غابرييل رينولد: هل يمر الفهم الأعمق للقرآن عبر معرفة اللغة السريانية

باحث أميركي يقدم فهماً غنياً بالتفسيرات المتنوعة لظهور الإسلام، مما يوحي بأن ظهوره هو نفسه دائم التطور والتجدد.
الأحد 2019/12/08
غابرييل رينولدز أحد أبرز المتخصصين في الدراسات الإسلامية

غابرييل رينولدز باحث أميركي، وأحد أبرز المتخصصين المعاصرين في الدراسات الإسلامية. ولد بالولايات المتحدة وبها درس، ونال شهادة الدكتوراه من جامعة يال في العام 2003. دَرَّس بجامعة نوتردام، وعمل أستاذاً زائراً في ثلاث مؤسسات، الجامعة الأميركية ببيروت (2006-2007)، وجامعة القديس يوسف، بيروت، (2010-2011)، وجامعة بروكسيل الحرة (2011-2013). حاضر في غير جامعة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، القاهرة، والقدس وبيروت ودمشق وأنقرة وطهران. ونظم عدة مؤتمرات بجامعة “نوتردام” موضوعها القرآن الكريم، نقلت صداها والوقائع مقالات نيكولاس كريستوف في صحيفة “نيويورك تايمز”، ومقالات “بالكريستيان ساينس مونيتور”، وملحق “التايمز” الأدبي، وصحيفة “نيويورك دايلي نيوز”. كما أسهم في فيلم وثائقي عن القرآن أنتج في أوروبا وعرضته القناة الثقافية (آرتي). عضو مؤسس بجمعية الدراسات القرآنية الدولية، التي تضم باحثين من كل الملل والنحل، وتبحث في القرآن وتاريخه وعلاقته بالكتابين المقدسين السابقين. من بين كتبه المنشورة “القرآن ونصه التوراتي الضمني”، ويمثل دراسة مقارنة رائدة تضيء الروابط بين القرآن والكتاب المقدس، الباب الذي سحر غابرييل ودخل عبره إلى محراب الدراسات الإسلامية. إذا كانت علاقة الكتاب المقدس العبري والعهد الجديد المسيحي ثابتة وتناولتها عدة دراسات، فإنه قد تم النظر إلى القرآن بشكل منفصل.

اعتمد عالم الإسلاميات رينولدز على مضامين قرون من الدراسات القرآنية والتوراتية لتقديم تعليقات صارمة وكاشفة حول كيفية ارتباط هذين الكتابين المقدسين ارتباطًا جوهريًا مما يوفر عدسة جديدة يمكن من خلالها الاطلاع على الروابط القوية التي تربط بين هذه الديانات الرئيسية الثلاث.. ويوضح رينولدز كيف تظهر الشخصيات والصور والأدوات الأدبية اليهودية والمسيحية بشكل بارز في القرآن. يروي عبر المسح المختصر في كتابه الثاني “نشوء الإسلام، التقاليد الكلاسيكية من منظور معاصر”، والذي ترجم مؤخرا إلى اللغة العربية، قصة الإسلام. يقسم رينولدز دراسته إلى ثلاثة أقسام وعدة فصول، مبتدئا من حياة النبي محمد المبكرة وتنامي سلطته منذ نزول الوحي، مما يدل على نشأة القرآن وتطوره في تمازج متميز، وإن كان فريدًا، بين القرآن والأدب التوراتي (القسم الثاني)، ويختم كتابه بتقديم نظرة عامة عن الروايات الحديثة والأصولية المشكّلة لأصل الإسلام، والتي تكشف سير كل الذين سيمثلون مستقبل الإسلام من خلال تشكيل ماضيه (القسم الثالث).

يتابع رينولدز تاريخ تأسيس الإسلام عبر سرد حياة النبي محمد في مكة والمدينة، وكذلك حكم الخلفاء الأربعة الذين يوضح تاريخهم الاختلافات بين وجهات النظر السنية والشيعية في الإسلام. إن نظرته الموسوعية إلى بنية القرآن ومعناه واستخدامه للغة التوراتية تساعد في توضيح معناه الديني. يقدم الكتاب فهماً غنياً بالتفسيرات المتنوعة لظهور الإسلام، مما يوحي بأن ظهوره هو نفسه دائم التطور والتجدد.

