غازي القصيبي سعودي شرح رؤية العرب لليمن قبل عقود

الأحد 2016/02/07
ظاهرة ثقافية وسياسية خليجية انشغلت بالحب والحرب والإنسان

باريس - كتب ذات يوم “إن بعض الزعامات اليمنية يمسون جمهوريين ويصبحون ملكيين”، مقدماً تعقيدات الحياة السياسية في اليمن، ومعها نظرة العرب إلى اليمن، وما يتمنونه لبلاد هي أصل العرب ومنبتهم. أحد أهم كُتابّ وشعراء السعودية، وأشهر سفرائها ووزرائها.

عاش حياة مليئة بالأحداث، منذ أن أبصر الدُنيا يتيمَ الأم. كانت حياة غازي عبدالرحمن القصيبي مليئة بالعبر والمعاني. استطاع أن يجمع جملة من المواهب. فكان كاتباً شاعراً أديباً روائياً إدارياُ سياسياً. حرص طيلة حياته على تأهيل نفسه وتسليحها بالعلم، وتنقل في سبيل تحقيق ما يصبو إليه، بين عدة دول حتى حصل على أعلى الشهادات.

عالم المعرفة

أحبّ القصيبي التَّعليم وقضى شبابه أستاذاً جامعياً، وكان حُب مهنة التَّعليم يسري في دمه، حتى أنه صرَّح بذلك كثيراً. تمكن من عرض مواهبه وإبرازها بكلِّ وسيلة استطاعها، ولم يقف عند التُهم التي طالته من منتقديه خاصة من رجال الدين، بل تجاوزها واعتبر الوقوف عندها مضيعة للوقت.

تميز بأنه كان شاعراً في طليعة جيله، شاعرٌ تمكّن من مزج الرومانسية والواقعية كما زاوج بين القصيدة العمودية والتفعيلة. وفتح طرقاً غير مألوفة في الشعر السعودي للأجيال التالية من بعده. وكان أيضاً روائياً مهماً، حتى قيل إن رواياته شكلت منعطفاً هاماً في الرواية السعودية بشكل عام.

حياته سواء أديباً أو مسؤولاً، كانت بعيدة عن حياة الترف والسهر، وكان يردّ على من يستغرب هذه الوفرة في الإنتاج الأدبي والثقافي، بأنه يلتزم برنامجاً صارماً لا يحيد عنه. ما يؤكد أن النظام الصارم الذي سار عليه في الإدارة، كان يطبقه أيضاً في حياته الخاصة.

نشأ في مناخ حزين. فبعد عام من ولادته، توفيت والدته. ولم يكن له أقران أو أطفال بعمره يؤنسونه في بيته. وصف القصيبي ذلك الجو، قائلاً “ترعرعت متأرجحاً بين قطبين؛ أولهما أبي وكان يتسم بالشدة والصرامة. وثانيهما جدتي لأمي، وكانت تتصف بالحنان المفرط والشفقة المتناهية على (الصغير اليتيم)”.

ولكن، لم يكن لوجود هذين المعسكرين في حياة القصيبي الطفل، تأثير سلبي. بل خرج من ذلك المأزق بمبدأ إداري سار عليه وهو أن “السلطة بلا حزم، تؤدي إلى تسيّب خطير، وأن الحزم، بلا رحمة، يؤدي إلى طغيان أشد خطورة”. هذا المبدأ، الذي عايشه القصيبي الطفل، عمل على تطبيقه القصيبي المدير و الوزير والسفير أيضاً. فكان على ما يبدو، سبباً في نجاحاته المتواصلة في المجال الإداري. لكن لا يمكن الجزم في ما إذا كان ذلك قد أثر على نشأة القصيبي الأديب. ومن المؤكد أن طفولته التي قضاها في البحرين، وشبابه الذي تفتّح في مصر، كان لهما أثر كبير في تكوّن القصيبي الأديب.

