غارانس لوكين صحافية فرنسية قدمت للعالم "رحلة وثائق قيصر"

الأحد 2016/08/28
حرب الصور لا تزال مندلعة بين الجبهات السورية

إسطنبول - على مدى خمس سنوات تحولت سوريا إلى ساحة لاستقطاب العشرات من الصحافيين ممن اعتادوا على ارتياد مناطق الصراع في العالم، والمختصين في هذا المضمار، والمصورين والباحثين عن القصص، بين ركام الأبنية، من كبريات الصحف الغربية والعربية، حتى ملّ السوريون كونهم مادة للتداول على ورق الجرائد وفي وسائل الإعلام، دونما فائدة حياتية تذكر كما هو واضح في الحاضر المعيش.

مغامرة الحقيقة

حتى الآن أسماء كثيرة مرت على أرض الصراع السورية، بعضها انتهت صلتها بالمكان السوري لحظة خروج مقالتها إلى الحياة، وبعضها أثّرت وتأثّرت لشدة ما لامست يوميات الناس، في بيوتهم وشوارعهم تحت البراميل والقذائف اليومية، وبات هاجسها العودة والدخول، في ظل كل المخاطر والمعابر المغلقة ووعورة طرق التهريب واحتمال الخطف من قبل عناصر داعش وتجار الخطف في مناطق المعارضة، عدا عن قصف قوات النظام، والتهديد بالموت تحت الأسقف المنهارة أصلا، وقليلون هم الزائرون الذين نشأت بينهم وبين سوريا علاقة أكثر من صحافية، ومن بين هؤلاء القليلين تمكننا ملاحظة التورط في الوجع السوري إلى حد تبنيه بشكله المتجسد على وجوه المدنيين والمقتولين تحت التعذيب في سجون نظام بشار الأسد، والاشتغال عليه كلما أمكن، لتظهيره وإيصاله بصورته الأكثر فجاجة إلى الناس.

هنا وانطلاقا من هذه النقطة بالذات، كنت ألمح دموع غارانس لوكين كلما همّت بالحديث عن السوريين وعن محنتهم المتواصلة منذ خمس سنوات. هنا استطعت أن أرقب حماسها ونحن في طريقنا إلى الحدود السورية التركية، ورغبتها العارمة في الدخول إلى الأراضي السورية من جديد والتي بات عبور بوابتها يشكل رعبا وتحديا حقيقيا ورهانا على البقاء، لولا إصرار مديرها في فرنسا على عدم توجهها إلى هناك خوفا من تحمل مسؤولية اختطافها، بعد حادثة اختطاف أربعة صحافيين فرنسيين من قبل تنظيم داعش.

“نعم نحن خائفون. ولكن لا أحد يجبرنا على الذهاب إلى هناك نحن نذهب بملء إرادتنا والعبء النفسي الذي أتحمله أثناء وجودي هناك ليس احتمال اختطافي وإنما معرفتي هل سأتمكن من حمل قصص مهمة لقرائي” بهذه الكلمات شرحت الصحافية غارانس لوكين وجهة نظرها في استمرار التوجه إلى مناطق المعارضة، لتغطية الحدث السوري مع جمع من زملائها الصحافيين.

تغطية الحدث رغم المخاطر المحدقة والعمل الشاق تبرره غارانس بأنه رغبة في نقل ما يجري، وإيصال صوت من لا صوت لهم، والكشف عن المظالم. وفي ظل حديث وسائل الإعلام المستمر عن داعش، هناك واجب تجاه الآلاف من السوريين، وهو إعطاؤهم فرصة الكلام بحسب غارانس.

يروي قيصر للوكين وعلى مدى أكثر من 220 صفحة، أنه وجد نفسه شيئا فشيئا شاهدا مباشرا على مشاهد الرعب التي تجري في السجون، يقول "قبل الثورة كان رجال النظام يقومون بالتعذيب من أجل استخراج المعلومات، واليوم هم يقومون بالتعذيب بهدف القتل"

بدأت غارانس لوكين عملها الصحافي في مصر عام 1990 كصحافية مستقلة ثم نشطت أكثر في مرحلة الربيع العربي. تكتب بصورة دائمة في صحيفتي النوفيل أوبسيرافاتور ولو جورنال دو ديمانش الفرنسيتين، وكانت قد زارت دمشق قبل عام 2010 ثم قررت العودة إليها مع اندلاع الثورة السورية. حتى بلغ عدد زياراتها لسوريا بين عامي 2012 و2014 ست زيارات، أغلبها كانت لمدينة حلب، والتي تقول عن تجربتها فيها مع المصورة الصحفية لورانس جيه التي غالبا ما ترافقها في مهماتها الصحافية إلى سوريا “عندما أنجزنا تقريرا عن حلب أنا ولورانس استطعنا أن نكون صورة كاملة عما يحدث. لقد كانت القذائف تتساقط أمامنا، وخلال عملنا على هذا التقرير شاهدنا صورا لعشرات الجثث في المشرحة. كان هذا يحيلنا على التفكير في مجزرة (أس 21) في بنوم بنه التي ارتكبها الخمير الحمر في كمبوديا، ما دفعنا إلى فكرة أن نظام الأسد يرتكب مجزرة ضد المدنيين”.

