غاتسبي العظيم مسوخ الحلم الوردي

السبت 2016/10/01

ما زلت أذكر إلى الآن تلك الأبيات الجميلة التي تصدرت الطبعة العربية من رواية سكوت فيتزجيرالد “غاتسبي العظيم”. كانت قراءة سحرية آسرة في الحقيقة، قبل أن أعيدها أكثر من خمس مرات لاحقاً. “اعتمِر قبّعة ذهبيَّة من أجلها. وإن كنت تستطيع القفز عالياً إقفز.. من أجلها أيضاً، حتّى تهتف “يا حبيبي يا ذا القبّعة الذهبيَّة والقفزة العالية.. يجب أن أحظى بك”.

بهذا المقطع من قصيدة توماس بارك وانفليه قدّم سكوت فيتزجيرالد، أو البعض من ناشريه رائعته الخالدة “غاتسبي العظيم” بترجمتها العربية، وهي أحد أبرز الكتب التي قرأتها في مرحلة متقدمة من حياتي وتركت فيّ أثراً عميقاً وألهبت خيالي منذ أكثر من ثلاثين سنة، كما لو كانت رواية لكل العصور في الحقيقة. وعلى الرغم من أن فيتزجيرالد أراد أن ينتقد الحلم الأميركي بواسطتها، إلا أنها مجدت بشكل أو بآخر ذلك الحلم، وقدمت غاتسبي كنموذج طموح يسعى لجمع الثروة من أجل الفوز بقلب ملهمته ومعشوقته دايزي التي رفضت ترك زوجها توم بوكانان من أجله، على الرغم من أنّه بدد جميع القيم في طريقه. لكن بطريقة أو بأخرى ظلت دايزي حبه الكبير ودافعه للنجاح وجمع المال وتحقيق الثروة.

مرّ الآن أكثر من تسعين عاما على نشرها لأول مرة باللغة الإنكليزية، تحديدا في 25 أبريل 1925، لتشهد صعودا بوتيرة متباطئة أول الأمر، قبل أن تصعد في سماء الرواية الأميركية والعالمية بسرعة فائقة، وهي تتحدّث عن قصة الثروات الخرقاء ونقد الطموح الساحق لجني المال والملحمة المأساوية للحب من دون مقابل. وما زال ثمة المزيد مما يُروى باستمرار، خاصّة بشأن الأدب بمثل هذه النوعية الخالدة.

في تلك الحقبة كان كتّاب الخيال الأميركان غالبا ما تكون شهرتهم مظللة، فهم لم يرتقوا، على الرغم من ذلك، إلى الواقع الأميركي الجديد (الذي لا يرقى إليه الخيال)، لكن سكوت فيتزجيرالد لم يكن يعبأ بالأمر في الواقع، وكان ينطلق من قناعته الخاصّة التي طالما كررها في ورشات الكتابة والندوات التي كانت تُعقد له.. «اكتب ما تعرفه فحسب.. لا تجهد نفسك وتبحث عن الغرابة».. وفي تلك الحقبة تحديداً، حين احتدم الجدل، نُشرت «غاتسبي العظيم»، وتحديداً في عام 1925 لتثير الكثير من استهجان النقّاد أول الأمر، لكن الناقد سكوت برنار يقول “لقد ولدت واقعية الرواية من خضم الخيال المحض وأثرت في أجيال كاملة من المشتغلين بفنون الابتكار، على صعيد الشخصيات والأزياء والعطور والسيّارات، وحتى النشاط الإجرامي في عصر أميركي انتعشت فيه موسيقى الجاز وتألقت مسارح برودوي”.

كان سكوت فيتزجيرالد وزوجته يلدا قد انتقلا في عام 1922 إلى حي كريت نك، وهو منطقة غنية تقع في مقاطعة لونغ آيلاند، ومن هناك اطلع بشكل مباشر على ملامح الثراء وفاعليته المتطرفة وسلوكياته اليوميّة من خلال القصور الفخمة والسيّارات باهظة الثمن. خلال تلك الفترة كان سكوت الشاب مأخوذاً بسحر الثراء الذي بدا يراقبه من الخارج، بينما كانت المناطق المجاورة في مانهاست تغط في ملامح الفقر، قياساً بهؤلاء الذين غنموا ثرواتهم خلال الحرب وما بعدها. كانت تلك التفصيلات مألوفة وطاغية بالنسبة إلى الكاتب الشاب الذي سعى بفعل التأثير المباشر إلى تقديمها للشرق والغرب الأميركي الأبيض مغلفة بسيلوفان لغته البورجوازية التي ألهمته بها شخصيات الحيّ ونمط حياتها الأثير.

من الواضح جداً أن فيتزجيرالد كتب عما يعرفه بالتحديد كما يقول، وحتى لو لم يفعل، فما الذي يهم في الواقع؟ ذلك لأن الرواية لا تزال محتفظة بديناميكية شخصياتها وعصريتها حتى يومنا هذا، ولا تزال زاخرة بالمهازل الفخمة وأساليب الخداع والجريمة والحب والموت، ولا تزال تمثل صورة حيَّة ومصغرة لنمط الحياة الأميركية في عشرينات القرن الماضي، وكل هذا بنثر آسر لا يمل القارئ من العودة إليه مراراً وتكراراً.

كاتب من العراق

15