غابريال يارد موسيقار لبناني أنزل الملائكة بألحانه إلى الأرض

السبت 2017/01/28
غابريال يارد أول فنان عربي يحصل على الأوسكار

عمّان- موسيقيّ عابر للقارات، تميّز بأعلى سمات الإبداع والنجاح، يسعى دوما لأن يكون سبّاقا في تحقيق الإنجازات تلو الأخرى. غابريال يارد الذي استطاع أن يحقّق حلما يدخله التاريخ من أوسع أبوابه، لأنه الفنان العربي الوحيد الذي حاز على جائزة الأوسكار من الطبقة الأولى، حيث سبق يارد فنان مصري كان قد حصل على جائزة الأوسكار ولكن من الطبقة الثانية في الامتياز الفني، وهو فؤاد سعيد الذي فاز بها في العام 1969، بسبب اختراعه لفكرة الأستوديو المتحرك. للموسيقى معنى مختلف عند يارد. فهو دؤوب يحب العمل والعلم، يتوق لكل ما هو جديد ومبتكر، كما أنه ذواق للفنون الأخرى كالأدب والشعر، تراه يتخذ الإبداع مسارا له، ويتكئ على الدراسة الأكاديمية ليكون مماشيا للشباب الموسيقي وهو يبلغ من العمر 67 عاما.

أستاذه لم يتنبأ له بمستقبل

درس غابريال يارد العزف على الأكورديون منذ كان في السابعة من عمره، على يدي أستاذ من تشيكوسلوفاكيا كان يسكن بيروت حينها، تعلّم منه خلال سنتين مبادئ الموسيقى ابتداء من النوتة الموسيقية إلى تطبيقها على آلته الأولى، لينتقل بعدها لدراسة البيانو والنظريات الموسيقية بإشراف الأستاذ الفرنسي بيرتران روبيار الذي لم يتنبأ له بمستقبل موسيقي.

ومن عمر الرابعة وحتى الرابعة عشرة كان يارد طالبا في المدرسة الداخلية للآباء اليسوعيين في بيروت، وفي آخر سنة له بالمدرسة توفّي أستاذه الموسيقيّ، فطلب منه الآباء اليسوعيون أن يحلّ مكانه بالعزف على الأرغن خلال الاحتفالات الدورية، ومن وقتها اكتسب الثقة بنفسه وبمهاراته الموسيقية.

لم يكن والد غابريال مؤمنا بالعمل الموسيقي لابنه، لذلك قرر له الدراسة الجامعية في مجال الحقوق، وبالفعل درس القانون في جامعة القديس يوسف للآباء اليسوعيين ببيروت، ولكنه في ذات الوقت لم ينقطع عن دراسة وممارسة الموسيقى، كما كان يغتنم الفرص لقراءة الكتب الموسيقية في مكتبة الجامعة، خاصة أعمال باخ وشومان وليزت وبوكستاهود وسيزار فرانك وميسيا.

أولى مؤلّفات يارد الموسيقية كان مقطوعة “فالس” لآلة البيانو في العام 1963، التي استوحاها من موسيقى المؤلف العالمي “باخ”، أما مقطوعته الثانية فكانت غنائية للأصوات المختلطة من قصيدة للشاعر الفرنسي “بول فاليري”، التي استغرق يارد في تأليفها حوالي ثلاث سنوات ليقدمها في العام 1966، ومن ثمّ قدم التريو الشهير للكمان والفيولونسيل والبيانو في العام 1968.

حلم يارد بأن يصبح مؤلفا موسيقيا ويكمل دراسته الموسيقية التخصصيّة، جعله يغادر بلده لبنان متجها في العام 1969 إلى العاصمة الفرنسية باريس، فالتحق بدار المعلّمين للموسيقى ودرس فيها التأليف الموسيقي على أيدي أمهر الأساتذة الموسيقيين في فرنسا وهما هنري دوتيللّو وموريس أوهانا. البرازيل التي يقطنها عدد كبير جدا من اللبنانيين كانت محطة مهمة في انطلاقة حياة يارد الفنية، حين زارها في العام 1971 وهناك التقى برئيس اللجنة الدولية لمهرجانات “موسيقى المنوّعات” الذي طلب منه كتابة أغنية لتمثيل لبنان في مهرجان ريو دي جانيرو للأغنية.

