غادة العبسي: الكتابة متعة شخصية لا يضاهيها شيء

الاثنين 2014/11/17
غادة العبسي: أنا لا أحترف الكتابة، لكن أسعد أوقاتي أقضيها في أحضان الكلمة

القاهرة - غادة العبسي كاتبة وطبيبة، بدأت خطواتها في عالم الإبداع بنشر مجموعتها القصصية الأولى “حشيشة الملاك”، ومن ثم جاءت مجموعتها الثانية “أولاد الحور”، والتي حازت بها على المركز الأول من قبل الهيئة العامة لقصور الثقافة، وجاءت قصتها “مانوليا” والتي شاركت بها في جائزة نازك الملائكة، لتحصل على المركز الثالث.

هي مسيرة مبشرة بكاتبة لها اسمها على الساحة الثقافية العربية، في حوارنا مع الطبيبة والكاتبة غادة العبسي، نحاول استجلاء عالمها، واكتشاف الكاتبة والمبدعة ذات الصوت الأجمل في الحياة الإبداعية.


الكتابة مسؤولية


أولاد الحور هي مجموعتها القصصية الثانية بعد “حشيشة الملاك”، تضمّ 18 قصة قصيرة، تقول الكاتبة إنها حاولت من خلالها تقديم رؤيتها الخاصة عن هموم الوطن وساكنيه، في شتى مناحي الحياة، في ما يتعلق بالأزمة السياسية والأحوال الاجتماعية التي آل إليها المواطن المصري، إضافة إلى تساؤلات فكرية هامة مطروحة حول مستقبل الوطن، وأيضا عرض نماذج من العلاقات العاطفية ولمناطق شبه مهجورة من التراث المصري القديم.

عن الكتابة الإلكترونية التي سبقت النشر الورقي عندها تشير غادة العبسي إلى أنها تستبطن شعورا بحميمية كبيرة تجاه مدوّنتها، ذلك لكون التواصل فيها قد تجاوز الحدود المكانية، وتؤكد قائلة: «أن يكون لديك متابعون من شتى دول العالم ينتظرون ما تكتب ويحرصون على القراءة لك، شيء يسعدني كثيرا”.

وهي تعتبر أن النشر الورقي قد جاء في موعده وليس متأخرا في مشوارها ومنجزها الإبداعي، الذي تراه مازال في البدء، وتلفت العبسي إلى أنه من الضروري بأن يدقق الكاتب جيداً قبل مرحلة النشر، فالكتابة، في رأيها، تحمّل المشتغلين بها مسؤولية كبيرة.

أما الجيّد منها فقد يهب القارئ وسائل لتغيير مسار حياته، هي خطوة جريئة تستلزم الكثير من الشجاعة، غير أن الكتابة الإلكترونية، في اعتقاد العبسي، أكثر تفاعلا مع القارئ، لأنها تتلقى ردّ فعل مباشر عما كتبت وتواصلا أيسر، أما المحتوى فهو واحد في ما يتعلق بما يتمّ نشره سواء كان ورقيا أم إلكترونيا. تقول الكاتبة: “في الأساس كتابتي لا تهجرني أبدا، تظل معي بشخوصها وتفاصيلها، وأحيا فيها، وتشغلني باستمرار، قبل وبعد إنجازها».

كاتبة تحاول تقديم رؤيتها الخاصة عن هموم الوطن وساكنيه، في شتى مناحي الحياة وتفاصيلها


العذوبة والعذاب


تؤكد العبسي أنها عندما شرعت في الكتابة، لم تكن تبحث عن سبب، فهي تكتب فحسب، ربما أرادت تجريب متعة الكتابة ومقارنتها بمتعة القراءة، وتعتبر أن أولئك الذين جعلوها تحيا بين سطورهم، وتتنفس آلامهم وتتوسّد أفراحهم، دفعوها إلى دخول عوالمهم تلك.

ثم بدأت تفهم كيف تستحوذ على ذهنها تفاصيل البشر البسيطة، وكيف تتفاعل معها لا شعوريا فتكتب عنها، وبدأت تدرك أيضا أن الكتابة هبة يكرمها من يخلص لها ويتقنها، وأبلغ تكريم لها أن تكون صادقة، حرة: غير موجَّهة أو موجِّهة.

تقول العبسي: «أنا لا أحترف الكتابة، ومهنتي في الأساس هي ممارسة الطب، وأحرص على ذلك قدر المستطاع، وأستطيع أن أقول بجرأة أن أسعد أوقاتى أقضيها في أحضان الكلمة قراءة وكتابة، إلا أن الجهد المبذول في ممارسة الكتابة ليس بأقل من المبذول في عملي كطبيبة، وكلاهما لا يمكنني الاستغناء عنه، وأنعم بعذوبته وعذابه».

