غاريوس ملك غسّاني في القرن الحادي والعشرين

السبت 2014/07/12
ظهور الخليفة البغدادي يوقظ ملك الغساسنة

تأتي تسمية الغساسنة من نبع مياه غسّان في تهامة، هاجروا منها و استقروا في جنوب بلاد الشام و سهل حوران وجنوب لبنان، ومع الاحتلال البيزنطي دخلوا ضمن المملكة البيزنطية ومع مجيء الفتح الإسلامي انضووا تحت لواء الدولة الإسلامية بعد معركة اليرموك.

تاريخ طويل للمملكة، لكن اليوم الأمير غاريوس بن النعمان هو القائم على رأس البيت الملكي الغساني بوصفه الوريث الشرعي للأسرة المالكة حيث نال اعتراف محكمتين برازيلية وأميركية بحقه في العرش، ومن المعروف أن مملكة الغساسنة تعود جذورها إلى المنطقة العربية، و مع ذلك نرى أن نشاط وريث العرش يتركز نحو الخارج، حين تسأله ما السبب في ذلك وهل هناك من أنشطة تتعلق بالمملكة داخل المنطقة العربية؟ وهل من مشروع مستقبلي للعودة إلى الجذور؟ يقول غاريوس: “اضطرت عائلتي إلى الهرب بسبب الاضطهاد العثماني في جبل لبنان وكان عليها أن تستقر في أميركا الشمالية. وكنتيجة لهذا، فقد ولدت أنا ونشأت في البرازيل. ولأنني ولدت في المهجر، فقد منحني هذا وجهة نظر استثنائية بشأن التطورات التاريخية والصراعات في الشرق الأوسط. فقد كنت حراَ من أي تداخلات أيديولوجية غير حيادية. وحين أصبحت رئيسا للبيت الملكي الغساني، كان آخر شيء يمكنني أن أفكر فيه هو خلق حركة سياسية أخرى تضاف لإنهاك السيناريو في الشرق الأوسط في الوقت الحاضر”.


الغساسنة في القارتين الأميركيتين


يعيش 80 بالمئة من الغساسنة في الأميركيتين، و90 بالمئة منهم ليسوا متمكنين حتى من التكلم باللغة العربية. لكن هذا لا يعني أن علاقتهم بالشرق الأوسط قد انتهت، يرى غاريوس أن “أحد أكبر أسباب المشاكل في الشرق الأوسط هو نتيجة للتدخلات الغربية، الغرب فعلا لا يفهم الشرق الأوسط. ولذلك، فتقريبا معظم الاستراتيجيات المتبعة حتى الآن كانت كارثية، حتى وإن كانت بعضها تحمل نوايا حسنة في الأساس”.

ويضيف وريث العرش الغساني: “منذ بداية حكم الغساسنة، عملنا دائما كجسر بين الشرق والغرب. لذلك، فهدفي الرئيسي هو رفع الوعي الغربي بشأن الشرق الأوسط. أعتقد أن هذه هي أفضل وسيلة يمكنني أن أساعد بها أخواتي وإخوتي العرب، ليس الذين يسكنون فقط في الوطن العربي، ولكن أيضا الذين يسكنون في الغرب. المشكلة الرئيسية الأخرى هي الطائفية، ولذلك فإننا نسعى إلى خلق حوار سلام لدعم التعايش المدني الحضاري. وبالنسبة إلى أنشطتنا في الشرق الأوسط، فقد افتتحنا مكتباً في دبي مؤخرا وسنقوم بتكثيف نشاطاتنا في الوطن العربي. إن كنا نهدف إلى مد الجسور بين الغرب والشرق، فنحن بحاجة إلى العمل في كلا المنطقتين”.

يرى غاريوس أنه يجب على الحكام والسياسيين في الشرق الأوسط أن يدركوا بأن خطاب «النموذج القديم» القائم على أن من السهل حكم الناس الجهلة، قد مات تماما. في عالم اليوم، إن لم يتلق الأطفال والشباب تعليمهم من مصدر موثوق، فسيتلقونه من مكان آخر


الشرق الأوسط والممالك


هناك عدد من الممالك والسلطنات في المنطقة العربية، والسؤال هل هناك قنوات اتصال للغساسنة مع تلك الممالك، وهل هناك نوع من الاعتراف بها سواء بشكل رسمي أو غير رسمي؟ يجيب غاريوس: “لدينا اعتراف قانوني، وهو رسمي طبعا. القرارات القانونية التي حصلت عليها في البرازيل، وهي أكبر مستعمرة عربية خارج الشرق الأوسط والتي يبلغ تعداد سكانها 15 مليون شخص وهي موطن لما لا يقل عن 70 بالمئة من الغساسنة في العالم، واعتراف آخر في الولايات المتحدة الأميركية، وهو قانوني وملزم بموجب الاتفاقيات الدولية مثل “اتفاقية نيويورك لعام 1958 بشأن الاعتراف بقرارات التحكيم الأجنبية وتنفيذها” والتي صادقت عليها 148 دولة في العالم من ضمنها 90 بالمئة من الدول العربية”.