    جعل الباحث من كتابه أداة تربوية لأنه يقدم مجموعة متنوعة من طرق التدريس المفيدة، بما في ذلك ملخصات للفصول وأسئلة للمراجعة والمناقشة، وصورا وخرائط، ويقترح قراءات ومسردا وجدولا زمنيا لتدريس المضمون ما دام الكتاب موجها لجمهور أميركي من طلبة وباحثين.

    غابرييل رينولدز منكبّ الآن على تصحيح مسودة كتابه الأخير، “الله في القرآن”، ويبين فيه للغربيين أن الشخصية المركزية في القرآن ليست النبي محمد، كما يسود الاعتقاد، بل الله. كما يبين أن القرآن يتسم، في المقام الأول، بدعوته إلى عبادة الله والله وحده. ويقدم رينولدز صورة مضيئة لله، وصورة فريدة عنه في القرآن: هو إله الرحمة والانتقام على حد سواء، ولا حدود لرحمته.

    “الجديد” التقت الباحث في حوار حول جملة من المسائل المتصلة بأبحاثه اللاهوتية.

     يرى رينولدز أن عنايته بدراسة اللغة العربية حلت به خلال دراسته بجامعة كولومبيا بنيويورك، ثم سافر إلى عدد من بلدان الشرق الأوسط لتعميق دراسته للغة العربية. كان ذلك سعيه الأول والأساس في البداية. وفي سنة (2000)، حيث بدأ يجتاح الأوساط الثقافية جدل حول لغة القرآن، وخاصة مع صدور كتاب مفكر ألماني يسمى كريستوف ليكسنبيرغ (اسم مستعار لفقيه لغوي تركي الجنسية نشر الكتاب بعنوان “قراءة سريانية آرامية للقرآن، مساهمة في حل شفرة لغة القرآن”)، الذي طرح فكرة مفادها أن الفهم العميق للقرآن يمر عبر فهم اللغة السريانية. وهي الفكرة التي هزت وعي رينولدز وفهمه، وتساءل كيف يعقل ذلك، وبدت له الفكرة، يومها، فكرة جذرية ومتطرفة بعض الشيء كأطروحة. ولكن أطروحة كريستوف دفعت به نحو السعي إلى اكتشاف حقل الدراسات القرآنية، وتابع البحث عبر دراساته لتهيّئ رسالة الدكتوراه بجامعة يال. وهكذا رسم سبيله للسير خطوات في طريق البحث وانطلق في حقل الدراسات القرآنية.

    لعل للجذور هيمنتها على اختيار الفرد، ولذلك يكون رينولدز لبى نداء الأعماق حين اختار دراسة اللغة العربية في رحاب جامعة نيويوركية، قد يكون الاختيار محض الصدفة، وقد تكون الجذور أينعت ذات لحظة وأمسكت بتلابيب صاحبها. يتساءل رينولدز “لست أدري هل يمكن أن يكون لقصتي الشخصية بعض الفائدة في إضاءة جوانب من دراستي، ولكني أشير إلى لحظة منها نزولا عند رغبتك والإلحاح. فأنت تلاحظ أن اسمي غابرييل رينولدز سعيد، وذلك لأن جذورا عربية توجد داخل أسرتي من جهة الوالدة. وهي جذور سورية. ولكنني تربيت في أميركا تربية أميركية كاملة، ولم تكن لي أيّ معرفة باللغة العربية، ولا صلة بيننا، وحدث أني رغبت في اكتشاف سر اللغة التي شكلت جزءا من وعي بعض أعضاء الأسرة من جهة الأم. وهكذا ذهبت لاكتشاف عائلتي التي ضاعت مني، وربط الاتصال بها في المهد، في دمشق”.

    القرآن والسريانية

    غابرييل رينولدز منكبّ الآن على تصحيح مسودة كتابه الأخير "الله في القرآن"
    غابرييل رينولدز منكبّ الآن على تصحيح مسودة كتابه الأخير "الله في القرآن"