القصيبي يصور في كتابه "حياة في الإدارة المشهد الإنساني والسياسي المعقد في اليمن، في قراءة نوعية تتميز بالنظر في طبيعة السكان والحياة القبلية اليمنية التي تستوجب ممن يريد تناول الشأن اليمني مراعاة كثير من التفاصيل الهامة والحساسة فيه

ومن العوامل التي عملت على تكون القصيبي الأديب والكاتب، السفر والانبهار أمام الحضارة الغربية. تلك اللحظات التي وصفها بأنها كانت صدمة حضارية. على الرغم من أنه لم يطمس هويته العربية في يوم من الأيام. بل ظل محافظاً عليها كاشفاً لها من خلال صورة المرأة الوطن، إذ بقيت حبيبته ترتبط بالأرض. وبقي يحرص على إبراز الفارق الاجتماعي بين المجتمع الذي عاش فيه نشأته الأولى، ذلك المجتمع المحافظ على القيم والمبادئ العليا، وبين المجتمع الجديد المتقدم مادياً والمتخلّف روحياً.

في الولايات المتحدة لم يجد القصيبي أفضل من تعبير “إرم ذات العماد” لوصف البلاد التي سافر إليها للدارسة، وفي جامعة جنوب كاليفورنيا أتمّ دراسة الماجستير في العلاقات الدولية، حيث تزامن وجوده في أميركا مع اغتيال الرئيس الأميركي آنذاك جون كيندي. قبل أن ينتقل إلى لندن ليحصل على الدكتوراه وموضوعها “حرب اليمن” التي عايشها بجراحها ومآسيها.

يوميات القصيبي في اليمن

يقول القصيبي في كتابه “حياة في الإدارة” الذي طبع سبع مرات أولها في 2008 وآخرها في 2010، إنه ذهب بزيارة صيفية إلى اليمن في العام 1964 حين كان يدرس في الجامعة الأميركية في بيروت لدراسة الإدارة العامة تمهيدا لتدريسها العام المقبل. يكتب “انتهى الصيف، وعدت إلى الرياض، وبدلا من أن أبدأ التدريس وجدت أن عليّ أن أسافر إلى اليمن خلال ثلاثة أيام، حيث حدث أن الملك فيصل والرئيس جمال عبدالناصر، رحمهما الله، وقّعا اتفاقية في جدة لإنهاء الحرب الأهلية هناك، ونصّت الاتفاقية على إنشاء لجنة سلام تشرف على تطبيق بنودها وتتكون من جانب سعودي وجانب مصري، ويتولى رئاسة كل جانب مسؤول كبير.

اختارت السعودية عبدالله السديري، واقترح أحد أصدقائه أن يكون القصيبي المستشار القانوني، ورفعت الترشيحات إلى الملك فيصل، وجاء الأمر بالموافقة.

كان القصيبي لا يريد الذهاب إلى اليمن للعمل في بلد تمزقه الحروب والاضطرابات. ولكن كان عليه تنفيذ الأمر الملكي. ويصوّر في كتابه المشهد الإنساني والسياسي المعقد في اليمن، في قراءة نوعية تتميز بالنظر في طبيعة السكان والحياة القبلية اليمنية التي تستوجب ممن يريد تناول الشأن اليمني مراعاة كثير من التفاصيل الهامة والحسّاسة فيها.

يقول القصيبي “في إحدى المرات، كان هناك جبل بقرب صنعاء، تسيطر عليه قبيلة تنتمي إلى الجانب الملكي، وكان من مهمّة اللجنة تسهيل تبادل الأسرى، وكانت تلك القبيلة تحتفظ بعدد من الجنود الأسرى. بدأنا التخاطب مع شيخ القبيلة لإنهاء موضوع الأسرى، كانت المشكلة أن شيخ القبيلة الذي خاض عدة معارك استعذب الأسلوب العسكري فقرّر أن يمنح نفسه رتبة عقيد. وكان يرقّي نفسه بين الحين والحين، حتى وصل إلى رتبة لواء في الوقت الذي بدأت فيه لجنة السلام ممارسة أعمالها. أرسلنا رسالة إلى شيخ القبيلة وكانت معنونة إلى الشيخ فلان، إلا أن الشيخ أصر على رفض الرسالة ما لم تكن موجّهة إلى اللواء فلان”.

