غابات مصغرة داخل المنازل تريح الأنفس وتبدد صعوبات الحياة العصرية

البيئات الخضراء تبعث المشاعر الإيجابية وتقلص مخاطر الإصابة بالاكتئاب.
الأحد 2021/04/04
فوائد صحية ونفسية لا تقدر بثمن

غراسة النباتات داخل المنزل تتيح للأسرة فرصة التفاعل اليومي مع الطبيعة على مدار ساعات اليوم، وهو ما سيؤدي إلى تحقيق قدر أقصى من الفوائد الصحية والنفسية الناجمة عن البيئة الخضراء داخل الغرف.

لندن - كتب عالم التاريخ الطبيعي الأميركي جون موير قبل قرن من الزمن يقول “تعالوا إلى الغابات، فهي موطن الراحة والسكون”، لكن بسبب جائحة كورونا وإجراءات الإغلاق أصبح من الصعب على الكثيرين مغادرة منازلهم لا يخرجون إلى المناطق المفتوحة كثيراً، ما حرمهم من فسحة الاسترخاء والمرح التي يوفرها ارتياد الغابات والحدائق العمومية الخضراء.

كما يعيش معظم الناس على الأغلب في مناطق حضرية بعيداً عن البقاع البرية، التي يمكن أن يكون لها تأثير كبير على نفسياتهم وسعادتهم وأدائهم لوظائفهم.

ويرى موير أن “الجميع يحتاج إلى الجمال بقدر احتياجه لرغيف الخبز؛ وإلى بقاعٍ تشهد لهوه وصلاته كذلك، حيث يمكن للطبيعة أن تضمد الجروح، وتهب القوة للجسد والروح”.

في رحاب الطبيعة

النباتات المنزلية متعة للحواس والروح
النباتات المنزلية متعة للحواس والروح

هناك أبحاث متزايدةٌ تفيد بأن قضاء المرء جانباً من وقته بين ربوع الطبيعة يجعله أكثر صحة وسعادة، ويساعده على استعادة القدرة على التركيز، وتعزيز قدراته الابتكارية والإبداعية، وتقليص مخاطر إصابته بالاكتئاب، بينما يمكن لألوان وأوراق النباتات والخضروات المختلفة المساعدة في تحسين القدرات البصرية والحسية.

وأكد كاليفي كوربيلا، أستاذ علم النفس في جامعة تامبره الفنلندية أن للطبيعة تأثيرات مهمة على صعيد الحيلولة دون تراكم التوترات والإجهاد على المدى الطويل، وهو ما قد يخلّف بشكلٍ ما أثارا إيجابية طويلة الأمد كذلك.

وظهرت منذ الثمانينات من القرن الماضي العديد من الفرضيات التي تؤكد على أهمية التواصل بين البشر والطبيعة، ومن بينها نظرية “شينين يوكو” اليابانية، التي تؤكد على فوائد أجواء الغابات وهوائها على الجانبين الفسيولوجي والنفسي.

ورغم أن الكثيرين يعيشون في مدنٍ لا توجد فيها إمكانية الوصول بسهولة إلى غابات. لكن هناك ميزة مماثلة لزراعة النباتات داخل المنزل، وطالما وضع المرء احتياجات النباتات في اعتباره، فإنه من الممكن أن تتوفر لديه حدائق عمودية أو حتى “غابات مصغرة”.

ومن الممكن في الوقت الحالي أن يقوم المرء بتحويل منزله إلى غابة مصغرة، من خلال اقتناء نباتات منزلية ذات أوراق جذابة للتزيين.

وتتميز النباتات إلى جانب دورها الرئيسي في إنتاج الأكسجين وامتصاص ثاني أكسيد الكربون، بالمساهمة في تقليص كمية البكتيريا والجراثيم الموجودة في الهواء، كما أن رؤية هذه النباتات تنمو كل يوم، واستنشاق روائحها الزكية ومداعبة أوراقها والتأمل في نظم دفاعها وملاءمتها، تشكل متعة رائعة للحواس والروح.

وتتصدر النباتات الغريبة، من فصائل مثل فصيلة النباتات “السحلبية”، قائمة أشهر النباتات التي يمكن زراعتها داخل المنزل، لأطول فترة.

ويقول ليو تيسن، من الرابطة الاتحادية الألمانية لنباتات الزينة “لقد كانت شعبيتها كبيرة حقا على مدار ما يتراوح بين العشر أعوام إلى الـ15 عاما الماضية. ولكن منذ حوالي ثلاثة أعوام، صارت النباتات المنزلية الخضراء تكتسب شعبية”.