أهم موسيقاه السينمائية على الإطلاق موسيقى الفيلم الحائز على جائزة الأوسكار "المريض الإنكليزي" للمخرج أنطوني مينغيلا الذي نال عليه يارد أيضا جائزة الغولدن غلوب. ومن الأفلام الجماهيرية التي ألف لها يارد الموسيقى التصويرية، فيلم "مدينة الملائكة" للمخرج الأميركي براد سيلبير لينغ

يارد الذي لبّى الطلب استطاع الفوز بالجائزة الثالثة بأغنيته التي ألّفها خصّيصا للمسابقة والتي كانت بعنوان “بعض من دون الحب”، يقول يارد عن تلك الفترة إنّ البرازيل أثّرت به ولا تزال تؤثر في أعماله الموسيقية، وخلال إقامته في البرازيل، أنشأ فرقة موسيقية أحيا معها حفلات عدة، وألّف أغاني وموسيقات متنوّعة.

لا يكتفي يارد بحدّ معيّن من البحث الموسيقي، أو بدرجة دراسية محدّدة، فهو دوما يقوم بالتعلّم الأكاديمي، حيث درس الكونتربوان والفوغ عند عودته إلى فرنسا، حاملا معه مخزونا كبيرا من ثقافة “السامبا” البرازيلية، ليقوم بتوظيفها في التوزيع الموسيقي مع الأخوين الفرنسيين “جورج وميشال كوستا”، فكتب معهما العديد من التوزيعات الموسيقية والإعلانات إلى أن بلغ عددها خلال ست سنوات (1974-1980) الثلاثة آلاف مقطوعة.

غابريال يارد تعامل مع عدد كبير من نجوم الغناء الفرنسي في التوزيع الموسيقي والتّلحين، منهم جوني هوليدي، سيلفي فارتان، أنريكو مسياس، جيلبير بيكو، جاك دوترانك، فرنسواز هاردلي، ميشال جوناز، شارل أزنافو، وميراي ماتيو. كما وضع ألحانا عديدة في مجال الإعلام السمعي والبصري، حيث ألّف الهوية السمعية للكثير من الإذاعات والتلفزيونات، منها موسيقى أخبار القناة الأولى في التلفزيون الفرنسي “ت ف1” التي ألفها في العام 1980.

غابريال ويوسف شاهين

أغلب الموسيقيين العالميين لديهم حلم كبير بدخول عالم السينما، هذا الفن الذي يخلّد الفنان ويكتب اسمه في التاريخ. والدخول يكون من بوابة الموسيقى التصويرية، يارد من الموسيقيين القلائل الذين تدرّجوا في محطات كثيرة حتى وصلوا للمحطة الأهم في حياتهم وهي السينما، الانطلاقة الحقيقية ليارد في تأليف الموسيقى التصويرية كانت في العام 1980 عندما تعاون مع المخرج الفرنسي جان لوك غودار في فيلمه “فرار”، وكانت ليارد تجربة قبلها بسبعة أعوام مع المخرج البلجيكي سامي بافل، ولكنها لم تكلّل بالنجاح على عكس تعاونه مع المخرج جان لوك الذي خوّله التعامل مع كبار المخرجين السنمائيين أمثال ألتمان في فيلم “ما بعد العلاج”، وغافراس في فيلمه “هاناكا”، أما المخرج جان جاكويز فطلب من يارد أن يضع موسيقى تصويرية ذات طابع عربي لفيلمه “العشيق”، وكانت هي المرة الأولى التي يستعمل يارد في موسيقاه الآلات الموسيقية الشرقية. وكان غابريال من السباقين إلى استخدام الموسيقى الإلكترونية، حين وظفها في فيلم “37 درجة ونصف” للمخرج بينكس في العام 1990.

اللجنة المشرفة على مهرجان دبي السينمائي الدولي تختار غابريال يارد لمنحه جائزة إنجازات الفنانين

لم يقتصر في موسيقاه على الأفلام الأجنبية فقط، بل كانت له تجارب ناجحة جدا في الوطن العربي، خصوصا عندما التقى العملاق الراحل يوسف شاهين في فيلمه “وداعاً بونابرت” الذي أنتج في العام 1985، كما تعاون مع المخرج اللبناني الراحل مارون بغدادي في فيلمين “حروب صغيرة”، و”الرجل المحجب”، اللذين تحدثا عن الحرب الأهلية اللبنانية. الشغف بالموسيقى العربية والأدب العربي موجود داخل يارد بالرغم من وجوده بعيدا عن المنطقة العربية، ففي مقابلة صحافية قال عن ذلك “هذا الشغف موجود وهو كامن في روحي، ولا يمكن أن أتخلص منه أبداً”.

