غادة الحسن تشكيلية سعودية ترسم شكلا آخر للنافذة

الخميس 2015/04/02
أعمال الحسن تعيد قراءة الكون الفيزيائي وحقيقة الزمن الوجودي

الرياض - منذ معرضها الشخصي الأول “هنا منذ الأزل” 2009، مرورا بتجربتها “نص تآلف هنا” 2013، و”تلويحة نقش” مطلع 2015، وغادة الحسن ترصد بعوالمها الفنية أسئلة في غاية العمق والجدل، محاولة أن تخرج للمتلقي في صورة مغايرة عن آخر مشهد تشكيلي تجلّت له فيه.

عبر سنوات من عمرها الفني الممتد بهدوء وحرفية، بدت التشكيلية السعودية غادة الحسن واثقة من تجربتها الأخيرة “شكل آخر للنافذة” المقامة في غاليري “نايلا” بالرياض، مستعينة بخامات جديدة، وبمناطق مختلفة للتكوين التشكيلي العصي على غيرها.

تأتي غادة الحسن بعد العديد من المشاركات المحلية والدولية بمعرضها كاسرة للشكل الكلاسيكي، وقافزة على احتمالات المتلقي، حيث قدّمت مجموعة أعمال مفاهيمية على شكل أسطرلابات ومسلات وأهرام مستديرة حول كتلة نصف كروية، توحي بالكرة الأرضية في شكل بصري دائري نفذته الحسن ببراعة على أرض الغاليري.

الفنانة أخذت المتلقي في منجزها الجديد إلى مناطق جديدة من التأويل للكون الفيزيائي، ولحقيقة الزمن الوجودي، خصوصا حين تجاورت مع هذه المجسمات الهرمية لوحات تجريدية، أخذت شكلا من أشكال الخرائط الجغرافية القديمة -مثل التي رصدها الإدريسي- في محاولة من الحسن، حسب تعبيرها، لبناء عشها الكوني الآمن المعزول في آخر العالم.

تقول الحسن عن تجربتها لصحيفة “العرب”: أرى العالم بمنظار من يريد أن تحدث الأمور كما يشتهي، وليس كما تحدث في الواقع.

أعمال الحسن تحمل أبعادا كثيرة للتأويل، بين السياسي والديني وفق ما تقدمه الفنانة من إشارات تساعد على ذلك

هكذا يقول كويلو، وهو نفس ما تعتقده الحسن في الفن الذي يعيد صياغة مفردات الحياة وتشكيلها من جديد وفق رؤية الفنان لها، “شكل آخر للنافذة” تجربة مفتوحة على كافة أنواع التأويلات، مثقلة بالأسئلة المتمردة على الأجوبة البديهية، إنها حالة بحث تتوالد أفكارها تباعا كلما تعمقت الفنانة فيها أكثر.

وتضيف الحسن “استفدت من كل معلومة وقعت عليها، من أول نقش حفرته يد الإنسان مرورا بالوسائل الأخرى التي استخدمها لتخليد أفكاره، مستعينة بالدائرة وفلسفاتها العديدة في تكرار مستفز للحواس، فتتحول بين يدي إلى خارطة قديمة للعالم، أو كوكب في حين آخر أو حالة فلكية أو زيج قديم أو طلسم في كتاب أدعية شعبية، من ينظر إليه لا يصيبه همّ ولا غمّ ولا كدر؛ إنها حالة دوران كوني متجانس تدور فيه جميع الموجودات وفق إيقاع منتظم”.

ضمّ المعرض أكثر من ستين عملا يساند بعضه الآخر ضمن مناخ فني واحد، لا يمكن كسر إيقاعه المنسجم بأي دخيل تشكيلي سوى تحريض الفضاء والإنسان والزمن، وأسئلتها التي أرادت الحسن من خلالها أن تبعث برسائلها الفنية الخاصة.

ويجد المتابع في جميع تجارب الحسن القلق الدائم حيال الأسئلة الوجودية التي تحاول أن تقبض عليها في أعمالها، لهذا نجدها ترصد عبر أعمالها المفاهيمية والتجريدية في مشاركاتها الجماعية والشخصية خطوطا من الاستشراف للعالم، وكأنها يئست من حاضرها فشكّلت حيواتها بيديها.

كل هذا يدفع بالمتلقي للسؤال حول تداخل الجمالي بالفلسفي في تجربة المحسن، خصوصا في تلك التجارب الوحشية التي قدّمتها في معارض سابقة، مستعينة بالجماجم والعظام والتراب في تجربة مختلفة عن المسار المعتاد الذي نواجهه في التجارب الفنية الأنثوية الميالة لتغليب الجمالي على كل ما سواه.

غادة الحسن: أرى العالم بمنظار من يريد أن تحدث الأمور كما يشتهي، ولا كما في الواقع

الحسن تعلّق على هذا بقولها “أنا لا أؤمن مطلقا بتقسيم الفن إلى أنثوي أو ذكوري، الفن هو الفن دون تصنيف، وليست هناك موضوعات مخصوصة لأي منا كي نطرقها دون سواها، والوحشية -في نظري- ليست سوى محاولة لإحداث صدمة شديدة في ذهن المتلقي، لتترك تأثيرها الذي لا يمكن تجاوزه بسهولة لاحقا، فإن نجحت في ذلك فقد حققت مفهوم الجمال الذي أؤمن به”.

أعمال الحسن تحمل أبعادا كثيرة للتأويل وتعدد القراءات، البعض يذهب بقراءته للغرفة السياسية، وآخرون يجدون فيها تعبيرا عن موقفها الديني الخاص، وهنالك من فسّر الأعمال وفق ما تقدّمه الحسن من إشارات تساعد على ذلك. وهذه القراءات المتنوعة عادة ما توقع الفنانين بين كماشة الرقيب البسيط الذي لا يدرك من التجارب سوى ظاهرها، ويفسر الأشياء بخطابه المباشر دون أن يتعب نفسه في البحث والقراءة.

فنانتنا غادة الحسن كانت لها تجارب سابقة مع الرقيب، حيث منعت لها بعض الأعمال من النشر. تحدّثنا عن ذلك قائلة “العمل الفني حمّال أوجه ومساحة واسعة للتأويل، ولا يهم مقصد الفنان بل قدرة العمل الفعلية على إشعارنا بقيمته”.

وتسترسل قائلة “الرقيب لا يعرف سوى خطوطه الحمراء ومدى وصول العمل إلى حدوده، وفي حال عدم استيعابه لما يراه فإنه يلوي عنق المعنى تجاه محظوراته، وقد سبق أن تم سحب أعمال لي ومنعها من العرض قبل ثلاث سنوات في جدة، ولازلتُ حتى اليوم أعــيش هذا الـهاجس وأشعر بالتـهديد الدائم”.

ورغم أنها صارت أكثر حرصا وتدقيقا لكل ما تعرضه، لكن الحسن لا تجزم بأنه بإمكانها تجاوز هذا الحقل الملغوم، دون أن ينفجر في وجهها واحد من ألغامه إذا ما لمسته أصابع قدمها خطأ.

16