غاب الشاعر وترك وراءه شعبا ممزقا وأسئلة معلقة فوق بحر من الدم

الخميس 2014/08/21
يعتبر الشاعر سميح القاسم وصديقه الشاعر الراحل محمود درويش صنوين للقصيدة الملتزمة التي حملت فلسطين إلى العالمية

مبدع آخر يتركنا ويرحل، قلم آخر يجف في زمن عزّت فيه الكلمة وشحّ فيه الخطاب الهادف. سميح القاسم، الشاعر الفلسطيني الذي ترك بصمته بوضوح في المشهد الشعري العربي، وحتى العالمي، يعتبر أحد أهم وأشهر الشعراء العرب والفلسطينيين المعاصرين الذين ارتبط اسمهم بشعر الثورة والمقاومة من داخل أراضي العام 1948. وكان الشاعر الراحل يعالج من مرض سرطان الكبد الذي أصابه منذ سنوات، وقد وصفت حالته، قبل وفاته، بأنها حرجة للغاية في الأيام الأولى من فترة مكوثه بالمستشفى. وبرحيل سميح القاسم (75 عاما)، تفقد القضية الفلسطينية جسدها الثاني من توأمها الذي طالما وهب شعره وأدبه من أجلها، حيث كانت كلمات أشعاره مثل طلقات الرصاص في وجه الاحتلال الإسرائيلي، ظلت طيلة عقود ترددها الأجيال من بينها “تقدموا ..تقدموا براجمات حقدكم وناقلات جندكم فكل سماء فوقكم جهنم… وكل أرض تحتكم جهنم”. “العرب” اتصلت بعديد المبدعين العرب لتسجل آراءهم عن هذا الحدث الجلل، وليكون هذا الملف عن هذه القامة التي ستظل في الذاكرة ما ظلت أقلام تكتب وتقاوم الظلم في كل مكان.

غيب الموت مساء الثلاثاء 19 أغسطس الجاري الشاعر الفلسطيني سميح القاسم، ليرحل صاحب كلمات “منتصب القامة أمشي.. مرفوع الهامة أمشي.. في كفي قصفة زيتون.. وعلى كتفي نعشي.. وأنا أمشي وأنا أمشي”، لتبقى القضية الفلسطينية يتيمة من شعرائها إثر فقدانها الجسد الثاني من توأمها بعد محمود درويش.

بموت سميح القاسم، يبكي العالم العربي أحد أهم وأشهر الشعراء العرب المعاصرين الذي يخسر معركته الأخيرة مع المرض، بعدما بقي إلى غاية أيامه الأخيرة واقفا، مقاوما رافع الرأس. كما كان عليه طوال حياته.


شاعر وابن قضية


لا أدري ما الذي يمكن أن نقوله في حضرة غياب الشاعر سميح القاسم. ثمة شعور بالمرارة لا يملك المرء القدرة على نسيانه خاصة عندما يكون هذا الشعور مرتبطا بشخصية شاعر وابن قضية ومعاناة مع الظلم والقتل والاحتلال . كلاهما: الشاعر والقضية، يستوجبان ضميرا حيا وموقفا أخلاقيا وإنسانيا من قضايا الحرية والإنسان والظلم.

من المؤسف أن القاسم المفتون بديكتاتورية الأسد الأب والابن لم يقل يوما كلمة واحدة بحق ضحايا هذا النظام من أبناء شعبه الفلسطيني بدءا من مجزرة تل الزعتر الموصوفة وانتهاء بحصار مخيم اليرموك وقتل العشرات من سكانه جوعا، مرورا بحرب المخيمات التي لا تختلف في شيء عن الحرب المفروضة على مخيم اليرموك وخان الشيح الفلسطينيين اليوم. سميح القاسم الذي عاب على درويش خروجه من الأرض المحتلة ماذا يمكن أن نسمي تجاهله لكل ضحايا شعبه على يد نظام القتل والاستبداد طوال أربعين عاما ونيفا، عندما يقف ليمدح طاغية ويتغنى بمواقفه وشجاعته كما فعل مع الأسد الأب ويفعله اليوم مع الابن قاتل ما يزيد على ربع مليون من شعب يعرف القاسم جيدا حجم تضحياته وإيمانه بقضية فلسطين، في الوقت الذي تاجر فيه هذا النظام ومازال بقضية فلسطين.

