غادة السمّان بأجنحة مكسورة

المرأة الكاتبة اليوم تخاف من أنوثتها، تحجب رمان الجمال الذي فيها والذي وهبته الطبيعة إياها كي تكون هي، وهي في ذلك تشجع ثقافة “الطاعة” وتطرد الأنثى من جلدها.
السبت 2018/10/06
النمرة التي من مخالبها خرجت الكتابة الشرسة

لقد أنّثَتْ غادة السمّان الكتابة السردية والشعرية في العالم العربي والمغاربي في زمن طغت فيه الذكورة الأدبية، والتأنيث عند غادة السمان مرادف للإنساني.

هي النمرة التي من مخالبها خرجت الكتابة الشرسة، كنا في سنوات الثانوية وفي الجامعة نقرأ روايات السمان بشهية، نستهلك نصوصها المفتوحة على الحرية بمتعة كما تستهلك المحرمات.

كانت من جيل الأديبات اللواتي حررن الكتابة ومعها تَحَرَّرْنَ هن أنفسهن، الكتابة عند غادة السمان مرآة الجمال. كان حضورها في السبعينات والثمانينات أكبر من حضور نجيب محفوظ في المقروئية في العالم العربي والبلدان المغاربية.

لا أحد من الكُتّاب من جيلي، روائيين كانوا أم شعراء، إلاّ ومر على مقاعد مدرسة نصوص غادة السمّان، إلاّ وسهر الليالي بين سطور حكاياتها بلغتها النابضة بالحياة: “عيناك قدري” و”لا بحر في بيروت” و”ليل الغرباء” و”رحيل المرافئ القديمة” و”بيروت 75″ و”كوابيس بيروت”…

حتى أغلفة كتبها، قصصها ورواياتها وأشعارها، كانت توحي بالحرية والتحرر وبالمقاومة الناعمة ضد وحش الذكورة، أغلفة كانت سعيدة ضد دكنة الذكورة، وصورها الشخصية الجميلة أيضا كانت فسحة تحرير وتحرر، فالكتابة دفاع عن الجمال وانحياز إليه.

كُتُب غادة السمان كانت تحتفي بالأنوثة العنيدة، تستعرضها بسعادة، تحتفي بالأنوثة لأن لا حياة بدون أنثى.

لقد وصل التنكر للأنوثة عند بعض “كاتبات” هذا الزمن الرديء، إلى شن حرب ضدها (ضد الأنوثة) ومحاربتها في أنفسهن، وصل التنكر للأنوثة حدا من الجنون والهبل

اليوم، في هذا الزمن العربي والمغاربي الداعشي الذكوري، حين أعاين الجيل الجديد من الكاتبات، وما أكثرهن عددا، وأعاين صورهن، حضورهن، أشعر بنوع من الخيبة، المرأة الكاتبة اليوم تخاف من أنوثتها، تحجب رمان الجمال الذي فيها والذي وهبته الطبيعة إياها كي تكون هي، وهي في ذلك تشجع ثقافة “الطاعة” وتطرد الأنثى من جلدها.

كانت غادة السمان الكاتبة الشرسة في جلد الأنثى الناعمة وهي التي عرفت السجن لمواقفها السياسية من نظام القمع في سوريا، لا تناقض بين الجمال والنضال، الجميلة هي المناضلة الحق.

كان صوتها قويا وهي تكتب في الحب والجنس والحرب فتزعج طمأنينة الأنظمة القمعية الدينية والعسكرية، كانت غادة السمان سيمون دي بوفوار عند العرب والمغاربيين المعربين.

لقد وصل التنكر للأنوثة عند بعض “كاتبات” هذا الزمن الرديء، إلى شن حرب ضدها (ضد الأنوثة) ومحاربتها في أنفسهن، وصل التنكر للأنوثة حدا من الجنون والهبل، إذ أقدمت بعضهن ممن تدعين الكتابة إلى حد وضع “لطخة سوداء” على وجوههن في صور لهن على أفيشات للإعلان عن حفل توقيع كتبهن أو عن مشاركتهن في ندوة ما، وكأنهن يخجلن من سعادة الأنوثة فيهن.

لقد انتقلت ظاهرة إخفاء ملامح الوجه كاملة باللطخة السوداء من صور “مرشحات بعض الأحزاب” الإسلامية إلى صور “الأديبات” المفترض فيهن الدفاع عن الجمال وعن الشفافية والوضوح والحرية والافتخار بالأنوثة. هذه ليست حرية شخصية إنها اغتيال للأنوثة، عبودية، موقف ضد الطبيعة وضد الخالق الذي يحب الجمال.

متأكد أنا أن غادة السمان وهي ترى مثل هذا السلوك المشين الشبيه بالانتحار أو الإعدام الذاتي، والمتمثل في إخفاء ملامح الوجه الأنثوي لدى “الأديبات” باللطخة، ستكون حزينة، محبطة، فبعد انهيار قيم السياسة والسياسيين انهارت قيم الجمال الأدبي وتراجع مربع حضور المرأة، والأمر المرّ هو أن يسجل هذا التراجع في مربع النساء اللواتي يفترض فيهن الدفاع عن الحرية ومواجهة الذكورة وترسانتها المؤسسة على ثقافة الطاعة والحريم والاستناد إلى فكرة “المرأة عورة” وأعني بهن “الكاتبات” الأديبات.

لقد انسحب الجمال من الشارع العربي والمغاربي وأصبح هذا الفضاء العمومي مجالا مفتوحا لثقافة النفاق باسم الدين السياسي واختفت المقاومة أو تراجعت كثيرا تلك التي لطالما زرعتها كتابات غادة السمان في جيل كامل من الأدباء والأديبات.

لكم نحن اليوم بحاجة لصوت ولصورة غادة السمان لمواجهة ثقافة النكران والتنكر التي تمارسها الكثيرات من شبيهات “الأديبات” اللواتي يعتبرن ما كتبته لأجل تحريرهن “منافيا للأخلاق” ومنافيا “للدين” الذي علمته لهن الأحزاب الإسلاموية المتطرفة.

أتصور غادة السمان، وهي تطل من شرفة بيتها بباريس، تستعيد شريط أزيد من نصف قرن من المقاومة بالكتابة، أتصورها حزينة وهي تراقب الخراب الذي جاء على البلدان وسحق المدن وتطاول ليصل خرابه الروح والجسد ومن خلال كل ذلك زحف هذا الخراب إلى النص الأدبي الذي هو موطن الحرية.

15