    لكن، هل يمر الفهم الأعمق للقرآن عبر معرفة اللغة السريانية حقا؟ يرى رينولدز أن الأمر معقد جدا في الحقيقة. فبفضل دراسات النقوش أي منذ اكتشاف هذا النوع من الكتابات أصبح بالإمكان فهم سياق تاريخ الجزيرة العربية، ومرحلة القرون الوسطى القديمة؛ ذلك أن اللغة العربية كانت على صلة وقرابة مع كثير من اللغات السامية من بينها اللغة السريانية، لا ريب في ذلك، واللغة العبرية، وخاصة كل التفريعات المرتبطة باللغة العربية، ويقصد بها ما يسمّى اللغة العربية القديمة للشمال، والعربية القديمة المنتمية إلى الجنوب. “وهناك أيضا الصلة أو العلاقة بلغات أثيوبيا، وهي التي كان يطلق عليها ‘كاز’. وبحسب رأيي، هناك حضور لمعجم أجنبي في القرآن، ويعود ذلك إلى وجود اليهود والمسيحيين الذين حملوا معهم معجما دينيا يقوم على اللغتين العبرية والسريانية. ولعل أيسر السبل للتعرف على ذلك أو اكتشافه هو أسماء الأنبياء في القرآن، ثم كلمة إبليس التي جاءت مباشرة من اللغة الإغريقية ‘ديابولوس’، وغير ذلك من الكلمات الأجنبية الكثيرة التي تحضر في القرآن. لذلك أعتقد أن هناك ميلا نحو التبسيط الشديد بالقول بأنه يوجد هناك صوت واحد في القرآن هو الصوت السرياني، والحقيقة أن هناك أكثر من ذلك..”.

    قد لا يعتبر أمر التأثيرات أو حضور كلمات أجنبية عدة من لغات عدة في القرآن جديدا، فقد أفرد له هذا الروائي، والمؤرخ، واللغوي أيضا جورجي زيدان كتابا مهما تحت عنوان “اللغة العربية كائن حي” يذكر الكلمة الأجنبية الأصل، ثم التفريع العربي النابع منها، أو المقابل لها. ثم إن لا شيء يأتي من لا شيء. وتعتبر معرفة الجذور المعجمية أمرا في غاية الأهمية لأنها تمكّن من معرفة الأصول.

    ويسوق رينولدز كلمة أخرى كمثال آخر على وجوب معرفة لغات أخرى، ليستقيم الفهم، لا الاكتفاء باللغة العربية وحدها. هناك عبارة ينعت بها أتباع أو صحابة عيسى وهي الحواريون. فقد رأى قدماء المعجميين العرب، الذين اعتمدوا فقط على العربية، لغتهم الأم، من دون اللجوء إلى معرفة لغة أخرى غير اللغة العربية، أن أصل “الحواريون” المعجمي هو “حور”، ومعناه اللون الأبيض. وقصدوا بذلك [الحَوَرُ: شدة البياض. حَوَّرَ الدقيق أو الثوب أي بَيَّضَهُ] أن لباسهم أبيض، أو أنهم يبيِّضون اللباس. “لكن الكلمة تنحدر من “حِوَارْيَا” من اللغة الأثيوبية ومعناها الأول هو: السير، ولكن يقصد بها هنا المريد، والتابع، والحواري، كما يقصد بها الحواري الذي يسير خلف النبي عيسى. وهو المعنى الأصح، والأدق. ومعنى ذلك أن جذر هذه الكلمة ليس عربيا، وليس معنى ذلك أنه يجب أن نبحث في كل كلمة عن جذرها غير العربي، فالقرآن كتاب عربي في نهاية المطاف. يلح القرآن على أنه “أنزل بلسان عربي”، و”لسان عربي مبين””. ولكن هناك حالات تبين أنه يجب أن نتوفر على هذه المعرفة بلغات أخرى لندرك معاني القرآن بشكل أعمق، وأدق.

    القول بأن الديانات التوحيدية أتت من إلاه واحد، ولا بد أن ينزل بها جبريل على الأنبياء الثلاثة، وأن يكون تشابه بينها، في عناصر ومبادئ معينة، واختلافات ما دام الاسلام أتى ليصحح ما اعترى الديانتين السابقتين من تحريف، وهو ما قامت به المسيحية بعد أن نزلت بعد اليهودية، قول صحيح من منظور ديني ولاهوتي. “حين ننطلق من منظور لاهوتي نقول لا وجود إلا لإله واحد، لا إله إلا الله، ويتجلى عبر عدة مراحل.