تجربة متنوعة إذ اشتملت القصيدة الغنائية والدرامية والمسرحية، وكان نفسه طويلا لإبداعه الشعري وتميزه وحرصه على العروبة

لا أدري أي قلب هو قلب الشاعر حتى يعلن محبته لطاغية ارتكب أفظع الجرائم بحق شعبه لأنه خرج يطالب بحريته واسترداد كرامته المهدورة، واستخدم في جريمته من أسلحة القتل ما لم تستخدمه العنصرية الإسرائيلية ضد شعبه. أيّ ديمقراطية يشترطها لهذا الحب مع رئيس ورث السلطة بقوة أجهزة القمع التي شكلت عماد نظام الأب والابن وأذاقت السوريين والفلسطينيين معا كل أشكال الموت والعذاب والتشريد. لا أعتقد أن القاسم من السذاجة حتى يتصور أن نظاما استبداديا عائليا يمكنه أن يتحول إلى نظام ديمقراطي استجابة لرغبة الشاعر.

لذلك لا عزاء لنا فيما يقوله وهو الذي قال في الأسد ما لم يقله أحد من الشعراء العرب. شاعر الحماسة والخطابة الذي أحببناه رغم ذلك لأنه يحمل اسم فلسطين، وقف ذات يوم في أمسية بدمشق ليخاطب مصطفى طلاس الذي كان حاضرا بفارس السيف والقلم ممّا اضطرني لمغادرة القاعة فورا، لأني لم أتصور أن أقف أمام شاعر غير مضطرّ ليقول ما قاله في شخصية يعرف السوريون حجم فسادها ومغامراتها الجنسية والتي قبلت مقابل ذلك أن تكون واجهة وشاهدة زور لنظام مستبدّ وقاتل. لقد كنا نتمنى أن نقول في رحيلك كلاما آخر، لكن دمنا السوري المستباح ممن ظل قلبك معهم حتى النهاية يمنعنا من أن ننسى خيانة الشاعر لقضية عادلة لشعب لم يبخل على فلسطين بدمه، الذي ما زال دمه يختلط بالدم الفلسطيني في مذبحة القرن التي ما زال يرتكبها من يحبهم.

خيبوا أملنا فيهم بعد أن كنا ننتظر منهم موقفا إنسانيا على الأقل تجاه ضحايا الجرائم التي يرتكبها نظام الإجرام في سوريا بحق شعب عربي يعرف القاسم جيدا حجم تضحياته من أجل قضية شعبه.

يخون الشاعر اللغة والشعر والناس حين يمدح ديكتاتورا


مفيد نجم


* كاتب من سوريا



يقتلنا الشاعر حين يغادر اللغة


يخون الشاعر اللغة والشعر والناس حين يمدح ديكتاتورا. تصبح شعريته مهما كانت عالية وراقية موضع اتهام لأنها تصبح محاصرة بصورة القاتل فلا يعود من الممكن أن نتلمس فيها أصداء الجمال والإبداع.

يقتل الديكتاتور الشاعر وهو حين يقبل بهذا الموت الذي يهديه له الديكتاتور فإنه يكون قد تنازل عن حقه في الخلود.

مدح سميح القاسم حافظ الأسد في مرثية شهيرة حملت عنوان "ما الموت" فلم يعد من الممكن تلقي شعره خارج مشهد مسيرة إنجازات الطاغية.

مديح القاتل ليس نزوة أو غلطة إنه موقف، وحين يتخذه شاعر فلسطيني فإن قسوة الفقد تتضاعف، وتتراكم الجرائم والعذابات التي تدفن تحت كلمات القصيدة ويصبح إنقاذها وإنقاذ الشاعر ضربا من المستحيل.