ويؤكد غاريوس أن الغساسنة الذين يعيشون في البرازيل والولايات المتحدة ، والكثير منهم في الشرق الأوسط، قد صادقوا على هذا الاعتراف الرسمي والقانوني أيضا. “وقد بدأنا في هذا العام بالتواصل مع الحكومات في المنطقة لتقديم تعاوننا، وما نسعى له، ليس فقط الاعتراف، بل أن نكون عنصراً مساعداً وذا علاقة. ليست هناك من فائدة من البيت الغساني إن لم يكن مرتبطا بعالمنا الحديث”.


مملكة مسيحية في الشرق الأوسط


معروف أن الدين الإسلامي هو الأكثر انتشاراً في المنطقة و تدين به الممالك والإمارات العربية، وهنا تظهر الخشية من مشروع مملكة مسيحية بين تلك الدول الإسلامية، يسارع غاريوس إلى نفي هذا الأمر ويقول: “نحن لا نسعى إلى تأسيس مملكة مسيحية في الدول الإسلامية. نحن لا نحاول حتى أن نكون جزءا من الأنشطة السياسية لكننا ندافع عن الحوار السلمي وحقوق الإنسان. البيت الغساني يعمل كمنظمة ثقافية غير حكومية وغير نفعية. نحن نحافظ على تراث الغساسنة لكن بطريقة ليست سياسية وليست دينية. نحن نعمل على إيقاف الاضطهاد المتواصل للمسيحيين في الشرق الأوسط ،ومع ذلك، لديّ احترام كبير للإسلام ولهذا فأحد أهم نشاطاتي هو حماية المسلمين في الدول المسيحية. يوجد الكثير من الغساسنة ممن اعتنقوا الإسلام. وأنا متأكد بإيجابية تامة من أننا جميعا سنعيش معا بسلام لو تفهم الغرب مبادئ السلام في الإسلام ورسالته”.

وريث عرش مملكة الغساسنة يرى أن النظام الملكي الدستوري هو الأنجح في البلدان العربية لكن صوت الشعب يجب أن يسمع


الغساسنة والربيع العربي


يرى وريث العرش الغساني أن صوت الشعب يجب أن يُسمَع ، ولكنه يعتقد أن الديمقراطية الغربية لا تناسب المشرق، وأن هناك شكلاً آخر للحكم يلائم شعوب الشرق، يقول غاريوس: “أؤمن بأن النظام الملكي الدستوري هو النظام الأمثل للحكومات في الشرق الأوسط. وهذا عائد إلى سببين: أولا، لأن الشعوب العربية تعودت على هذا النظام، وثانيا لأن التاريخ الحديث يثبت لنا بأن الأنظمة الملكية خدمت شعوبها بطريقة أفضل من الجمهوريات. أنا أكنّ احتراما كبيرا لجلالة الملك عبدالله الثاني ملك المملكة الأردنية الهاشمية. وبرأيي فإنه واحدٌ من أعظم القادة في عصرنا هذا وهو يفهم شعبه ومتطلبات تنمية النظام. فهو يستثمر في التعليم، وتمكين المرأة، والحوار الديني. وقد تكون هذه أهم الحاجات التي يحتاجها الشرق الأوسط. ويطبق الملك محمد السادس ملك المملكة المغربية إجراءات فعالة مشابهة. كما أني أكن احتراما كبيرا للشيخ خليفة بن زايد آل نهيان والشيخ محمد بن راشد آل مكتوم من الإمارات العربية المتحدة فرؤيتهم للإمارات العربية المتحدة رؤية استثنائية”.


ضد الجمهوريات


بعد ذلك لا يصر غاريوس على ضرورة تغيير الجمهوريات إلى ملكيات، ولكن يرى أن الديمقراطية هي العملية التي لا يمكن تطبيقها “إلا إذا كان الناخبُ سياسيا وهذا سيتطلب وقتا طويلا، والكثير من المحاولات والأخطاء. هذه العملية تشكل تقريبا عمل عنف. وأعتقد أن الحل هو التعليم. يجب أن يدرك الحكام والسياسيون في كل أنحاء العالم، وليس فقط في الشرق الأوسط، بأن خطاب (النموذج القديم) القائم على أن من السهل حكم الناس الجهلة، قد مات تماما. في عالم اليوم، إن لم يتلق الأطفال والشباب تعليمهم من مصدر موثوق، فسيتلقونه من مكان آخر”.