    ومن هذه الزاوية يمكن أن نتعرف عن تقابلات بين أنواع الوحي، وهذه مقاربة لاهوتية، ولها تعقيداتها أيضا. لكن معظم الباحثين في جمعية الدراسات القرآنية الدولية، والتي أنا عضو منخرط فيها، يعتمدون مقاربة أدبية وتاريخية. ويمكن أن أستعين بهذه الصورة، إن بين أيدينا ثلاثة كتب، كما يمكن أن يكون أمامنا كتب منها “الإليادة”، و”الأوديسا” لهوميروس، بين أيدينا ثلاثة كتب هي: الكتاب المقدس باللغة العبرية، والعهد الجديد، والقرآن، وبين أيدينا أيضا كل الكتابات التي كتبت خلال العصور القديمة المتأخرة اليهودية والمسيحية، والكتابات الأخرى. أي الكتابات التي تنتمي إلى حركات نعتت بالمتزندقة التي انفصلت عن المسيحية، وأطلق عليها اليهودية المسيحية. وهناك أيضا الوثنيون، وإن كنا لا نتوفر على كتابات خطتها أقلامهم، كما نتوفر على نقوش أيضا، أي إن لنا مصادر أخرى. ومع هذه الصورة الأدبية والتاريخية لا مجال للتعرف أو اكتشاف تحريفات أو تغييرات أو تزوير بل السؤال المطروح علينا جميعا هو كيف نفهم هذه الكتب الثلاثة”.

    القرآن والعربية

    رينولدز يتابع تاريخ تأسيس الإسلام عبر سرد حياة النبي محمد في مكة والمدينة
    رينولدز يتابع تاريخ تأسيس الإسلام عبر سرد حياة النبي محمد في مكة والمدينة

    وما دمنا نتحدث عن المقاربة اللغوية التي تعتمدها الجمعية في دراساتها، يمكن أن نتساءل: هل يمكن أن يدرس باحث معين القرآن بشكل دقيق من دون معرفة اللغة العربية، ذلك أن معجزة القرآن تكمن في اللغة التي كتب بها، وهي التي أطلق عليها الجرجاني الإعجاز القرآني وبحث عن دلائله، وتتجلّى في خصائص منها التقديم، والتأخير، والفصل والوصل الذي جاءت به الرسالة.. لا يمكن القول إننا لن نفهم القرآن من دون معرفة اللغة العربية، ولكن يمكن القول إننا نعمّق فهمنا ومعرفتنا بالقرآن بمعرفة اللغة العربية. ولذلك، يقول رينولدز “ألح على طلبتي الأميركيين أن المرحلة الأولى للدراسة تمر عبر معرفة جيدة باللغة العربية، ولا يجب الاكتفاء بكتب تقديمية أو مطبوعات عامة أو دلائل أو نصوص تتحدث عن اللغة، بل يجب دراسة الشروح والتفاسير والانكباب على ذخائر المعاجم، ودراسة التفاسير. ولتقديم دليل على كل هذا، نجد في سورة “آل عمران”، الآية 54، وهي آية صعبة “ومكروا، ومكر الله، والله خير الماكرين”. نجد هاهنا مشكلا لاهوتيا، وآخر دلاليا. ونتساءل هل يمكن أن يكون الله ماكرا؟ ما معنى المكر؟ (المكر في موضوع الحرب)، ويبين المثال أن معرفة اللغة العربية أمر لا محيد عنه. يجب فهم كل الحقل الدلالي لكلمة مكر، هل تدل العبارة فعلا على خيبة الأمل، ما معنى “خير الماكرين”؟ أتعني الأحسن أم تعني الأرفع شأنا، وهي قراءة أخرى ممكنة. وعندما نقرأ في ترجمة المترجم النمساوي، محمد أسد، الذي عاش فترة من حياته في المغرب، (“He is above all schemers“) “إنه فوق المتآمرين” ندرك المعنى. والخلاصة، إذا اعتمدنا على قراءة ترجمة القرآن فلن تكون لنا إلا معرفة سطحية بالقرآن”.

    المنتقم والرحيم

    انتمى رينولدز إلى معهد الدراسات المتقدمة بمدينة “نانت” إذ كان وضع مخططا القيام ببحث، وتلقى دعوة من “الدراسات المتقدمة” بمدينة نانت بفرنسا، وهناك أنجز معظم أبحاثه الخاصة بمشروع “الله شديد الانتقام، والله رؤوف رحيم”، وقد تمكن من قراءة بحوث ومصادر شرقية وغربية وقضى وقتا طويلا في قراءة كتاب خلف الله عن “الفن القصصي في القرآن الكريم”. ثم تكمن من الانكباب على المناقشات الخاصة بالبلاغة في القرآن، وكيف يوظف القرآن السرد ليتقدم نحو الهدف الأسمى وهو الإقناع. وكانت التجربة مشتركة مع باحثين آخرين لتهييء مسودة هذا الكتاب.