اختار سميح سؤالا عنوانا لقصيدته. السؤال في الشعر لا يتطلب إجابة بل يسعى إلى البقاء في صيغة سؤال بغية إثارة نقاش مفتوح.

لكن هذا السؤال بإحالته إلى واقع عربي وسوري وعراقي حالي يجد إجابة واضحة، تحرم هذه البنية التي شاءها مفتوحة كي تستطيع وهب الممدوح صفات لا حصر لها من تمركزها في مجال المعنى و تحولها إلى إدانة مزدوجة.

خسر الشاعر اللغة حين حرمها من التحليق في مجال السؤال. خسر إمكانية التعبير عن واقع جرح مفتوح يتحدى اللغة وإمكانياتها ويقول لها على الدوام أنت عاجزة أمامي.

ما الموت؟ سؤال أجاب عنه الفلسطينيون والسوريون والعراقيون، ولكن الشاعر أراد أن يبقيه سؤالا وأن يجعل هذا السؤال بلا جواب.

قال له الطاغية حين التقى به إنه يشك في أن يوجد في الجيش العربي السوري ضابط لا يحفظ شيئا من شعره. هل يعني ذلك أن اللغة التي يستبطنها هؤلاء الضباط والتي صارت جزءا من بنية الثقافة المؤسسة للسلوك هي لغة الشاعر سميح القاسم؟ ما القرابة بين لغته وممارسات ضباط الجيش الأسدي منذ مرحلة الأب إلى مرحلة الابن؟

هل يمكن أن تطبع قصائده وترمى كمنشورات على مخيم الزعتري وعلى الأحياء والمدن السورية التي تفلحها البراميل كما كانت نسخ قصائد بول إيلوار ترمى على باريس المحاصرة؟ هل يتلو ضباط الأسد شعر سميح كفاتحة للبراميل المتفجرة؟ يقتلنا الشاعر حين يغادر اللغة. يقتلنا موته الذي لا يحتمل والذي لا نستطيع دفعه عنه.

بقي داخل الأرض المحتلة وخرج درويش ليحمل على كتفه مسؤولية القضية الفلسطينية في المنافي العربية


شادي علاء الدين


* كاتب من لبنان



تعويذة أمل


برحيل سميح القاسم (1939-2014)، تكتمل حلقة “شعراء المقاومة” المفقودين، بعد توفيق زياد ومعين بسيسو ومحمود درويش. وإذا كانت الروح المقاوِمة هي ما يجمع أقنومهم الشعري الخالد الذي يُعبّر، في جزء كبير منه، عن ثقافة كفاح الفلسطينيين ضدّ الاحتلال الصهيوني، فإنّ لكل واحد من هؤلاء الأربعة أسلوبه في الكتابة وطريقة تدبيره لكونه الشِّعري، مع ما كان يترتّب على ذلك من تجديد فنّي وثيماتي.

وأعتقد بأنّ ما يُميّز سميح القاسم أنّه كان يكتب في كلّ أشكال الشعر ويمزج بينها بكيفيّة متجدّدة، وأنّ شعره في المقاومة كان يصعب أن تفصل فيه بين الذاتي والجمعي، ولم يكن “شعرا مباشرا وشِعاريّا”، بل غلّفته رمزيّة لافتة أنقذت تلقّيه من شرك الآنية.وكان سميح شاعرا مؤمنا متفائلا بحتمية انتصار الحقّ، مُفكّرا، ساخرا بمفارقاته الصادمة، ثقّف ملفوظه الشعري طوال مسيرته الإبداعية، وجعله طافحا بالتناص والاستدعاءات التاريخية والدينية البناءة التي يصل بينها إيقاع النص حافرا بينها ينبوعا كأنه يتدفّق في البراري والتواريخ البعيدة. مع ذلك، لم ينل شعر سميح القاسم ما يستحقه من اهتمام الدرس النقدي إذا قيس بشعر رفيقه محمود درويش.

