غادة دحدلة تعثر في الرسم على وطنها المفقود

التشكيلية الأردنية لا تتوقف عند الشكل الخام كما يُرى، بل غالبا ما تتجاوزه إلى مجموعة الأوهام التي تختبئ وراءه وتؤسس لجمالياته الماكرة التي يختلف تأثير خيالها بين شخص وآخر.
الأحد 2020/07/12
غريبة تقاوم غربتها

أين ينتهي الواقع ويبدأ التجريد؟ ربما هو سؤال ساذج. سيكون نوعا من الاحتياط أن نراعي فكرة أن كل شيء في الرسم سيكون وهميا. ما هو تجريدي يمكن أن نراه في الواقع. تلك فكرة ليست غامضة وليست مستحيلة. ليس التجريد فكرة يحتكرها الذهن. الرسامون يستلهمون الطبيعة. غالبا ما يحدث ذلك. غير أنهم أحيانا يكتفون بهندستها فيحذفون ما هو عاطفي منها.

ما من وقت للرثاء

أهذا ما تفعله الأردنية غادة دحدلة؟ قبل سنوات شغفتُ بالتقاط صور للمدن من الطائرة حين الهبوط. ذاك ما يفعله كثيرون. تلك صور تعيدني حين أراها إلى التفكير بما كان الرسام بيت موندريان يقترحه على مَن تأسرهم لوحاته من غير أن يتمكنوا من إحالتها إلى مرجعية واقعية بعينها. كان يقترح عليهم أن يعودوا إلى الطبيعة الهولندية. ولأني التقطت صورا كثيرة لأمستردام من الطائرة فقد كنت أرى تلك الصور مطبوعة على لوحات الرسام الهولندي الذي شغف بأشكاله مصممو الأزياء والأثاث المنزلي.

فضاؤها الشخصي الذي تصنعه داخل الرسم هو فضاء حملت إليه وطنها المفقود
فضاؤها الشخصي الذي تصنعه داخل الرسم هو فضاء حملت إليه وطنها المفقود

دحدلة من جهتها لا تخفي مرجعيتها الواقعية. الأبواب والشبابيك وما حولها. ولكنها لا تتوقف عند الشكل الخام كما يُرى بل غالبا ما تتجاوزه إلى مجموعة الأوهام التي تختبئ وراءه وتؤسس لجمالياته الماكرة التي يختلف تأثير خيالها بين شخص وآخر. تبدو اللوحة لدى دحدلة كما لو أنها مشروع لتشييد باب أو شباك من طراز خيالي. هناك عالم يتحصّن بألغازه كما لو أن الرسامة قد اخترقته بعد أن جالت بين دروبه هو الذي يقف بينها وبين الوصف. ما صارت تراه هو بالضبط ما تتذكره وليس ما يقع في الواقع.

تجربة إنسانية يمتزج من خلالها شعور عميق بالفقدان بالرغبة في أن تتحول الأشياء المفقودة إلى مصادر إلهام بصري. في سياق بحث شكلي يغلب عليه التفكير الهندسي تمعن دحدلة في التنقيب بين ثنايا خزانة ذاكرتها الصورية لتلتقط الخيط الذي يقودها إلى جنات خفية كانت تقع خلف تلك الأبواب التي لا يمكن وصفها بالأشياء الجامدة.

هناك شيء من الحياة. غير أنه ذلك الشيء الذي يتصدى بصرامة لعاطفة قد تخونه حين تثقله برمزية كان الرسم الحديث في العالم العربي قد استهلك عناصر قوتها وتأثيرها. ما كانت دحدلة حريصة عليه في رسومها أن لا تسقط في فخ الرثاء وهي تتعامل مع موضوع يضفي عليه الفقدان طابعا حزينا.

صنعت مسافة تفصل ما بينها وبين موضوعها بحيث صارت ترى عن بعد كما لو أنها تنظر من المستقبل. تلك علاقة ستقود إلى طريقة مختلفة في تأثيث النفس الملتاعة بما يهدأ من لوعتها. دحدلة رسامة مرئيات حزينة تنحاز إلى جمال تلك المرئيات.       

صرامة شكلية وحذر من الحكاية

فضاؤها الشخصي الذي تصنعه داخل الرسم هو فضاء حملت إليه وطنها المفقود
دحلة صنعت مسافة تفصل ما بينها وبين موضوعها

ولدت في عمّان عام 1963. درست الفن في تورنتو بكندا. بدءا من عام 1984 وهو تاريخ أول معرض شخصي أقامته في عمّان دأبت على إقامة معارض شخصية ما بين عمّان وتورنتو إضافة إلى مشاركتها في معارض جماعية في مدن عالمية مختلفة.

دحدلة التي فازت بجوائز عديدة داخل كندا حرصت منذ البدء على أن تهب موضوعها المحلي طابعا إنسانيا تتخطى من خلاله الحكاية الشخصية. لقد رأت في الرسم مناسبة للانفتاح على الآخر المختلف من غير أن تسعى لاستدرار شفقته. لذلك استبعدت عن كل ما يحيط بالوحدات الجمالية التي استعارتها من ماضيها الشخصي كل ما يمت للعاطفة بصلة. صارت ترسم بقوة المخيلة التي تعلو بتلك الوحدات على مرجعيتها المباشرة.