    وأشرف رينولدز بمعهد “الدراسات المتقدمة” على “سيمنار” خاص بالجزاء والعقاب. انتقام وغضب، ثم رحمة وعطف. وقد تمخضت محاوره عن كتاب هو قيد الإعداد للنشر. تعتبر الرحمة، والشفقة والعفو من السمات المركزية في القرآن. نجدها في البسملة، ونجدها في اسم الله الرحمان، وترد مرات عدة في صفات مماثلة مرادفة لها منها غفور، لطيف… كما نجدها عبر فعل بعث الله الناس الرسل للتحذير، وهو شكل من أشكال الرحمة، والشفقة؛ إذ لم يكن الله مرغما على بعث الرسل. ويستفاد هذا المعنى من منطق النص. ومن الجانب الآخر، نجد هناك قصصا تتحدث عن العقاب، وتدمير الشعوب “فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذّبوا بآياتنا فدمرناهم تدميرا (سورة الفرقان-36)، أو سنعذب كل قرية (كذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها). وهناك ما يحيل على العقاب، وهو الغضب. ويرد هذا المعنى في الفاتحة “المغضوب عليهم”.. ما سبيل فهم هذين البعدين من صفات الله. وعلى سبيل التلخيص يقول الباحث إن دراسة وتأويل هذه الثنائية هو التحدي الذي يقوم عليه المشروع.

    خلال مسيرته المعرفية والعلمية الخاصة بدراسة القرآن ضمن تخصصه كعالم إسلاميات، باحثا في القرآن وعلاقته بالثقافة الإنسانية انتهى رينولدز إلى أن الخلاصة الأهم هي قوة التشابه بين الديانة المسيحية والديانة اليهودية وما ورد في القرآن فيما يتعلق بفكرة النبوة في القرآن، ويتجلّى ذلك في فكرة الملك جبريل الذي يبعث حاملا رسالة ليبلغها هذا النبي (في الديانات الثلاث) إلى شعبه، وهي فكرة مرتبطة أشد الارتباط بفكرة الكتاب المقدس. ثم إنه يوجد في القرآن هاجس قويّ جدا تجاه العقائد المرتبطة بالكتاب المقدس، ولا يتعلق الأمر فقط بالسور التي نزلت بالمدينة (سورتا المائدة والنساء)، بل أيضا بالسور المكية ومنها سورة “مريم”، وسورة “الكهف”.. إن التشابه بين الديانتين التوحيديتين السابقتين والقرآن يحضر في مجمل القرآن.

    ويرى رينولدز أنه “بالنسبة إليّ، يمثل هذا الأمر مرآة اللقاء بين الحضارات، وانتشار المسيحية في سياق الشرق الأوسط في تلك الفترة بالذات، ودخول المسيحية بالذات إلى شبه الجزيرة العربية ذاتها. وقد أخبرنا وجود بعض الحوليات المسيحية أن عددا لا يستهان به من العرب اعتنقوا المسيحية خلال القرنين الخامس والسادس.. كل هذه العناصر تمثل بوابة يسهل عبرها فهم لحظة من بدايات الإسلام حيث كان هذا الحضور، بل ربما هذه “المهمة المسيحية” التي دخلت إلى الفضاء الذي سيعرف انتشار الاسلام يومها.. بل هناك من يردّ على هذا الرأي بالقول: لا، إن هناك نبيا عربيا جديدا قد ظهر يحمل رسالة جديدة. وقد مثل هذا اللقاء بين العقيدتين لحظة صراع بينهما في ذلك الوقت.