لم يغادر سميح أرضه يوما، أرض فلسطين التي تعلّق بأهدابها متحمّلا في ذلك أذى الحبّ وأذى الكراهية. فعدا أنّه تعرّض للإقامة الجبرية، وللأسر مرّات كثيرة من قبل سلطات الكيان الصهيوني، بسبب مواقفه السياسية، فقد كان يعكس، بشكل مفارق، التعبير بقوّة عن حقوق فلسطينيي العام 48، الذين غدوا يمثّلون الأقلّية بين جموع من جاؤوا إليهم من كلّ صقع، ممثّلا بصوته الغنائي-الملحمي قيم الحقّ والعدالة. لكن، إن مات سميح القاسم، فإنّ شعره باقٍ بيننا، ضوء عزاء وتعويذة أمل.
رسم للقضية الفلسطينية وعبر عنها بأسلوب رائع كشف فيها عن موهبة شعرية، فهو رفيق رحلة محمود درويش


عبداللطيف الوراري


* شاعر وناقد من المغرب



دمع فلسطين


من دمع فلسطين توغل في ثرى الشعر لينثر دماء من نوع آخر. دماء تستقي من نهر الكلمات وترتوي من غدير العروبة. إنه الشاعر الكبير سميح القاسم الذي نزل بفكرنا إلى أغوار سحيقة من حسن التعبير والمعنى والفلسفة الكونية المرصعة بالوطنية.

رحل سميح القاسم بعد أن استأنست أرواحنا بحلاوة كلماته وجمال تعبيرها. كانت عباراته قداسا شجيّا، ترتحل مع الصمت الذي يعبّر عن الكثير الكثير.

الحب، الوجع، الضمير، الوطن. هو ملخص مسيرته بدقة تعبيره التي تلوح من خلفها آفاق من سماوات لا يطالها إلا كل صاحب فكر صائب وقلب صادق. وشاعرية لها وجه يميزها عن غيرها بكل ما تحوقه من متانة وصلابة وعمق لازوردي نقي. رحمك الله شاعرنا الجميل الذي حفر في عنق الحرية زركشة خالدة.


نسرين بلوط


* كاتبة وشاعرة من لبنان



صوت الاحتجاج


لا يخفى على أحد أن القضية الفلسطينية قد ساهمت بشكل كبير في تشكيل الوجدان العربي بمحوريتها في الصراع العربي الإسرائيلي، وبسبب مأساتها المتجددة، انطلاقا من النكبة ومرورا بالنكسة والانتفاضة وليس انتهاء بما حدث ويحدث في غزة.

وقد ارتبطت القضية الفلسطينية أدبيا -كما هو معلوم- بأدباء لا يتعب الذهن في استحضارهم كلما طفت على السطح فصول جديدة من التراجيديا الفلسطينية، وأشهرهم محمود درويش وسميح القاسم شعرا، وغسان كنفــــاني وإميل حبيبي نثرا.

ويعدّ الشاعر الفقيد سميح القاسم أكثر هؤلاء التحاما بالقضية الفلسطينية، إذ أن نصيب الأسد من شعره يعدّ انعكاسا مباشرا لتفاصيل هذه التراجيديا متعددة الفصول، وإن كان صوت الاحتجاج لديه يرتفع عن صوت الشعر في كثير مما يكتبه، فإن شهادته المباشرة على ما يكتوي به شعبه تشفع له بذلك، وقد أسعفني الحظ لمقابلته والإنصات إلى إلقائه الشعري في إحدى لقاءاته بالدار البيضاء فشعرت حقا بجرح هذا الرجل الغائر الذي لا يمكن لشعره إلا أن يكون كما هو.

إنه شاعر انتصر للقضية حتى وإن كان ذلك على حساب شاعريته في كثير من الأحيان.


مصطفى لغتيري


* كاتب وروائي من المغرب

سميح القاسم
◄ولد في بلدة الرامة شمال فلسطين، لعائلة درزية، يوم 11 مايو سنة 1939.

◄ تعلّم في مدارس الرامة والناصرة. وعلّم في إحدى المدارس، ثم انصرف بعدها إلى نشاطه السياسي في الحزب الشيوعي قبل أن يترك الحزب ليتفرغ لعمله الأدبي.