ويضيف “اتفقت مع رئيسي أن المهمة الإنسانية التي نحن بصددها تبيح لنا تسمية الشيخ بأيّ رتبة عسكرية يختارها. إلا أن الفريق الحقيقي (المصري) محمد فريد رفض بإصرار أن يمنح إنساناً لم يدخل الكلية الحربية لقب لواء. بعد جهد جهيد تمكّن عبدالله السديري من إقناعه أن الغاية النبيلة تبرر الوسيلة ووافق، بامتعاض واضح، على توقيع الرسالة إلى (اللواء)، وبلغة ساخرة يقول القصيبي “لا بد أن أذكر للتاريخ أن (اللواء) لقي مصرعه بعد ذلك في معركة حربية، لا أدري بأيّ رتبة مات، وإن كنت لا أستبعد أن تكون رتبة المشير”.

ولي العهد البريطاني الأمير تشارلز يستعرض مع القصيبي - الوزير أحد مشاريع العمل التنموي الذي شغل اهتمام الأخير طيلة حياته

يواصل القصيبي وصف حرب اليمن، وأيامها الأخيرة، وصولاً إلى مؤتمر حرض الذي ستتشكل على أساسه الدولة القادمة، يقول “عقد مؤتمر حرض الذي كان يفترض أن ينتهي بحكومة ائتلافية مؤقتة من الجانبين المتحاربين تمهد لحكومة دائمة. إلا أن المؤتمر وبعد شهر من المداولات المستمرة لم ينجح في الوصول إلى هذه النتيجة”.

ويضيف “خلال فترة الهدنة، أعادت القوات المصرية انتشارها وتمركزت في مثلث صنعاء- تعز-الحديدة، تاركة المناطق الجبلية لولاء القبائل الذي كان يتغير مع ولاء المشايخ، الذي كان يتغير بين الحين والحين، بلا سابق إنذار”.

لكن روح القصيبي بقيت معلقة باليمن فكتب عنها روائع شعرية مذهلة. منها قصيدته “ألوم صنعاء يا بلقيس أم عدنا؟” التي قال فيها:

ألومُ صنعاءَ يا بلقيسُ أمْ عَدنا؟

أم أمـةً ضيعت في أمـسهـا يَزَنا؟

ألومُ صنعاء! لو صنعاءُ تسمعـني

وساكني عدنٍ! لو أرهـفت أُذُنا

وأمـةً عـجـبــاً مـيــلادها يــمـنٌ كم قـطّعتْ يمـناً

كم مزقـتْ يمنا

أألومُ نفسـيَ؟ يا بلقيسُ

كنت فتى بفــتـنـة الـوحـدة الحسناء مفتتنا

بـنـيـت صـرحـاً مـن الأوهام أسكنه

فـكان قبراً نـتاج الوهم، لا سكنا

وصـغـتُ مـن وَهَـج الأحلام لي مدنا ً

والـيـوم لا وهجـاً أرجـو ولا مُدُنـا

ألومُ صنعاءَ يا بلقيسُ أمْ عَدنا؟

العصفورية

كتاباته كانت تتميز بالتَّعقل، إلا أنه أصدر كتاباً في مرحلة من مراحل سجاله الشَّديد مع رجال الدين، وكان له موقف مضاد لتغيير المناهج، من باب المحافظة على السِّيادة الوطنية. مع أنَّه لا يمانع من فكرة التَّغيير، وإنما كان يتحفظ على توقيت تغييرها.

حاول القصيبي من خلال رواية “العصفورية”، التأكيد على مقولة “خذوا الحكمة من أفواه المجانين”. وهي من الروايات التي تركت أثراً كبيراً حتى يومنا هذا. فبطلها بروفيسور موسوعة علمية أدبية ثقافية اجتماعية. وكانت دائرة الحياة في الرواية تمثل الإنسان العربي الدائر في رحى زمانه المشرد في بلاده، المليء بالتناقضات التي أورثته الجنون.