لم تكن مشاهداتها وتوثيقها للموت اليومي في حلب الشيء الوحيد الذي دفعها إلى تكوين تصور واضح وحاسم عن عنف النظام ودمويته مع السوريين، والإصرار على التوغل أكثر في البحث عن آليات القتل النظامية بقدر ما كان فضولها الصحافي وانهماكها بتعريف الفرنسيين والغرب عموما بحقيقة ما يحدث للمعارضين لاستبداد آل الأسد. بالإضافة إلى صعود الروابط العاطفية بينها وبين سكان المناطق التي كانت ترتادها، وهي التي تفضل الذهاب إليهم وحيدة من دون وسطاء أو منسقين معتمدة على أصدقائها في تلك المناطق، وعلى ما استطاعت التقاطه من لغة عربية في مصر”أنام عند الناس وأحاول إنشاء علاقتي معهم أثناء بحثي عن أشخاص لإجراء المقابلات” هذا ما تقوله لوكين عن طريقة عملها مع المدنيين في سوريا.

هذه الحيثيات وغيرها من ملاحظات وبحث طويل، بعد ظهور 45 ألف صورة لقتلى تحت التعذيب من المعتقلين في السجون السورية أخرجها الشاهد الملك “قيصر” وهو الاسم المستعار لمصور في الشرطة العسكرية النظامية كان مكلفا بتصوير جثث المتظاهرين السوريين بعد قتلهم في سجون النظام من سوريا، دفعها إلى إنجاز كتابها “عملية قيصر، في قلب آلة الموت السورية” عن دار ستوك الفرنسية في العام 2015، بعد أشهر من الاستقصاء وإجراء المقابلات مع فريق قيصر في دول عدة، وملاحقة خيوط القصة، من لحظة إعطاء الأوامر لهذا المصوّر، بالتقاط الصور، وحتى هروبه من سوريا إلى ‏الخارج في العام 2013. ونشر عشرات الآلاف من الصور عن ضحايا التعذيب. وثائق ‏قرّر القضاء الفرنسي اعتبارها أخيرا أدلّة لمحاكمة بشار الأسد بتهمة ارتكاب جرائم حرب.‏

قيصر يدلي بشهادته متنكرا برداء أزرق أمام لجنة خاصة في الكونغرس الأميركي قامت باستعراض الصور التي بلغ عددها أكثر من 55 ألف صورة لـ11 ألف ضحية تم تعذيبها في سجون النظام السوري .

لوكين التي أمضت ساعات طويلة مع قيصر من أجل إنجاز الكتاب، تعتبر أن شهادته تمثل نوعا من الإجابة عما كان قد صرح به رأس النظام السوري بشار الأسد لمجلّة فورين أفيرز الأميركية في شهر يناير من عام 2015، عندما أكد أن هذا المصور العسكري غير موجود، قائلا “من التقط هذه الصور؟ من هو، لا أحد يعرف. ولم يتحقق أحد من حقيقتها”. هذه الشهادة وعلى مدى أكثر من 220 صفحة، تقدم الإجابات والأدلّة المدعومة بالصور على جريمة تورط فيها عسكريون سوريون، بقتل الآلاف من السجناء الذين تم اعتقالهم في السنوات الأولى للثورة السورية، ويروي قيصر في شهادته، أنه كان مكلفا بتصوير جثامين المدنيين، وهكذا وجد نفسه شيئا فشيئا شاهدا مباشرا على مشاهد الرعب التي تجري في السجون، ويقول “قبل الثورة كان رجال النظام يقومون بالتعذيب من أجل الحصول على المعلومات، واليوم هم يقومون بالتعذيب بهدف القتل”.

مع قيصر

كتاب عملية قيصر والذي يعتبر شهادة واقعية للمصور، لاقى اهتماما كبيرا من الصحافة ووسائل الإعلام، وقالت صحيفة الغارديان البريطانية “إن ما قدمه قيصر يعد أدلة صادمة على ما يتم اقترافه في أقبية النظام السوري وسجونه ومعتقلاته من جرائم”. بدورها قالت صحيفة ديلي ميل اللندنية، إن “الوقائع والحقائق التي يقدمها الكتاب تتحول الآن إلى الأساس المادي الذي يقوم عليه التحقيق الذي تجريه الحكومة الفرنسية، وهيئة الأمم المتحدة في جرائم النظام السوري بحق أبناء شعبه”.