كل ما فعلته الفنانة كان يعبر عن انتمائها إلى الرسم الخالص. لذلك يمكن النظر إلى رسومها بطريقتين. الأولى تكتفي بجماليات التكوين وتحتفي بالعلاقات الشكلية الصافية بين المساحات والثانية تعود إلى الموضوع الذي ألهم الفنانة أشكالها ليصب الاهتمام كله على المرجعية الوطنية التي صارت الرسامة تتعامل معها بخفة وبقدر عال من الشفافية.

لا تحتاج دحدلة إلى أن تقدم مرجعياتها على جماليات رسومها التي ظلت في كل المراحل محتفظة بصرامتها الأسلوبية. ذلك ما ساعد الرسامة على ألّا تسقط في فخ الحكاية المتاحة للجميع. لقد اكتشفت في وقت مبكر من حياتها الفنية أنها يمكن أن تتخطى تلك الحكاية تفاصيلها العالمية لتجعل من عناصرها الشكلية مصدر إلهام بصري يكتفي بذاته.

سيكون علينا أن نفكر في البشر الذين تسعدهم تلك اللوحات. ذلك ضروري من أجل أن تأخذ الحكاية طريقها إلى وعي المتلقي من غير توجيه مسبق. لقد أنتجت الفنانة رسوما كانت تشير إلى مكان بعينه. ذلك المكان الذي سيجذب إليه مشاهدا سعيدا. وهي سعادة لا تصدر عن الاحتفال بالمكان حتما. نجحت دحدلة في خلق معادلة متوازنة بين قضيتين. الرسم باعتباره لعبة جمالية والوطن باعتباره خزين ذكريات بصرية.

“تلك الغريبة التي تتذكر ماضيها” تلك جملة يمكن أن تعتبرها الفنانة نسفا لتجربتها الفنية. صحيح أنها ترسم ما تتذكره غير أن هدفها لا ينحصر في ما تتذكره مستسلمة لحنانه. الرسم بالنسبة إليها لا يخدم الذاكرة. إنه تجربة حياة يعيشها المرء لمرة واحدة. ليس عليها أن تتذكر أنها كانت رسامة يوما ما بقدر ما سيكون عليها أن تتماهى مع ما ترسمه باعتباره غذاء مستقبليا.

فضاء شخصي داخل الرسم

رسامة تطمئن إلى سلامة عناصر هويتها من خلال تكريس وجودها كائنا معاصرا
رسامة تطمئن إلى سلامة عناصر هويتها من خلال تكريس وجودها كائنا معاصرا

لقد كافحت دحدلة من أجل ألّا تكون غريبة من خلال الرسم. غربتها تقع في مكان آخر. ذلك لا يعني أنها سعت إلى الاندماج مع المجتمع الكندي ونسيان أصولها. غير أنها لا ترسم من أجل أن تقاوم حاضرها. ذلك ما وهبها القدرة على إنتاج رسوم لا تحصر حركتها ضمن نطاق البحث عن هوية. طريقتها في التفكير في الهوية لا تتخذ طابعا استعلائيا مباشرا.

 فهي تطمئن إلى سلامة عناصر هويتها من خلال تكريس وجودها كائنا معاصرا.

كل المفردات التي تعمل على استلهام جمالياتها يمكن اعتبارها عناصر هوية. غير أن دحدلة تعاملت مع تلك المفردات بذكاء بحيث أزاحت عنها ثقل الملكية الضيقة مما فتح الطريق أمامها لتكتسب طابعا عالميا. ستكون مفردات تجريدية بعد أن تخلت عن لغتها الأولى لتزج بنفسها بين لغات مختلفة.

لقد توصلت دحدلة إلى لغتها الخاصة من خلال امتزاج مفرداتها بتلك اللغات. ذلك ما كان سببا لما نراه من غموض في لوحاتها. وهو غموض يشف عن روح تلك الغريبة التي صارت تنتقل بخفة بين غربتها الواقعية وغرابة أطوار أشكالها التي تتسم بقدرة لا نهائية على الإيحاء.

هي رسامة مرئيات. ذلك وصف لا يكفي. فهي ألحقت الكثير من مفرداتها الحسية التي تتصف بالكثير من الدلالات الشعبية كالكوفية الفلسطينية مثلا بعالم بصري يتسع للتأويل الذي لا يعود بتلك المفردات إلى الوراء.

لقد حرصت على أن يكون الرسم هدفها. ما تحققه في الرسم باعتباره إنجازا جماليا يمكن أن تعتبره نوعا من التعرف على ذاتها داخل التجربة.

كانت حساسيتها إزاء نزعتها التجريدية على قدر كبير من الأهمية. فحين نقول إن دحدلة عثرت على هويتها داخل الرسم ومن خلاله، فذلك أنها نجحت في القفز بمرئياتها على سياج المحلية لتحفظ لها مكانا في السياق العالمي.

دحدلة صنعت فضاءها الشخصي داخل الرسم. وهو فضاء حملت إليه وطنها المفقود. لم تكتف بأن يكون ذلك الوطن موقعا للذكريات بل رغبت في أن تراه حيا من خلال رسوم لا يخفي تجريدها حقيقة ما تشير إليه.

رسوم لا يخفي تجريدها حقيقة ما تشير إليه غادة دحدلة
رسوم لا يخفي تجريدها حقيقة ما تشير إليه غادة دحدلة

 

9