الولايات المتحدة لا يجد القصيبي أفضل من تعبير "إرم ذات العماد" لوصفها بعد أن سافر إليها للدارسة، وفي جامعة جنوب كاليفورنيا أتم دراسة الماجستير في العلاقات الدولية، قبل أن ينتقل إلى لندن ليحصل على الدكتوراه وكان موضوعها "حرب اليمن"

أراد القصيبي من خلال البروفيسور المجنون وعبر حركاته وعباراته وإلباسه الادوار أن يقول بسخرية يشوبها الألم إنه يعكس ما يدور في كواليس هذه البلاد، ليبوح بآلام ذاك العربي الذي أضحى ودون أن يدري ذاك المجنون الحكيم، وهو لا يدري هل هو عاقل في دولة المجانين أم ماذا؟

روايته “شقة الحرية”، استطاع القصيبي أن يبرز فيها الرمز. ويخرج شخصيات الرواية من أسمائها، كما استطاع أن يخرج شقة الحرية من مكانها، والأحداث من زوايا أزمتها. فأصبحت الشخصيات كائنات لا على التعيين، و شقة الحرية مكاناً لبقعة ما يمكنها أن تأخذ أيّ مسمّى. والأحداث يمكن أن تكون في أيّ زمان ومكان.

ورغم كل ذلك فقد أراد من شقة الحرية أن تحمل مضمون عنوانها؛ إنها الحرية التي جرت في مناخاتها الأحداث، حرية أولئك المتعطشين لها. شقة الحرية أعطت القصيبي مساحة فكرية استطاع من خلالها أن ينتقل من الغزل والسياسة إلى المناخ الثقافي والفني الغني حيث يعيش مع بطل الرواية الذي يحاول كتابة القصة والانتماء إلى أهل الأدب، متمكناً من نسج أحداثها بحس الشاعر وبلغة الروائي الماهر لإبراز شيء ما، ولنقد واقع ما.

معارك الفكر والإدارة

انحاز القصيبي للمرأة بشكل واضح. تشكلت صورتها في شعره من البيئة التي تتضمن الأسرة والمجتمع المحيط بها، وبلغت منزلة رفيعة. ذلك أنه عاش محروماً من رعاية الأم، ما جعل نزوعه إلى الطفولة وحنينه إلى الأمومة، يشغلان مساحة واسعة من شعره. لكن الحنان والرعاية اللذين حظيا بهما القصيبي من قبل جدته أزالا عنه بعضاً من غشاوة الكآبة التي لازمته إثر فقدان أمه. فكانت تخصه بوافر من الحب، وهو ما جعله يعطي للمرأة مكانة راسخة في ذهنيته، كما أنّ إغفاله الجانب الذكوري المتمثل بوالده، بسبب انشغاله عنه، ساعد على تقوية هذا الشأن في قلبه. وصاحب تلك التأثيرات أحداث أسرية واجتماعية أنتجت حنيناً صارخاً إلى عالم الطفولة والأمومة. وطبعت قلبه بقالب من الحزن، كان له أثر كبير في تشكيل صورة المرأة في وجدان القصيبي وصبغها في قصائده بنزعة مثالية تقترب إلى عالم القيم.

لقد عاش القصيبي لفكرته التي آمن بها، وخاض في سبيلها معارك كثيرة. وقد غيّر أسلوبه في العمل، لكنَّه لم يتنازل عن فكرته التي دافع عنها بصوته وقلمه وشغله وقراراته بشجاعة يندر أن نجد لها مثيلاً، في مجتمع من السهل أن يتم فيه إلقاء التهم عليك.

عمل القصيبي وزيراً مع عدَّة ملوك في مناصب مختلفة، ومع تباين الملوك وعصورهم والأحوال السِّياسية والاقتصادية، إلا أنَّه كان قريباً منهم جميعاً، وجريئاً معهم.

يرى البعض أن القصيبي كان متطرفاً نحو اليسار، بينما يرى آخرون أنه كان متطرفاً لليمين، ومهما اختلفت الآراء حول القصيبي لكنّ الكثيرين يتفقون على أن غيابه ترك فراغاً كبيرة في الحياة الثقافية السعودية. وأن البصمة الأدبية والثقافية التي تركها ستبقى عالقة لأجيال متعاقبة، لتنتج أجيالاً جديدة موجودة حتماً.

كاتب من سوريا

8