    النص التوراتي للقرآن

    رينولدز يقدم صورة مضيئة لله وصورة فريدة عنه في القرآن
    رينولدز يقدم صورة مضيئة لله وصورة فريدة عنه في القرآن

    يعرض كتاب “القرآن ونصه التوراتي الضمني” (2010) إلى البحث في المصادر التوراتية للقرآن. وقد استند هذا الكتاب على ثلاث عشرة دراسة لتبيان أن القرآن نفسه، في حالات محددة، يعتمد على معرفة قرائه مسبقا بالمعارف والمعلومات الواردة في الكتاب المقدس. ومن الأمثلة على ذلك: “القصة التي تحكي في سبع سور سجود الملائكة لآدم. يأمر الله ملائكته ليسجدوا لآدم، وهو أمر صعب شرحه وتفسيره بالنسبة إلى الشارحين والمفسرين. لماذا يأمر الله ملائكته بالسجود لآدم، وهو الذي يؤكد دائما أنه الوحيد الأجدر بالسجود والعبادة، إذ السجود لله فقط. هناك تفسيرات وشروح عدة للأمر. فمن المفسّرين من قال هو ليس سجود مقرون بمعنى العبادة، ويؤكد ذلك مثال يوسف في السورة (12)، من سورة يوسف حيث ورد السجود لغير الله “إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ 5″، و”وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا” الخ. وإذا ما وعينا بهذا الأمر وأخذنا بعين الاعتبار قصة هذه الحكاية وهي قصة حدثت قبل وقت طويل من تاريخ نزول القرآن، وخاصة في المصادر السريانية، وهي قد وردت في هذه المصادر، فإننا نلاحظ أنها قصة قديمة جدا، وأنها تحضر بقوة في سياق القرآن التاريخي حيث يتم الحديث عنها والإشارة إليها. كما نعثر في المصادر المسيحية ذاتها على إبليس الذي يقول الشيء ذاته: لن أسجد لآدم، فقد خلقته من طين وخلقتني من نار. إذن، فنحن أمام الحدث ذاته، القصة ذاتها، وأقترح كما ألاحظ أن القرآن يطلب من القارئ هذه المعرفة بالتوراة. وللقارئ قراءته الخاصة، وتأويله الخاص للقصة. والخلاصة الأساس للكتاب تقول إن الكتاب المقدس والكتب الأخرى المسيحية واليهودية، والقرآن يجب أن توضع كلها على رف واحد من المكتبة، ولا يجب أن توضع منفصلة. إنها تتكامل. والقرآن واضح في هذا الباب، إنه يأمرنا بذلك”.

    يمكن أن نضيف إلى تفسير أو تأويل أمر الله إبليس بالسجود إلى الانسان أن الله كرم الإنسان، وجعله أسمى مرتبة، وهو من قبل الأمانة (“إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ”)(72). وربما أراد الله أن يخلق ثنائية ضدية، فلو خلق الإنسان وحده، وكان مطيعا ما كان للكون طعم، ولكن الحكمة من خلق إبليس أن يفتح أفق الحرية مشرعا أمام الإنسان ليؤمن أو يكفر. ولولا ذلك لأصبح الإنسان منتوجا يتناسخ ولا يتجدد أو يبدع. لعل الإغراء من أكبر أسئلة امتحان الإنسان، إبليس رديف الاغراء. وتقدم نهاية هذه الآية الشهيرة التي تتحدث عن خلق الإنسان، لحظة رائعة لسمو الإنسان، وهي الآية (30) من سورة البقرة. تقول السورة الثانية من الآية: “إني جاعل في الأرض خليفة… ” وفي آخر الآية تسأل الملائكة الله “أتجعل فيها من يفسد فيها، ويسفك الدماء”، ويرد الله عليها “إني أعلم ما لا تعلمون”. ويبدو أن هذا الأمر تلفه بعض الغرابة. يقول المفسرون إن الله يعلم أن كبرياء إبليس لن يسمح له بالسجود. ويؤكد رينولدز رأيه في الموضوع بالقول “يبدو لي أن هذا الأمر غير مقنع بما فيه الكفاية. ليس من الواضح في النص أن إبليس لا يتمتع بالكبرياء. ولكن يبدو لي الأمر أقرب إلى التلميح إلى كرامة ال‘نسان، الكرامة الإنسانية؛ لأننا نرى في هذه القصة السمو الذي يحضر في النصوص المسيحية أيضا، فالسمو في النصوص المسيحية يتجلّى في أن الإنسان خلق على صورة الله. وهو ما لا نعثر عليه في القرآن، بينما نعثر في القرآن على فكرة أن الإنسان خليفة الله. وهو ما يحيل على الكرامة الإنسانية، بل على الإنسية والإنسانية اللتين تنسكبان من هذا الجزء من النص القرآني. ثم يتابع النص كشف الحقائق، فيبين لنا أن الإنسان؛ آدم هو من يعرف الأسماء كلها، ولا تعرفها الملائكة”.