عن الفوز بالجائزة الأخيرة، تؤكد غادة العبسي على سعادتها بهذا التتويج، الذي يمثل لها دلالة مختلفة بعض الشيء، فجوائز الدولة الثقافية لها ثقل كبير، بالنسبة إليها، والأجمل فيها أنها تضمّ مشاركين من كافة أنحاء مصر، وتعمل على تحفيز الكتاب الشباب، والتأكيد على القيمة الفنية وليس على قيمة الأسماء الكبيرة المعروفة إعلاميا، وذلك دون الطموح إلى تحقيق ربح ما.

كما تؤمن الكاتبة أنه لا تصنيف في الفن بوجه عام، فهي لا تستطيع أن تجزم بأن هناك عملا أفضل من عمل، ثمة من يكتبون في الظلال ولا أحد يعلم عن إبداعهم شيئا. ولكن قيام الدولة بتقييم الأعمال الأدبية وتكريمها، يعدّ إشارة موثوقا بها إلى الفن الجيّد وإلقاء الضوء عليه.

العبسي تبحث في أفراح المصريين وأحزانهم


متعة شخصية


تشير غادة العبسي إلى أن تجربتها مع الغناء بدأت في سن مبكّرة جدا، فهي تغني منذ أن كان عمرها أربعة أعوام، وشاركت في العديد من برامج الأطفال والحفلات ولحّن لها الراحل عمار الشريعي وعمرها لم يبلغ بعد الـ14 عاما، ليتمّ اختيارها للالتحاق بإحدى فرق دار الأوبرا المصرية كصوليست متميز، ومكثت فيها لمدة عامين أثناء دراستها للطب، ولكن كانت هناك عدّة أسباب دفعتها إلى تركها، ثم آثرت أن تنهي دراستها أولا لتحصل على الماجيستير، غير أنها لم تقلع عن الغناء ليومٍ واحد، ومن ثم قررت أن تواظب على تمارين للصوت منذ فترة ليست بالبعيدة لتتعلم بعدها العزف على آلة العود.

تؤكد العبسي أن هذا الأمر يأتي في المرتبة الأولى من رغبة في تحقيق متعة شخصية لا يضاهيها شيء، كأن تغني وتعزف ما تحبّ من التراث القديم، ثانيا لأنها تطمح في كل حفل توقيع لكتاباتها بتقديم شيء مختلف للقارئ وللمستمع، وهو حفل غنائي كامل مع فرقة موسيقية، وتضيف أنه ليس لديها حتى الآن خطط أخرى في ما يتعلق بالغناء.


قلب الثقافة


عن استقبالها لجائزة نازك الملائكة، تقول غادة العبسي: «استقبلتُ بفرح وامتنان كبيرين خبر فوزي بالمركز الثالث عن القصة المنفردة “مانوليا” في مسابقة نازك الملائكة للإبداع النسوي، جاء هذا التكريم العربي المتميز من قبل وزارة الثقافة العراقية، والتي بذلت جهودا محمودة في سبيل إنجاح هذا المحفل الأدبي الكبير، سعادتي لا توصف لكوني المصرية الوحيدة التي تمثل مصر ضمن الفائزات العربيات، إضافة إلى علمنا بخضوع النصوص المقدّمة إلى لجنة بها نخبة من أهم وأكبر أساتذة الأدب العربي، من قلب الثقافة العربية منذ مئات السنين: العراق».

وتضيف: «تلقيتُ دعوة كريمة لحضور حفل التكريم في منتصف أكتوبر وذلك في إطار مجهودات غير مسبوقة تقوم بها وزارة ثقافة العراق، في ظل ظروف صعبة تمرّ بها البلاد، وبالفعل فلقد سافرت إلى “بغداد”، وتركت تلك الزيارة أثرا عميقا في نفسي ليس فقط لأن تاريخ بلاد أكد وسومر وآشور يحيط بك، ولا لأن بغداد أجّجت ذكرى الحضارة الإسلامية في أزهى عصورها، ولكن أيضا للمقاومة التي تنبض في أهلها، فهم يرفضون بها إلى الآن كل عدوان على حضارتهم وهويتهم، ويحافظون على أبجدية الثقافة العربية، ويقدّرون شتى ضروب الفن والإبداع في المجالات كافة، وأقوم حاليا بالكتابة عن تلك الزيارة تفصيليا، محاولة إيصال الصورة كاملة وصحيحة عن شعب ظُلم طويلا».

15