ع . ن . ر مبدع عاش بصمت ورحل بصمت

الجمعة 2016/09/30
أخلص لوطنه ولم يتذكره

لم يكن عمانؤيل رسّام أو كما يحلو أن يسمي نفسة (ع ن ر) مخرجا تلفزيونيا عاديا بل لم يكن إنسانا عاديا أيضا، كان نموذجا للمتفاني في عمله مخلصا دوما لإنجازاته ملتزما بعلاقاته صديقا لعائلته، لم تنصفه الحياة ولم تقدره دولته فضاع في أتون العيش بحثا عن الأفضل ليقضي بقية عمره في الغربة مؤملا نفسه بالرجوع إلى بلده لعله يستطيع تقديم أفضل ما عنده لخدمة الفن والفنانين، فخاب أمله في العراق وفي من يتحكم في أقدار العراقيين ليقضي عليه اليأس وينهي حياته في السادسة والسبعين من عمره.

كان صامتا في عمله، أنجز الكثير من الأعمال التلفزيونية الرصينة والمعالجة لواقع الحياة الاجتماعية التي يعيشها العراقيون في سبعينات وثمانينات القرن الماضي بأسلوب كوميدي أحيانا، وبأسلوب واقعي درامي أحيانا أخرى. ولعل أشهر ما أخرجه للشاشة الصغيرة حلقات “تحت موس الحلاق” بالاشتراك مع المؤلف والممثل القدير سليم البصري؛ إذ شكلا ثنائيا متميزا بالتأليف والإخراج، ليخرجا بأفكار مشتركة تصاغ لاحقا حلقات تمثيلية فيها الفكاهة المقرونة بالمآسي، والتي جعلت المشاهد يتسمر أمام التلفزيون متابعا بل وحافظا وناقدا لفصول من الحوار ليتندر بها لاحقا في معترك الحياة.

حكى لي يوما في تسعينات القرن الماضي عندما كنت أرافقه في عمان وهو يجري فحوصاته الطبية استعدادا لعملية جراحية كبرى لتبديل شرايين القلب؛ حدّثني عن علاقته بسليم البصري وكيف صور إحدى حلقات “تحت موس الحلاق” طالبا من جميع العاملين والمصورين أن يستمروا في التصوير وعدم التوقف مهما حدث إلا بأمر منه، إذ كان يعد العدة لتصوير مشهد واقعي وليس تمثيليا عندما يقوم سليم البصري “حجي راضي” بشرب العرق المسكر ظنا منه أنه الدواء الموصوف له من قبل الطبيب حيث طلب “ع ن ر” من أحد المعاونين جلب “ربعية” عرق ووضعها في قنينة الدواء دون أن يخبر حجي بذلك، لكي يكون الموضوع طبيعيا وليس تمثيلا، وبالفعل تمت العملية بنجاح وأخذ السكر بحجي وصورت الحلقة بالكامل وهو سكران فعلا، ما أعطى قوة للعمل وجعل المشاهد يتفاعل أكثر مع التمثيلية الواقعية.

هكذا كان يعمل بتفان وإخلاص من أجل تقديم الأفضل وإمتاع المشاهد، عمل بصمت ورحل بصمت، لم تنصفه الدولة التي خدم فيها أكثر من خمس وعشرين سنة ولم يحصل على تقاعد لقاء خدمته الطويلة، بل حتى لم يحصل على أي تكريم من الدولة، ربما بسبب استقلال أفكاره السياسية أدارت الدولة ظهرها له. خدم في القوات المسلحة ضابطَ احتياط فكان له الفضل في تأسيس إذاعة القوات المسلحة بالاشتراك مع زملائه طيبي الذكر ومنهم راسم الجميلي وَعَبَد المرسل الزيدي، ثم انتقل إلى دائرة التلفزيون مخرجا أوّل حتى تم تعيينه ليدير شركة بابل للإنتاج السينمائي التي شهدت قمة عطائها وإنجازاتها في تلك الفترة التي أدار فيها الشركة.

كان أبوعبير صديقا لعائلته قبل أن يكون أبا لأربع بنات ونجح في أن يضعهن في معترك الحياة ليخدمن المجتمع بنجاح؛ فابنته البكر عبير طبيبة بارعة تترأس قسم الأطفال في أحد مستشفيات لندن وابنته رند تعمل مهندسة في كندا، والأخرى أسيل سارت على خطى أبيها؛ إذ تقدم اليوم أمتع برنامج حواري مباشر مع المستمعين من إحدى الإذاعات العربية في دترويت بولاية متشغن الأميركية، أما رنا الصغرى فهي ناجحة في إدارة عملها بكندا.

رغم فارق السن بيني وبين الراحل إلا أننا كنّا أصدقاء بأتم معنى الكلمة وعملنا سويّا من خلال شركة عشتار للإنتاج التلفزيوني، وأنتجنا أكثر من عمل تلفزيوني تعليمي وبرامج دراما وأخرى وثائقية. عانى كثيرا من وضعه الصحي بسبب ضعف عضلة القلب الذي خطفه من الحياة لتبقى ذكراه طيبة وليسجل التاريخ اسمه بين مبدعي العراق الذين أخلصوا لبلدهم وحفروا اسمهم في دفتر ذكريات وطن اسمه العراق.

18