غادة المطيري سعودية ثائرة في عالم الطب والأبحاث العلمية

الأحد 2016/03/06
لها حنين فطري نحو العلوم

عمان - القراءة والاطلاع هما أفضل مصادر إلهامها، قرأت الكثير من الدراسات العلمية والبحوث لأشهر الشخصيات وفي مجالات مختلفة، ليساعدها ذلك على البداية في العمل الميداني لتخصص الكيمياء العضوية الفيزيائية، هي العالمة السعودية غادة المطيري التي كانت تقوم في طفولتها بادّخار جزء من مصروفها اليومي لتشتري الأجهزة الإلكترونية لفك رموز تركيباتها الداخلية.

فقد تنبّهت حينها للحنين الفطري نحو العلوم الذي ظل يتبرمج في عقلها وهي تعيش سنواتها الأولى في صقيع أميركا، حيث كانت تلاحق الإلهام والإنجاز والإعجاز في بحوث شخصيات، وهي تتصفح سيرتهم ووجدت أنها لا تنسى البحوث التي تقرأ عنها رغم أنها لا تزال تدرس التعليم العام محاولة أن تستحدث في عقلها الأفكار وتخزّن معلومات عن كل ما قرأته، ولأنها سليلة أسرة علمية متعلمة مستلهمة، فأمّها أستاذة كيمياء وهي نجاة المطيري التي غرست حب العلم في غادة باكرا، والتي فتحت عينيها على أميركا ومعاملها وتقنياتها عندما كان والدها مطلق المطيري يطلق عنان فكره لنيل الدرجات العلمية في “إدارة العدالة”.

الأم.. "المعلم الأول"

ولدت غادة في الولايات المتحدة عام 1982 حيث كان والدها مبتعثا هناك، ولكنها درست المرحلة الثانوية في السعودية، لتعود بعد ذلك إلى الولايات المتحدة لإكمال دراستها الجامعية، حيث تخرجت من جامعة أوكسيدنتال في لوس أنجلوس من كلية العلوم قسم الكيمياء، كما أتمت رسالة الماجستير في الكيمياء الحيوية من جامعة بيركلي في كاليفورنيا، وحصلت على درجة الدكتوراه في الهندسة الكيميائية في العام 2005.

لغادة المطيري ثلاثة إخوة ذكور وأخت واحدة، جميعهم من حملة الدكتوراه في أميركا والسعودية، وتقول إن الفضل يعود لأمّها نجاة المطيري التي نمّت فيها وفي إخوتها مبدأ المسؤولية، فكانت رغم عملها وعلمها تعشق الجلوس بين أبنائها ولا تخرج إلا نادرا، ولا يمكن أن تحلّ الساعة السابعة مساء إلا وهي بينهم، مؤكدة أن والدتها التي كانت سراً من أسرار نجاحها وامتلكت خلطة سرية لتفوقها هي وأشقائها، الأم نجاة لم تلاحق العادات والتقاليد ولم تكن مطاردة لحفلات الزفاف حتى الفجر، إنّما كانت مستثمرة للوقت لجني ثمار سهرها وجدها وتعبها فخرجت بإنجاز خمس شهادات دكتوراه نالها جميع الأبناء الخمسة فكانت معلّمهم الأول.

تعمل غادة الآن أستاذة في جامعة كاليفورنيا في سان دييجو، فهي حصلت على جائزة الإبداع العلمي من قبل منظمة “إتش إي إن” لدعم البحث العلمي في الولايات المتحدة، حيث حازت على أفضل مشروع بحثي بالتنافس مع أكثر من عشرة آلاف باحث وباحثة.