النباتات المنزلية تحولُ دون تراكم التوتر والإجهاد على المدى الطويل، وتخلّف أثارا إيجابية طويلة على الصحة

وصارت الأنواع ذات الأوراق الكبيرة هي الأكثر شيوعا، وهي من أمثال نبات الجبن السويسري “قشطة دندروم”، أو نبات “فيكس ليراتا” أو نبات “عصفور الجنة”.

ومن جانبه يقول آرني هويكشتيت، خبير صناعة البستنة “مازالت النباتات السحلبية تهيمن على قائمة النباتات المزهرة”. وبالإضافة إلى نباتات السحلبيات الفراشية المعروفة، يزداد الطلب حاليا على أنواع أخرى.

كما حظيت النباتات المزهرة ذات الأوراق الجميلة أو الألوان الخاصة، مثل زهور الفلامنغو (أنثوريوم)، بشعبية كبيرة أيضا، وصار القليل من الصبار أو النبات العصاري، أكثر شيوعا.

وإذا كان المرء يرغب في الاحتفاظ بنبتة واحدة داخل غرفة ما، يجب عليه أن يبحث عن عيّنة ذات شكل معين للأوراق أو لون خاص. كما أن الزهور الكبيرة وغير المعتادة تساعد في إبراز ظهور نبات واحد، وكذلك النباتات ذات الشكل الجذاب تساعد في ذلك.

ويعتبر الاهتمام باقتناء النباتات المثبتة على الحائط، اتجاها جديدا وحديثا بشكل خاص.

ويقول تيسن إن “النباتات القوية المستقيمة هي الأفضل لهذا الغرض.

ويجب أن يتم اختيارها بصورة تلائم المناخ، وإلا فإنها ستعاني وتصير بشعة”.

ومن الممكن الحصول على مزيج بري من النباتات الخضراء، المتمثلة في “الغابة الحضرية” الرائجة، من خلال الجمع بين نباتات مختلفة.

ويقول هويكشتيت إنه “يتعين على المرء اختيار أنواع من النباتات التي لديها نفس المتطلبات، من حيث درجة الحرارة والضوء والمتابعة”.

ومن المهم أن ألا تتسبب النباتات الكبيرة في حجب الضوء عن النباتات الصغيرة، ولذلك يجب وضع أي نباتات أصغر حجما في مكان أقرب من النافذة.

وتستفيد النباتات بصورة أكبر عندما يتم تنسيقها في مجموعات غير متقاربة بصورة كبيرة جدا بين بعضها البعض، وإلا فسوف يؤدي ذلك القرب في المسافة إلى إعاقة بعضها البعض عن النمو.

 كما أنه من الممكن أيضا زراعة النباتات الأكبر حجما مع أنواع أصغر حجما، وبالتالي يمكن زراعة اثنتين أو أكثر في إناء واحد. وفي ما يخص هذه النقطة أيضا، يجب أن تكون النباتات متشابهة من حيث الاحتياجات والمتطلبات.

النباتات المناسبة

المساحات الخضراء تبديد قسوة الحياة
المساحات الخضراء تبدد قسوة الحياة

تشترك معظم النباتات التي يتم زراعتها داخل المنزل في شيء واحد، وهو أن “جميع النباتات الرائجة تقريبا تأتي من مناطق استوائية أو شبه استوائية. وهذا هو السبب في أنها عادة ما تحتاج إلى درجات حرارة تصل إلى 20 درجة مئوية أو أكثر”، بحسب ما يوضح هويكشتيت.

وتحتاج أيضا إلى كمية كبيرة من الضوء لضمان نموها بطريقة صحية، ويجب أن تظل في مكان يدخله الضوء. وتحتاج النباتات ذات الأوراق متعددة الألوان على وجه الخصوص، إلى كمية كبيرة من الضوء، للتأكد من حفاظها على لونها ونموها بصورة جيدة، حيث إنها تذبل وتموت سريعا إذا ما تم وضعها في زاوية مظلمة.

وينصح تيسن “يتعين على المرء أن يعرف المكان الذي سوف يضع فيه النباتات المنزلية قبل أن يشتريها”، مضيفا أن “هناك نباتات مناسبة لكل غرفة”، وأنه من المهم معرفة الاتجاه الذي تواجهه الغرفة، مع وجود نباتات مختلفة تماما بناء على ما إذا كانت الغرفة تواجه اتجاه الشمال أو الجنوب.

وهكذا فإن وجود مثل هذه المساحات داخل المنزل المُفعمة بمشاهد الحياة الطبيعية، قادر على تبديد قسوة الحياة العصرية ذات الطابع المادي المفرط التي يعيشها الناس، وهو أمرٌ يستحق العناء.

 
21