غاب أنسي بعد أن كتب خواتمه

الخميس 2014/02/20

كتبتُ ذات مرة أن أنسي الحاج هو مزيج من علي بن أبي طالب ونيتشه، وكنت أقصد جزءا منه، وهو الجزء الذي كان قد علق قميصه المبتل بالأمطار على شجرة عثمان.

ولأنه كان يعيش حياته منفيا في اللغة، فإن رئتيه كانتا تمتلئان بهواء كائنات منصفة، كائنات تهوى الحق لأنه طريقها إلى عالم المُثل الإغريقية. وهو عالم يستجير بالموسيقى كلما نقص الهواء من حوله.

جُمَل أنسي الحاج لا تحتاج إلى مزيد من البياض لكي تبرّر انحيازها إلى ما يظهر منها، كانت فتنته تكمن تحت حجر، وليست الصبغة التي تنتشي بألوانها لتسلّي أصابعه، بقدر ما هو نحّات، فإنّه لا يميل إلى أن يكون رساما لكي يصف ما يراه.

لم يكن يكتب لكي يرتّب أحواله في الحياة بل لكي يملي على تلك الحياة أحوالا يقترحها في صفته رائيا، فهو قدم إلى الشعر من واد سحيق لم تزحف على أراضيه أفاعي العبقرية، ليس من أهل الجن بل هو أنسيّ بتمام هيئته، “يدوزن” قيثارته قبل مترين من جنة فيروزه؛ المرأة التي هي آلهته.

لم يكن يفكر في الأيقونات المنسية، بقدر ما كان يضع النور في محلّه، لكي يبدو العالم على حقيقته باعتباره نوعا من الاستفتاء المهني بين جناحَي ملاك عابر: شهقة صامتة وبلاد تمتدّ في المسافة بين أصبعين.

منذ سنين يكتب أنسي الحاج خواتمه وهي سيرته التي تجمع بين الماء والجمر، بين حمامتين، شاء أن يضع بينهما مرآة، فصارت الأخت من خلال تلك المرآة لا ترى في أختها إلا عائلة من الأخوات. “أنا أخونك لأني أحبك”. هو لم يقلها، غير أن الشعر صار مثقلا بها.

“لا أدافع عن الماضي، بل عن أمّي”، يقول جملته ويمضي كما لو أنه لم يشتبك بها يوما ما. ليست الحرية هي السبب. تظل أصابع العازف عالقة بمفاتيح البيانو.

ضربة هنا وأخرى هناك إنما تسجل تاريخا من المنسيات التي يترفق بها الحدس، من أجل أن لا يبخسها حقّها. يترفق أنسي الحاج بلغته مثلما يفعل اللقلق القادم إلى عشّه من بلاد بعيدة. “أن لا يخون صدقه، أي أن لا يقع، أيضا، أسير صورته”، يقول المهاجر إلى لغته الذي قرر أن يهاجر بها إلى مناف جديدة.

كان لديه دائما ما يقوله لكي يقاوم. وفي كل لحظة شعر.

هو منخرط في صفوف المودعين. يضحكه أن يكون مستقبلا.

لم يكن يسمح لنفسه باختراع الموتى. كان يريدهم سمادا لحقول محتملة. الحياة بدون ناس؟ طبعا لا. حياة بناس تخلقهم أنت، تجعلهم على هواك؟” يبدو أنسي الحاج متفائلا؛ كان كذلك دائما، واجبه الأخلاقي العميق يجعل منه شاعرا متفائلا.

لم يُخترع الشعر إلا من أجل أن يجمّل الألم، أن يحتويه. وما من ألم أجمل من ذلك الألم الذي ينطوي عليه الإنصات إلى امرأة تنصت إلى زقزقة شهوتها.

ليكفّ أنسي الحاج عن إظهار انبهاره بلحظة الحب الأولى في عمر البشرية. الخطيئة باعتبارها الخطوة الأولى في اتجاه الغابة التي تنتظرنا في استمرار. ذلك الحيّز الوحشي الذي ستكون فيه اللغة ممكنة. الحرية أو وهمها.

بالنسبة إلى إنسان بحجم أنسي الحاج فإن حريته حين تحضر باعتبارها مجازا لن تضعف من شعوره الكامن بها. كان معلم حرية خالصة. خلاصته الشعرية أنه حرّ. يعيش ببهاء باعتباره إنسانا حرا. ما نتعلمه منه يتخطى حدود ترفه اللغوي إلى كرم عاداته الإنسانية. وهذا ما يغني كرامتنا بعبقرية، هي ليست من ممتلكات عالمنا الاستهلاكي.

أنسي الحاج وهبنا أملا.

كان يتحدّث دائما عن شعر يئس منه. شعر بلغ مرحلة الخرف.

لقد ظن الكثيرون أن أنسي الحاج كان يقودنا إلى مأزق، سيكون الخروج منه صعبا.

ذلك لأن شعرا شبابيا لا يمكنه سوى أن يعصب عينيه لينتحر. غير أن ما اعتبره الكثيرون فعلا انتحاريا كان في شعر أنسي الحاج خلاصا.

15