أبحاث بالجملة

تقوم العالمة المطيري بالأبحاث والابتكارات بدافع داخلي وتصميم على تقديم شيء جيد للبشرية، فهي التي طلبت قبل 10 سنوات من جراحي القلب تحديد المشكلة الكبرى التي تواجههم، لتجد النسبة الكبرى أجمعت على أن المشكلة الأكبر هي انسداد الشرايين الذي يؤدّي إلى السكتات الدماغية، وتحديدا تراكم الدهون في جدران الشرايين مع التقدم في السن، ولكن المشكلة كانت أن المتخصصين في القلب لا يستطيعون تحديد هل هناك التهاب، خصوصا في المراحل المبكرة، وعملت غادة مع أخيها الطبيب المتخصص في عمليات التجميل، لإيجاد طريقة كيميائية جديدة لإزالة الدهون من الجسم.

أتمنى أن أحظى بفرصة تقديم محاضراتي لفترة وجيزة سنويا في جامعات وطني الحبيب السعودية، لأشرح مدى أهمية البحث العلمي وقيمة الإنجازات العلمية التي تمّ التوصل إليها، وليس لديّ أي مانع في عقد ورش عمل تثقيفية بالتعاون مع أكاديميي الجامعات لتثقيف الطالبات والطلاب

تعاونت غادة المطيري في أول مشاريعها مع جامعة كاليفورنيا، حيث كانت مدته ثلاث سنوات، وهو مشروع تتطلع إلى أن تنتج من خلاله مادة تتميز بالمرونة والقوة وتساعد المباني على تحمل العوامل الطبيعية مثل الزلازل، ولم تكن المرة الأولى التي تعمل فيها في مجال غير الطب، بل سبق لها وعملت خلال عامي 2000 و2005 على تصنيع مادة بلاستيكية تتميز بالمرونة الشديدة كالعضلات وتخدم عدة مجالات في صناعة الروبوت مثلا، وهي مادة يستفيد منها الأطباء وروّاد الفضاء وحتى صناع الرسوم المتحركة.

مشروع المطيري يعتمد على جعل المباني أخفّ عبر ابتكار مواد خفيفة وقوية في نفس الوقت، ويتم تثبيتها ووضعها على الحديد بحيث لا تنفصل عنه وتمنحه مرونة عالية، وذلك ضمن التوجهات الهندسية المعمارية المبتكرة التي تعكف عليها الجامعة، فمجال عمل المشروع هو تطويع المواد الأساسية لخدمة الطب أو الهندسة أو أيّ مجال آخر.

ولكن غادة تركّز على استخدام المواد لخدمة المجال الطبي فهي تعمل حاليا بكاليفورنيا في مركز الأبحاث الذي ترأس فيه فريقا بحثيا يتكون من 13عالما من مختلف الجنسيات على ثلاثة مشاريع طبية أولها موضوع التطعيم، حيث أن هناك أمراضا لا يمكن التطعيم ضدها مثل الإيدز مثلا، لأن ميكانيكية التطعيم هي قتل الفيروس ثم إدخاله للجسم حتى يقاومه، إلا أن هناك أمراضا لا يمكن أن تجرى عليها هذه العملية، إلا أن المطيري بصدد إيجاد طريقة لذلك، بالإضافة إلى اعتزامها تغيير عملية التطعيم ذاتها من كونها تتم عبر استعمال الحقن إلى بخاخ عبر الفم .

مشروع المطيري الثاني يتمحور حول اكتشاف الأمراض مبكرا عبر رصد إشارات المرض، وفي هذا الصدد قالت المطيري في أحد لقاءاتها الصحفية “إن أيّ مرض قبل بدايته وظهور أعراضه بشكل واضح يتسبب للجسم بعدد من التغيرات الكيميائية، ونحن كفريق متخصص نتحدث مع الأطباء والمتخصصين حول هذه التغيرات ثم نصنع مواد تحدث تغييرا في بيئة المرض، بحيث نستخدم هذا التغيير ليعطينا إشارات لاحتمالية الإصابة بالأمراض المختلفة، وبهذا يمكننا توقع ماذا سيصيب أيّ شخص من أمراض بوقت مبكر”.