بالتوازي مع اشتغالها على قصة قيصر كانت لوكين تعمل على توثيق شهادات جامعي الأدلة السوريين، الذين يقومون بجمع وتدوين كل جرائم النظام وجرائم الطيران الروسي وجرائم داعش وغيرها من سلطات القتل على الأراضي السورية، ونشرتها كمادة للصحافة، ثم أصدرت فيلما وثائقيا بالتعاون مع مخرج الوثائقيات الفرنسي أوليفييه جولي بعنوان “شاهد على”، والذي بدا وكأنه جزء مكمل لكتابها “في قلب آلة الموت السورية” عن الشاهد قيصر، ومجيبا عن مسألتين مهمتين في الشأن السوري، هما حرب الصور في خضم ما يحدث في سوريا، وأهمية الأدلة التي يجمعها السوريون على المدى الطويل أمام محكمة العدل الدولية.

يبدو عمل لوكين والتي تعطي أهمية قصوى للصور في رحلاتها الفدائية إلى سوريا، وكأنه سلسلة غير منقطعة من التوثيق المستمر لحساب السوريين الذين لطالما عبرت عن تعاطفها الشديد مع قضيتهم، ومع رغبتهم بالبقاء في بيوتهم، تقول “يجب أن نساعدهم على عدم الرحيل، هم لا يريدون ذلك. ولكن النظام يدفعهم إليه ضمن استراتيجيته لتفريغ المدن المعارضة”.

رحلاتها الخطرة إلى سوريا بين عامي 2012 و2014 بلغ عددها ست رحلات أغلبها كانت إلى مدينة حلب، تقول لوكين عن تجربتها فيها "لقد كانت القذائف تتساقط أمامنا، وخلال عملنا على هذا التقرير شاهدنا صورا للعشرات من الجثث في المشرحة. وكان هذا يحيلنا إلى التفكير في مجزرة (إس 21) في بنوم بنه التي ارتكبها الخمير الحمر في كمبوديا"

التعاطف والتطرف

لا تتوانى لوكين عن قول ما رأته على الشاشات أمام الرأي العام الغربي وفي بلدها فرنسا، مضيفة أنه يجب التمييز بين السوريين الذين نادوا بالحرية وبين المتطرفين من داعش وغيرهم، وبأن السوريين لم يذهبوا إلى التطرف من جراء أنفسهم، وإنما ساروا مدفوعين باليأس والخذلان وانعدام سبل الحياة، ويظهر هذا الكلام مكثفا في كتاباتها الدؤوبة عن حلب، والوضع الإنساني فيها، وعن حياة المدنيين تحت القذائف اليومية، والتي عايشتها هي شخصيا، من فقد خاطف للأحبة والأصدقاء، إلى الأشلاء المقطعة لأبناء الأحياء المنكوبة، وتفاصيل الحصول على رغيف الخبز، والحفاظ على برودة اللحم المحترق، لجثث الرجال والنساء والأطفال في برادات الموت، في ظل انقطاع الكهرباء ووسائل التبريد.

كان هذا من إحدى شهاداتها عن حلب وعن سوريا، وعن خمس سنوات من الموت المتواصل للسوريين، ليست الشهادة الأولى ولا الوحيدة وربما لن تكون الأخيرة للوكين، التي تقول ردا على سؤال وجه إليها حول جاهزيتها للعودة إلى سوريا في ظل الوضع القائم “نحن لسنا انتحاريين، وإذا كان ذهابنا إلى هناك يعني عدم عودتنا فإن هذا الأمر كله غير مجد. وأنا أشعر بالذنب وبتأنيب الضمير حيال فكرة عدم ذهابي إلى سوريا مجددا، ولكن ما معنى هذا الشعور بالذنب بالنسبة للسوريين الذين ما زالوا يعيشون في الداخل؟”.

تقول غارانس “على بعد المئات من الأمتار من المشرحة، في بستان مهجور بمحاذاة طريق رملي، صبت صفوف من الإسمنت هي علامات ظاهرة على قبور. ويحمل القبر رقما يرد إلى بيانات المشرحة.

وعلى بعد أمتار قليلة، صف من ستة قبور صغيرة مرقمة، هي لستة أولاد تركوا على أبواب المستشفيات، ولم يطالب بهم أحد. ودُفن غيرَ بعيدٍ من المكان ولدان معا على وجه السرعة، سنهما 5 أعوام و6 أعوام. ولم يستطع أهلهما المشاركة في دفنهما، فالمقابر الرسمية إذا لم تكن مكتظة غير متاحة، وليس في متناول أهل القتلى بلوغها، ويحول دونها القصف بالبراميل وعسر المواصلات”.

9