غابة الأدب

الاثنين 2014/09/15

هل من علاقة بين الأدب والغابة؟ هل حقّا تتشابه تضاريس النصّ الأدبيّ إلى حدّ ما مع تضاريس الغابة؟ أبينهما مشتركات وتقاطعات، أشجار وأودية ونيران، فخاخ ومساقط، كهوف ومغاور؟ هل كلاهما يحوي المفارقة ويطلقها..؟ هل هما عالمان يشتملان على الكثير من الأسرار التي لا تنكشف بسهولة ويسر..؟ ألا يلزم الخوض في أيّ منهما بالمغامرة، ويظلّ محفوفا بالمزالق، ولا يخلو من السقطات..؟

ما بين العالمين من تعالق وتداخل لا يخفي الافتراق ولا يلغيه، لأنّ كلّ مفهوم منهما ينفرد بخصوصيّة ما تميّزه، ولا يمكن استلهام الخصائص دون الإشكاليّات المرافقة، فمثلا حين يسود قانون الغابة الأدب فإنّه يدفعه إلى مدارج التهلكة والتيه، كغرّ يقتحم الغابة ويتوه في لجّتها.

تحدّث بعض الأدباء عن التداخل بين عالمي الغابة والأدب، ونجد أنّ أمبرتو إيكو أضاف الغابة إلى السرد في كتابه «ستّ نزهات في غابة السرد»، حيث يستعير من الغابة المفهوم المنفتح على العالم والمنغلق في الوقت نفسه، كعالم مستقلّ بذاته، وكفضاء مفتوح، ملغم، ملغز، إشكاليّ، بسيط ومعقّد. ذلك أنّ الإغراق في الغابة يشتمل على الخطورة ويوجب الكثير من الحرص والدقّة، إذ أنّ الغابة لا تمنح مقاليدها بسهولة وبساطة، وكذلك السرد. اكتشاف العالمين ينطوي على المغامرة التي لا تخلو من مجازفة، والخطأ فيها قد يرتقي إلى مصافّ الخطيئة، لكنّ الاستعارة تفسح المجال أمام السارد ليغوص في غابته، مرتحلا عبر الذات إلى غابات الآخرين، لينقل صورهم وحكاياتهم وينقل إليهم صور غابته، يكون السرد رسما، كما قد يكون الإبحار فخّا.

كما يمكن تذكّر الفرنسيّ جان ماري غوستاف لوكليزيو، في خطابه لتسلّم جائزة نوبل، حين اختار الخوض في غابة المفارقات كعتبة له. «غابة المفارقات» وفق تعبير ستيغ داجيرمان، تكون بحقّ ميدان الكتابة بامتياز، كما يؤكّد لوكليزيو بدوره، ويصفها بأنّها الموقع الذي لا ينبغي على الفنّان أن يهرب منه، وإنّما عليه أن يظلّ على العكس من ذلك تماما، المكان الذي يتحتّم عليه الإقامة فيه، كي يتعرّف إلى جميع تفاصيله، ويستثمر كلّ درب من دروبه، ويعطي لكلّ شجرة من أشجاره اسمها الخاصّ، ولا يغفل عن توصيفه بأنّه ليس دائما بالمقام المريح.

في عمق العالمين، يكون هناك فضاء التجلّي، تمارس الغابة سلطة خفيّة في عالم الأدب، ويكون القاع متكتّما على الكنوز، والبحث عن المدهش يفترض هيمنة رمزيّة للأدب ليمتلك ناصية الفعل ويبدّد عتمة الغابة بالغوص في أعماقها عبر السرد، ليصبح الأديب مقيم الغابة الدائم، ومحفّزا للمتلقّي مثيرا لفضوله كي ينبش بدوره في غابة الأدب ويستمتع بفضاءاتها المنفتحة المُمرئية للذات والآخر، ويصدّر سلطته المكتسبة التي تستوحي قوّتها من سلطة الأعماق نفسها.


كاتب من سوريا

15