مشروع العالمة السعودية الثالث أثار اهتماما دوليا أكثر من أيّ من الأبحاث الأخرى، ومن خلاله فإنها تعتمد على الخلايا الجذعية بحيث تؤخذ هذه الخلايا وتضاف إليها مواد وتشكل حسب ما يريد العالم، ويقول الخبراء إن هذه الفكرة تساعد في زراعة الأعضاء بحيث تضاف مواد على الخلية في وقت معين وبكمية محددة، فتنتج لنا خلايا كبد مثلا أو خلايا عضلة القلب أو خلية مناعية.

لا تتوقف أبحاث المطيري عند هذا الحد، حيث قامت إلى حد الآن بنشر أكثر من 25 رسالة بحثية، و ثلاث براءات اختراع، منها تطوير تقنيات تشخيصية باستخدام الضوء بدلاً من المبضع.

استخدام أشعة الليزر عن بعد
اهتمام البروفيسورة غادة الأساسي هو إنتاج مواد نانوية جديدة لها خصائص فريدة يمكن تطبيقها في المجالات الطبية، و أحد أهم أبحاثها هو حول التحكم عن بعد في إطلاق مواد حيوية داخل الجسم حيث استخدمت أشعة الليزر الأحمر التي تنفذ من خلال الأنسجة الحية دون إيذائها، في هدم بنى مواد نانوية تحتوي بداخلها على مواد حيوية، كبروتينات مواد علاجية أو مواد تشخيصية، لا تتفاعل وهي بداخل تلك البنى النانوية.

ولكن عندما يوجّه عليها أشعة الليزر، تتحرّر المواد في المناطق المحددة وتقوم بعملها، كما وصفت البروفيسورة غادة إنجازها بالقول “عندما أتممت هذه التقنية، لم أكن بعد قد عرفت كيفية تطبيقها في المجالات الطبية، ولكن لاحقا طرحت فكرة استخدامها لمعالجة التنكس البقعي عن طريق حقن الجسيمات النانوية التي تحتوي أدوية بداخلها ثم إطلاق الأدوية عن طريق إشعاع الليزر عن بعد، وأيضا عن طريق توظيف هذه التقنية في المجالات البحثية، حيث تمكّن الباحثون من دراسة التفاعلات الحيوية بأماكن معينة ودقيقة”.

إحدى الأبحاث الأخرى التي عملت عليها غادة المطيري هي استخدام جسيمات النانو المكونة من الذهب في عمليات شفط الدهون، حيث تسخن تلك الجسيمات بمجرد تعرضها لليزر الأحمر وتسخن بشكل يمكن التحكم به بشكل بالغ الدقة، فلو تم حقن تلك الجسميات في النسيج الدهني ثم تسخينها بشكل متحكم به لإذابة الدهون سيتم التخلص من الآثار الجانبية لعمليات شفط الدهون التقليدية، وأيضاً ستكون أسرع بكثير وتشد تلك الجسيمات البشرة بعد إذابة الدهون.

وتشغل حاليا منصب “أستاذ” في الهندسة النانوية وعلم المواد في جامعة كاليفورنيا سان دييجو، وتدير معملاً خاصاً بها قيمته أكثر من مليون دولار، وهي أيضاً مديرة مراكز التميز في طب وهندسة النانو بنفس الجامعة.

تلقّت المطيري العديد من الجوائز والتكريمات أهمها جائزة معاهد الصحة الوطنية للاختراع، والتي أعطتها دعما لأبحاثها بقيمة 3 ملايين دولار أميركي، وتأمل العالمة السعودية في ربط معملها بنظرائه في المملكة العربية السعودية، ويكون حلقة وصل بين الجامعات الأميركية والسعودية.