يقول غاريوس إن أهم نشاطاته يتمثل في حماية المسلمين في الدول المسيحية


الطائفية


الطائفية داء منتشر ويتغلغل في المجتمعات العربية وبالأخص في سوريا ولبنان، فكيف يرى وريث العرش الغساني الحروب الطائفية التي تشهدها المنطقة العربية، يقول غاريوس: “لا تقود الطائفية إلا إلى المعاناة والدمار. عادة، لا تنتهي مثل هذه الصراعات بمنتصرين، فكلا الطرفان يخسر بصورة كبيرة. ولقد استنبطت مفهوما يدعى “سلوك بندول نيوتن”. بندول نيوتن يعرف أيضا بـ”رقاص الكرات” وهو أداة توضح المحافظة على الزخم والطاقة من خلال سلسلة من الكرات المتأرجحة. وحين ترتفع إحدى الكرات، فإنها تخلق هجمة مضادة مستمرة إلى الأمام والخلف. وبهذه الطريقة يتصرف عقلنا ردا على التصرفات العدوانية. فنحن نهجم بالضد حالما نتعرض إلى هجوم وكذلك يفعل الجانب الآخر وهذه عملية بلا نهاية ما لم يقم أحد ما بإيقاف الحركة. في الشرق الأوسط يتحول هذا إلى دائرة فتاكة تسري عدواها في كل المنطقة. وهذا يمنع كل المنطقة من الازدهار”.

يضيف غاريوس: “في البرازيل، يعيش المسيحيون والمسلمون سنة وشيعة، والدروز، واليهود جنبا إلى جنب في وئام ملحوظ. وخير مثال على هذا هو شارع 25 مارس في مدينة ساو باولو وهي أكبر مدينة في البرازيل. فهناك، يعيش العرب من كل الأديان واليهود وتقع متاجرهم جنبا إلى جنب. ومع أن لديهم اختلافات معينة لكنهم كلما حدث أمر ما في الشرق الأوسط، يخرجون إلى الشوارع جميعا ويقومون بمسيرات مشتركة بينما يمسكون بأيدي بعضهم البعض. ولذا، ففلسفتي تقول إذا كان هذا ممكنا هناك، فهو ممكن في كل الأماكن الأخرى. المشاكل في الشرق الأوسط هي من صنع الإنسان ولذلك يمكن إيجاد حلول لها من قبل الإنسان”.


الصراع على سوريا

يعتقد غاريوس أن هناك الكثير من المعلومات المغلوطة حول ما يجري في سوريا الآن، مضيفا: “أنا كنت واضحا بخطابي ضد التدخل الغربي في المعركة والحمد لله فإن الولايات المتحدة أعادت النظر بشأن فكرة قصف سوريا. أنا أفضل أن تكون الحكومة علمانية ديمقراطية كي تحمي وبشكل متساو كل الأقليات. وفي نيتي أن أقضي وقتا مع اللاجئين السوريين في الأردن في المستقبل القريب كي أقوم بتقييم الحاجات وكيفية تقديم المساعدة. ومع الحصول على تلك المعلومات، سأقوم بالحصول على الدعم في الغرب من الحكومات والمؤسسات الخاصة”.


التاريخ السري والحلول الممكنة


يستعد وريث العرش الغساني لإصدار كتابه الجديد “الشرق الأوسط التاريخ السري والحلول الممكنة” في محاولة لكشف وثائق و معلومات عن تاريخ المنطقة، مع حزمة من الأفكار والحلول لما تمر به المنطقة من أزمات، وعن هذا يقول غاريوس: “لسخرية القدر، فإن كل ما جاء في الكتاب معروف على نطاق واسع ومقبول من قبل الباحثين والأكاديميين فقط لكنه غير معروف تماما لعامة الناس. فمثلا، كل شخص يسألني لماذا أنا رئيس سلالة ملكية دارسة عمرها أكثر من 1400 عام مضت. لا يعرف الناس أن الغساسنة في الحقيقة حكموا حتى القرن الثامن عشر بعد الميلاد. لقد كان لنا دور مهم في تاريخ الشرق الأوسط وعادة ما لا يعرف الناس أي شيء عنا. لذلك، كل المعلومات جاءت من باحثين مرموقين ومستندين على أدلة تاريخية وآثارية قاطعة، وليس من نظريات أو مصادر غير معروفة. واستنادا على دراسة قام بها البروفسور أريك تشيني من جامعة هارفارد، نستكشف في الكتاب العلاقة بين عصر حكم الغساسنة الأول وغياب الديمقراطية الحالي في المنطقة. كما قمنا في الكتاب أيضا بمعالجة بعض المشاكل الرئيسية في الشرق الأوسط وقدمنا الاستراتيجيات الممكنة لحل هذه المشكلات”.

ومع مناخ الخلافة وانتظار المهدي عادت مفاهيم قديمة كانت تعيش في عصور مضت، للظهور من جديد، وقد يظهر من يطالب بعرش فارس، وعرش البتراء وتدمر وسواها.

13