◄ سجن سميح القاسم أكثر من مرة كما وضع رهن الإقامة الجبرية والاعتقال المنـزلي وطرِد من عمله مرَات عدّة بسبب نشاطه الشِّعري والسياسي.

◄تنوّعت أعمال القاسم بين الشعر والنثر والمسرحيات، وبلغت أكثر من سبعين عملا، كما اشتهر بمراسلاته مع الشاعر محمود درويش.

◄كتب القاسم قصائد معروفة تغنى في كل العالم العربي، منها قصيدته التي غناها الفنان مارسيل خليفة “منتصب القامة أمشي.. مرفوع الهامة أمشي”.

◄ تذاع قصائده بصوته على القنوات العربية والفلسطينية خصوصا هذه الأيام على إثر العدوان على غزة مثل قصيدة “تقدموا.. تقدموا براجمات حقدكم.. وناقلات جندكم.. فكل سماء فوقكم جهنم.. وكل أرض تحتكم جهنم”.

◄أسهم في تحرير “الغد” و”الاتحاد” ثم ترأس تحرير جريدة “هذا العالم” عام 1966. ثمّ عاد للعمل محررا أدبيا في “الاتحاد” وآمين عام تحرير “الجديد” ثمَّ رئيس تحريرها. وأسّس منشورات “عربسك” في حيفا، مع الكاتب عصام خوري سنة 1973، وأدار فيما بعد “المؤسسة الشعبية للفنون” في حيفا.

◄ ترأس اتحاد الكتاب العرب والاتحاد العام للكتاب العرب الفلسطينيين في فلسطين منذ تأسيسهما.

◄ترأس تحرير الفصلية الثقافية “إضاءات” التي أصدرها بالتعاون مع الكاتب الدكتور نبيه القاسم. كما شغل إلى حين وفاته رئيس التحرير الفخري لصحيفة “كل العرب” الصادرة في الناصرة.

◄ صدر له أكثر من 60 كتابا في الشعر والقصة والمسرح والمقالة والترجمة، وصدرت أعماله المنجزة في سبعة مجلّدات عن دور نشر عدّة في القدس وبيروت والقاهرة.

◄ترجم عدد كبير من قصائده إلى الأنكليزية والفرنسية والتركية والروسية والألمانية واليابانية والإسبانية واليونانية والإيطالية والتشيكية والفيتنامية ولغات الأخرى.



سجين القضية السياسية


ارتبط اسم سميح القاسم بالمقاومة شأنه شأن أغلب الشعراء الفلسطينيين فقصر شعره أو كاد على قضايا الوطن واﻷمة، ورغم قدرته كشاعر، إﻻ أنه ظل سجين القضية السياسية على عكس رفيقه محمود درويش، الذي تحرر من هذه الشرنقة لينفتح على منـاخات وفضاءات أوسع.

إن شعر سميح القاسم يمنح نفسه بسهولة، لذلك لم يهتم به الدارسون أضف إلى ذلك اﻹسهاب الذي عرف به، إذ تعتبر مدونته من أضخم المدونات.


محمد الخالدي


* كاتب وروائي من تونس



فراشة الشمس


سميح القاسم الفراشة تحلّق باتجاه الشمس، يتعثر الحلم أخيرا في أحجار الواقع، فتستيقظ الفراشة من بياتها الشعري لتحلّق إلى أرض غير الأرض التي ألفناها، تترك خلفها أثر الرمز في “دمي على كفّي” وصدى يتردّد في “أغاني الدروب” وتمضي فاردة أحلامها تحت “مواكب الشمس”.

سميح القاسم بوجه يغرق في طفولية تكفر بضجيج العمر، وملامح هدوء يستوطن عشّ حمامة، وسؤال يبدأ من فلسطينه وينتهي إليها. سميح القاسم وهو يطير فوق “دخان البراكين” وفي قلبه حلمه الصغير “ويكون أن يأتي طائر الرعد” سميح القاسم الذي تأمل الحقيقة بماء الشعر، وعثرة الإنسان، وقلب الصوفي وهو يرى “سقوط الأقنعة” في “موته الكبير”.