يعمل يارد حاليا على ترجمة شغفه بالموسيقى العربية بتقديم عمل موسيقي عن “جبران خليل جبران”، بالاشتراك مع صديق طفولته الكاتب الشهير أمين معلوف، وعن سبب اختياره لشخصية جبران خليل جبران، يقول يارد “لأنه معلم كبير ومبدع ماهر يتجاوز جميع الثقافات والحضارات والأجناس، ويستطيع أيّ إنسان أن يجد فيه نفسه، كما أنني أطمح لتقديم روح جبران خليل جبران في كلية أعماله الأدبية والفكرية لأنها تمسّ همومنا الفكرية والروحية وتعبّر عنا خير تعبير، ولعلني أسعى لأمزج الشعر بالموسيقى في هذا العمل لأن عمله هو موسيقي أيضا”.

يارد كان قد قدّم تجربته الموسيقية الأولى في وطنه الأم لبنان، ضمن مهرجانات بعلبك، عبر الموسيقى التي وضعها لباليه “كلافيغو” تحفة رولان بوتي المستوحاة من قصة غوته، والتي عرضت في حفلتين متتاليتين في شهر يوليو العام 2001. ينكبّ يارد على موسيقى فيلم “ذي ديث أند لايف أوف جون إف دونوفان”، للمخرج إكزافييه دولان، من بطولة جيسيكا شاستن وكيت هارنغتون وسوزان ساراندون وكايثي باتس ومايكل غامبون. كما يدير أكاديمية بلِياد التي أسسها منذ فترة، وهي تدعم الملحنين المبدعين الناشئين لإنتاج وتسويق أعمالهم الفنية.

أكثر من مئة عمل موسيقي سينمائي في جعبة يارد، يختلف الواحد منها عن الآخر بالروعة. أفلام تبدأ ولا تنتهي، ولكن أهمّها على الأطلاق هو الفيلم الحائز على جائزة الأوسكار “المريض الإنكليزي” للمخرج أنطوني مينغيلا في العام 1996، كما نال يارد عن ذات الفيلم جائزة الغولدن غلوب، ومن الأفلام الجماهيرية العالقة في ذاكرة الجمهور التي ألّف لها يارد الموسيقى التصويرية، فيلم “مدينة الملائكة” للمخرج الأميركي براد سيلبير لينغ.

الأوسكار والغولدن غلوب

يارد يعمل حاليا على ترجمة شغفه بالموسيقى العربية بتقديم عمل موسيقي عن "جبران خليل جبران"، بالاشتراك مع صديق طفولته الكاتب الشهير أمين معلوف

جوائز عالمية كثيرة حاز عليها يارد، منها جائزة سيزار عن موسيقاه لفيلم “العشيق”، وجائزة أفضل موسيقى لثلاث مرات، في إطار حفل توزيع الجوائز الموسيقية الذي يقام سنوياً في فرنسا، والتي تعادل جوائز غرامي، ونال يارد جوائز عدة من مهرجان موسيقى الأفلام في مدينة جانت البلجيكية عن فيلم “الجبل البارد”، إذ حاز جائزة أفضل مؤلف موسيقي وجائزة أفضل موسيقى تصويرية لعام 1994، كما رُشّح لعدّة جوائز عن موسيقاه لفيلم “السيّد ريبلي الموهوب”.

في العام 1997 قلّده رئيس الجمهورية اللبنانية إلياس الهراوي وساماً في مدرسة الليسيه، وفي العام نفسه قدم له مجلس إدارة المعهد الوطني العالي للموسيقى ممثلاً بوليد غلمية وساماً ذهبياً يمثل شعار الكونسرفاتوار. ومؤخرا اختارت اللجنة المشرفة على مهرجان دبي السينمائي الدولي غابريال يارد، ليكون فائزاً بجائزة تكريم إنجازات الفنانين، والتي تسلّمها في افتتاح الدورة الـ13 لمهرجان دبي السينمائي الدولي في 7 نوفمبر 2016.

وقد نوّه رئيس مهرجان دبي السينمائي الدولي عبدالحميد جمعة، بأهمية تكريم المبدعين الذين كرّسوا حياتهم للسينما، مثل يارد، وقال “يتطلّب كل جانب من جوانب الفيلم موهبة خاصة، ومنها الجانب الموسيقي، ونحن سعداء بمنح جائزة إنجازات الفنانين للموسيقار غابريال يارد، تقديراً لموهبته العالية، لقد أثرت أعماله وساهمت بشكل ملحوظ في صناعة السينما، من دون شك”.

ما حظي به يارد في الغرب من جوائز وتكريمات ما زال أكثر وأهمّ مما قُدّم إليه في المنطقة العربية، بل إن الكثير من العرب المتابعين للسينما يظنونه ذا أصول فرنسية. ولكن غابريال يارد لم ينس يوما جذوره العربية رغم طول المدة التي أمضاها في باريس حتى الآن، متنقلاً منها إلى عواصم كثيرة مازجاً الجينات الشرقية في مخيلته بكل الموسيقى الموجودة في بقاع الأرض.

13