غابت المواقف وتلاشت الرؤى

الثلاثاء 2014/12/30
ثمة جديد عند الأجيال القادمة

لم أطلع على شيء ذي بال في مجال أدب الانتفاضات العربية، ولا أعتقد أنه من الممكن أن تثمر هذه المرحلة أدبا، فالانتفاضات العربية لم تصل إلى ذروتها التي تسكن بعدها ليكون التأمل والكتابة المستوعبة.

وأضيف هنا ملاحظة أساسية وهي أن هذه الانتفاضات منيت بإخفاقات كبيرة جعلتها تفقد جذوتها التعبيرية، فتم اختطافها أو الالتفاف عليها لتعود الأمور كما كانت عليه، وإذا أردنا التحديد: ففي مصر عاد رجال عهد ما قبل الانتفاضة إلى الصدارة وليس ثمة واحد من أبناء الانتفاضة في الضوء أو له يد في أية مسؤولية، أما في ليبيا فالثمرة حرب لا تسمح بأي إبداع، وقل مثل هذا في سوريا واليمن.

أما تونس التي اشتعلت فيها الثورة، وهي أحسن حال من كل البلاد الأخرى، فأشير إلى دلالة ذات بعد رمزي يدل على الإخفاق الكبير، فثمة خبر يقول إن الإقبال على انتخابات الرئاسة كان في أدنى مستوياته بمدينة سيدي بوزيد التي اندلعت منها الثورة وأصبح ابنها رمزا لها. هذه المنطقة أقل المناطق إقبالا على انتخابات رئيس ينتمي إلى ما قبل الثورة.

هل يعتقد أحد أو يأمل في أن تنتج هذه الحالة أدبا؟ سؤال لا تحتاج الإجابة عليه إلى ذكاء كبير. تأسيسا على ما سبق فقد برز بوضوح تقصير الثقافة العربية التي وقفت عاجزة أمام هذه الأحداث، وهي أسوأ أحداث مرت عليها منذ سقوط بغداد، فأنت لا تعرف من يقتل من ولماذا؟ والمثقفون يقفون وراء السياسيين وتجار الحروب والمتطرفين، وفي أحسن الأحوال يكتفون بندب حظ هذه الأمة.

لقد غابت المواقف، وتلاشت الرؤى وتخلف منطق العقل خلف عصبية الطائفية والفئوية. ليس بيننا مثقف قال: لا. فالكل قال نعم لأصحاب التأثير عليه.

غابت المواقف وتلاشت الرؤى وتخلف منطق العقل خلف عصبية الطائفية والفئوية

ألاحظ أن احتدام المواقف يحول دون إعادة النظر في التفكير العميق، والرؤية النقدية تحتاج إلى مناخ هادئ أو متسامح يفسح المجال للنقد المتوغل في أسس القضايا المعروضة، وأية محاولة جادة ستصطدم بذلك الحاجز العاطفي العنيف الجالس وراء عقائد ومذاهب وطوائف.

لم تلفت نظري أية ظاهرة تحقق هذا الهدف فلا تزال الأسئلة واقفة في الفراغ، ولم تجد من يقترب منها محاولا الإجابة الجادة.

بعيدا عن نغمة التشاؤم السابقة أستطيع أن أشير إلى شعلة أمل بدأت تبرز، أخذت سبيل التواصل العامة قوامها الشباب الذي بدأ محاولة لإثبات الوجود، فثمة جديد عند الأجيال القادمة أما طبيعة هذا القادم فلم تتبلور بعد، ولكنني ألمح في التجمعات الشبابية منطلقات جميلة، وكل الذي أخشاه هو أن يتصيدهم من يريد أن يركب موجتهم، فكل ما أتمناه هو أن يكون الشباب منفتحا على الكل، ويبتعد عن التصنيفات المسبقة، والانفتاح الذي أدعو إليه يجب أن يتحلى بالتفرد والحفاظ على الشخصية والوعي بتقييم الواقع الثقافي حتى تكون إضافتهم خطوة استنارة للمستقبل.

وعن حصة الأدب النسوي من المنجز الثقافي العربي في العام الجاري، يقول الشطي: “مساحة واسعة، ولكنه أدب لا يزال يدور في دائرة البداية التي أرى أنه قد حان الوقت للخروج منها؛ فالأدب الصادر عن المرأة لا يجب أن يقتصر عليها باعتبارها حالة منفردة تبحث في حل قضاياها أو تعديل صورتها أو بث صرختها، ولكن لتكون خطوة تستوعب كل متطلبات المجتمع، وتعبر عن هذا المجتمع رجالا وأطفالا، فالمرأة ليست عالما منفصلا ولكنها أساس في عجينة تشكيل المجتمعات”.

المسرح العربي سقط تحت سنابك الفضائيات، وأصبحت أصوات المجتهدين فيه ضائعة بسبب الصراخ غير العقلاني في تلك الفضائيات

أما عن الكتب التي قرأتها فهي متعددة، ولكن إذا كان لا بدّ من التحديد فقد سعدت بإعادة قراءة كتاب قديم هو كتاب “يقظة العرب” لجورج أنطونيوس وفيه تاريخ مجيد لتلك المرحلة التي استيقظ فيها وعي العرب بكيانهم، وعملوا لأجل ذلك، ولولا أنه قد خلفهم خلف أضاعوا بذرتهم تلك لأصبحنا الآن على غير ما نحن عليه. وقرأت رواية أعجبتني لمؤلف صيني هو “يو هو” وعنوانها “على قيد الحياة”.

لا أستطيع القول إن ما قرأته هو الأفضل، فهذا يحتاج إلى استقصاء، ولكن من الروايات العربية التي قرأتها بحكم متابعة الرواية التي فازت بجائزة البوكر العربية “فرانكشتاين في بغداد” وقد أعجبني توظيفها لهذه الثيمة. وفيها دلالة على هذا الكائن المسخ الذي أطلق في كل بيئاتنا العربية.

لقد سقط المسرح العربي تحت سنابك الفضائيات، وأصبحت أصوات المجتهدين فيه ضائعة بسبب الصراخ غير العقلاني في تلك الفضائيات، فلم يفسح لصوت المسرح العاقل المتعمق بأن يصل إلى الناس.

14