هذا الطفل الذي ما ملّ الركض في براري الشعر، ففي كل خطوة كان يسحب الأشواك من قدم الرّيح كي تنطلق به أبعد، وفي فمه سؤاله المعلق على مشجب الرّوح “إلهي إلهي لماذا قتلتني؟” وهي حسرة الطفل حين تندلع في غابات النفس فلا تُخمد بغير ماء الشعر.

أنا لا أحبك يا موت لكنني لا أخافك أعلمُ أنّي تضيق عليّ ضفافك وأعلمُ أن سريرك جسمي وروحي لحافك أنا لا أحبك يا موت لكنني لا أخافك.

ومن هذا اللاخوف أسّس سميح مع صديق شعره محمود “أدب المقاومة” وكانت المسيرة التي بوأته كرسي الشعر الذي شُغِلَ به عنه في حياة حفلت بالقضية، قضية تحرير الأرض من أشواك الجور، وتحرير الإنسان من ربقة البغي والتسلّط، وتحرير القيم من التلفيق، وهو ما أسّس لتحرير شعره الذي امتد على أكثر من خمسين عملا إبداعيا، فكان إبداعه علامات فارقة في سماء الشعرية العربية، وأيقونات يعتدّ بها. فعرفت قصائده الترجمة إلى لغات متعددة، وكتب في أكثر من ضرب فنيّ فمن الشعر إلى القصة إلى المقالة إلى المسرح إلى الترجمة.

كان سميح يسابق أيام الحياة بهذه الولادة التي سوف تبقيه على قيد الحضور، وتعزّز قيمته كشاعر له بصمته المتفرّدة على ديوان الشعر العربي والعالمي.

هو إذن لا يخاف الموت ولا يحفل به، وهو الذي توزّعت سنوات عمره بين السجن والإقامات الجبرية والطرد من عمله والتهديد بالتصفية الجسدية.

فلم يزده ذلك إلاّ إصرارا بمشي انتصبت فيه قامته حتى قاربت السحاب ولامست روح الشمس التي أيقظت فراشته من بياتها الشعري لتحلّق بعيدا، بعيدا.

وتترك لنا على أوراق الحياة أثر أغنية ستنشدها أجيالنا القادمة في انتظار أن تشرق شمس الحقّ. وداعا سميح ونحن نحفظ وصايا قلبك. أنت الذي لا تحبّ الموت، لكنك أبدا لا تخافه.


مريم ترك


* كاتبة وشاعرة من لبنان



القاسم يعانق درويش


تناقلت الأوساط الإعلامية ومحطات التلفزة نبأ وفاة الشاعر الفلسطيني سميح القاسم، الذي وافته المنية مساء يوم الثلاثاء الموافق 19 أغسطس، في بيته وسيوارى الثرى اليوم الخميس في قريته الرامة.

يذكر أن الشاعر الراحل من أهم الشعراء العرب والفلسطينيين المعاصرين وهو من شعراء المقاومة الفلسطينية من الداخل الفلسطيني، ويعتبر الشاعر سميح القاسم وصديقه الشاعر الراحل محمود درويش صنوان للقصيدة الملتزمة التي حملت فلسطين إلى العالمية.

بوفاة الشاعر سميح القاسم تتسع كوكبة الراحلين من رفاق القلم والفكر والفن ويتعانق مع الشاعر الكبير محمود درويش والأديب غسان كنفاني ورسام الكاريكاتير ناجي العلي، أولئك الذين تركوا خلفهم مخزونا كبيرا للأجيال القادمة التي لا بدّ أن تصون هذا الميراث العريق.

ولد سميح القاسم في مدينة الزرقاء الأردنية 1939 من عائلة فلسطينية تنحدر من قرية الرامة قضاء عكا، تعرض للسجن مرات عديدة ووضع تحت الإقامة الجبرية ناهيك عن هول المضايقات المتواصلة بسبب قصائده التي تزخر بالصمود والإصرار ومقاومة المحتل ورفض المساومة.


مجد يعقوب


* شاعرة من فلسطين

14