    والملائكة تنفّذ أوامر الله، لا تناقشها، تساهم في المعارك، بينما يتمتع الإنسان بنعمة قول لا والرفض والعصيان.. يفتك به الإغراء. ولذلك قال إبليس لله “وعزتك وجلالك لأغوينهم مادامت أرواحهم في أجسادهم” فيقول الله “وعزتي وجلالي لأغفرن لهم ما داموا يستغفرونني”. ويعكس هذا النقاش الطويل العريض حول الحرية، حرية اختيار الانسان. وينعكس هذا النقاش في الجدل القديم الذي جمع بين الأشاعرة والمعتزلة. وفي الفلسفة، وفي العلوم الحديثة في الأزمنة الحديثة إذا ما أردنا متابعة الأمر في زماننا هذا. وذلك ما جعل بعض الماديين، كما يسمون، يرفضون إمكانية (منح) الدين حرية الفعل للإنسان. بينما يعتبر رينولدز “أن منطق القرآن يقوم على حرية اختيار الفرد، ولو أن صوت الله يشير في مقاطع متعددة من القرآن إلى أنه يهدي من يشاء، وأنه يظل من يشاء، وهو فعال لما يريد. وهذا هو سبب النقاش والجدل؛ وجود هذه الآيات التي تشير إلى قدرة الله على فعل كل شيء. ويفعل ما يريد بالإنسان. لكن منطق النص القرآني يظل يسعى إلى إقناع القارئ أن الانسان حرّ في اختياره؛ ويؤكد هذه الحرية. ويوجبها. ما الدافع إذن إلى تقديم حجج وأدلة إذا لم تعمد إلى احترام إرادة الآخر أو حريته في قول نعم أو لا؟”

    الغيرة من الله

    مقارنة تضيء الروابط بين القرآن والكتاب المقدّس
    مقارنة تضيء الروابط بين القرآن والكتاب المقدّس

    يرى رينولدز “لن أمنح نفسي امتياز تقديم نصائح للمؤمنين ورجال الدين، ولكنني ألاحظ أن الرسالة الرئيس في الديانات الابراهيمية الثلاث هو أن الدين، وهو الله في الكتب الثلاثة، يقترح على الناس أن الله لا يفرض شيئا على الناس، لا يفرض على الناس الإيمان بالقوة. لكن بعض رجال الدين، ربما “عانوا من بعض الغيرة من هذه السلطة”، ووظفوا الخلاصة المستفادة من هذه السلطة ورغبوا في فرض الخضوع على الناس وإشعارهم بالذنب. ولكن هذا الإخضاع يناقض المنطق الإلاهي، الديني، منطق الكتب المقدسة..

    وفي القرآن آيات عدة منها “إن تولّوا فقولوا إننا مسلمون”، لا يجب أن نلزمهم بالعودة إلى الدين، يمكن لهم أن ينسحبوا. أن يفعلوا ما يشاؤون. إن عمل الرسل، ووظيفتهم هي الشهادة على أممهم. أن يشهدوا لا أن يرغموا الناس. من ذلك ما ورد في القرآن “فذكر إنما أنت مذكر، لست عليهم بمسيطر”، وأيضا “فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب.” وهذا هو جوهر النص، جوهر الرسالة.

    يصعب الحديث عن حضور الدين ودوره في حياة الناس. ويحاول رينولدز توضيح رأيه في الموضوع عبر صورة وردت في الكتاب المقدس حين يتحدث عن الخميرة التي توضع في العجين لإعداد الخبز، “أنتم يا شعوب الله يجب أن تكونوا كذلك. أن تكونوا خميرة لصنع الخبز، لتنمية الكون، إغناء الحياة، أن تكونوا مثل ملح الحياة، ملح الكون. وهذا هو دور الدين في الحياة بالنسبة إليّ. أن يمنح الحياة الجمال، يمنح الإنسان الإلهام. وعندما يلعب الدين هذا الدور، فإن الحاجة إليه تظل قائمة، وإضافاته ضرورة وواضحة، ودوره مهم في الحياة”.

    • ينشر النص بالاتفاق مع "الجديد" الثقافية اللندنية
    11