الاتحاد مهما كان الثمن حتى لو كان انسحابها من المجلس.


المصير السعودي- العماني


منذ أن اتضح الدور العماني في التقارب الأميركي الإيراني، اتُّهمت عُمان بخيانة دول الخليج، وأنها طعنة في الخاصرة الخليجية، وأن العمانيين ينعزلون لشعورهم بأنهم مختلفون ثقافياً، وأنهم يتآمرون مع إيران ضد أهل السنة في دول الخليج. وبطبيعة الحال فإن هذه الانطباعات ساءت بعد القنبلة العمانية الأخيرة. ومن وجهة نظري فإن كافة التحليلات هذه مضرة وأيضاً سطحية.

فمع أني لا أتفق مع الموقف العماني إلا أنه لا يمكن اعتباره طعنا في الخاصرة إذ أن مواقف عمان كانت دائما واضحة وغير خافية والدول لا تتخذ مواقفها الأمنية على أساس رغبتها في النقاء الثقافي. وأما الاتهام بأن عُمان الإباضية اتحدت مع إيران الشيعية، فهو أسخف من أن يتم التعليق عليه. أنا لست سعيداً بموقف عمان، ولكن العويل ضده لن يساعدنا في فهمه ولا في التدخل الإيجابي لتحسين واقع مجلس التعاون وللحفاظ على علاقات أمنية إيجابية بين السعودية وعمان. فقط عندما ننظر إلى الأمور كما ينظر إليها العمانيون، سيمكن لنا أن نغيّر الأمور إلى الأفضل، أو على الأقل سيمكننا من إدارة الواقع الحالي بطريقة أكثر إيجابية. ففي الأخير إن بين السعوديين والعمانيين جوار، وهم أيضاً قوم واحد، ومصيرهم العيش المشترك.

ـــــــــــــــــــــــــــــ


ينشر بالتزامن مع موقع العربية الإنكليزي



كاتب سعودي

9