مطالبة بارتداء حجاب

وقفت غادة مطلق المطيري على منصة منتدى التنافسية الدولي التاسع، الذي أقيم في الرياض في شهر يناير 2016، لتشرح جهودها في مجال الأبحاث الطبية، أمام المئات من الشباب السعودي والمختصين في هذا المجال، وتوضّح ابتكارها في استخدام الضوء بدلا من المبضع في العمليات الجراحية، ما جعل اسمها يظهر على لائحة المخترعين الجدد في أميركا، حيث استطاعت اكتشاف معدن يُمكّن أشعة الضوء من الدخول إلى جسم الإنسان في رقائق تسمى “الفوتون”، بما يسهل معه الدخول إلى الخلايا دون الحاجة إلى عمليات جراحية، وبما يساعد على التحكم في أعضاء داخل الجسم دون الدخول إليه، كما يتحكم أيضا في وقت العملية، باستخدام نوع من الضوء من أسهل وأرخص أنواع الأشعة، يدخل إلى الجسم والأعضاء دون امتصاصه، فإذا كان هناك شخص ما لديه سرطان، يمكن عبر هذه الأشعة الدخول إلى منطقة المرض والقضاء على السرطان دون فتح الجسم وبلا ضرر.

وفي خطاب مفتوح وعبر العديد من المواقع الإلكترونية والإخبارية، طالبت المئات من نساء قبيلة مطير البروفيسورة غادة المطيري بالتوبة والرجوع إلى الله، ومناشدتها بعدم التبرّج والسفور لأن سر تميزها يكون في حجابها وعفافها، ردا على ظهورها في وسائل الإعلام السعودية والعربية أثناء تواجدها في العاصمة السعودية الرياض.

وجاء في الخطاب “لقد طالعتنا الصحف والقنوات الفضائية في الأيام الماضية بما حققته من إنجاز علمي، وقد سرّنا ذلك كثيرا إذ أننا نفرح بكل اختراع أو ابتكار يأتي من أيّ إنسان يخدم به الإنسانية، ولكن الذي أسفنا له وأحزننا كثيرا هو أن الطريق الذي سلكته للوصول إلى هذا المستوى العلمي جعلك تتخلّين عن تعاليم دينك الإسلامي، ولم تستطيعي الجمع بين الأمرين فقد خالطت الرجال ونزعت الحجاب وأقمت بين ظهراني المشركين وكل هذا مما يخالف أمر الله سبحانه وتعالى، ولا بد أن تعلمي أختنا الكريمة أن النجاح الحقيقي هو التمسك بالقرآن والسنة إذ أن الدنيا دار ممر إلى الدار الآخرة، وفي الآخرة يعرف الفائز من الخاسر”.

واختتم الخطاب الموجه للعالمة غادة المطيري “اعلمي يا أختنا الكريمة أن الإسلام يدعو إلى العلم في كل المجالات ولكن دون أن تتخلى المسلمة عن دينها، وكم من امرأة صالحة في هذا العصر استطاعت أن تنجح في حياتها مع تمسكها بدينها وحيائها، وأقرب مثال على ذلك الدكتورة ريم الطويرقي عالمة الفيزياء التي ألقت خطابها في حفل نظمه معهد العالم العربي في باريس وجامعة أنتر ديسبلن وذلك بمناسبة العام الدولي للفيزياء، وقد كانت بحجابها ونقابها وقد كُرمّت أثناء الحفل لأجل أبحاثها في هذا العلم فهي مثال رائع للمرأة المسلمة المتمسكة بدينها وحجابها، ولم يكن تمسكها بذلك عائقاً لها نحو التعلم والتميز والنجاح”.

في حين رد الكثير من المثقفين السعوديين على الخطاب الأخير مدافعين عن غادة المطيري، واصفين إيّاها بالمفخرة السعودية، وأن عدم ارتدائها الحجاب لا ينقص من قيمتها العلمية والأخلاقية، وأن المسؤولين في المملكة العربية السعودية يقفون إلى جانبها، وأكبر دليل على ذلك هو استضافتها الرسمية في أرفع مؤتمر علمي سعودي، أما المطيري فقامت بتجاهل الخطاب وردت في مؤتمرها الصحفي بالقول “أتمنى أن أحظى بفرصة تقديم محاضراتي لفترة وجيزة سنويا في جامعات وطني الحبيب السعودية، لأشرح مدى أهمية البحث العلمي وقيمة الإنجازات العلمية التي تمّ التوصل إليها، وليس لديّ أي مانع في عقد ورش عمل تثقيفية بالتعاون مع أكاديميي الجامعات لتثقيف الطالبات والطلاب”.

8