غازي القصيبي كبير المثقفين العرب

الثلاثاء 2015/03/10

لطالما وزّعَ المصريون ألقابا مستحقة وأخرى غير مستحقة على كبارهم من المثقفين والأدباء والروائيين والفنانين، فعمّدوا طه حسين على الأدب العربي، وأمّروا أحمد شوقي على الشعر، وعبْقَروا يوسف شاهين كمخرج سينمائي، وأسْتَذُوا محمد حسنين هيكل في الكتابة الصحافية، وتوّجوا فاتن حمامة باعتبارها سيدة لا تبارى للسينما العربية. وأنا لا أعترض على ذلك. كما لا أعترض على كل الألقاب التي توزع الآن في كل القنوات التلفزيونية المصرية، باسم العرب، على المصريين.

لكن ليسمحوا لي هذه المرة أن أسمّي الوزير والسفير والشاعر والأديب والروائي، غازي القصيبي، رحمه الله، بكبير المثقفين العرب. وهذا ليس بقوة النفط أو (البترودولار) كما يحلو لبعض العرب أن ينافحوا عن مواقعهم أمام كل ما هو خليجي أو سعودي، بل بقوة حضور هذا الرجل الذي ظل حيا متوهجا في قلوب الناس من اليوم الأول الذي عُرف فيه كشخصية عامة في عهد الملك فيصل بن عبدالعزيز، رحمه الله، إلى يومنا هذا الذي مضى فيه على وفاته ما يقرب من خمس سنوات.

وإذا أراد العرب أدلّة أخرى على استحقاقه لهذا اللقب، فإن بمقدورنا أن نضيف إلى ملفه الكبير لقب “صانع النور”، ليس النور الفكري الذي دفعه بجدارة وصرامة مشهودتين في أوصال مجتمع المملكة العربية السعودية، بل نور القرى والبلدات والأطراف حين حمل ملف وزارة الصناعة والكهرباء من العام 1976 إلى العام 1981. وهو أيضا (صانع المعرفة العربية المشتركة) حين فتح دارة السفارة السعودية في لندن للمفكرين والأدباء العرب المهاجرين والمهجرين ليمارسوا غراس المعرفة والثقافة، عبر محضن سعودي ثقافي دولي لم يجرؤ عليه غيره وقد مات بعده.

وقد حضرت شخصيا واحدة من فعاليات هذه الدارة وكان ضيفها الروائي السوداني الأشهر الطيب صالح، رحمه الله، ومديرها السفير نفسه. وسجلت وقتها في دفتري الصحفي أن العرب قادرون على الالتقاء وغرس بذور المحبة والمنافع الفكرية الثقافية فيما بينهم داخل وخارج حدودهم، شرط أن يكونوا بحجم حضور غازي القصيبي ورجاحة عقله الوطني والعربي.

الصرامة الفكرية التي أحرز فيها القصيبي موقعا عربيا وسعوديا متقدما برزت، أكثر ما برزت، في مناجزته لرموز مرحلة الصحوة التي وقفت بالمرصاد لكل فكر وطني تقدمي، على أساس من اختراعاتها لتسيير الأوطان والمجتمعات، بعيدا عن شروط عصرنا وظروفه السياسية والفكرية التي تفرض، قسرا وليس اختيارا، ترابط المصالح ونفض سجادة التخلف للحاق بالمتقدمين في هذا العالم.

كان كتابه “حتى لا تكون فتنة”، الذي وجّهَهُ، في جزء منه، إلى ثلاثة من رموز الصحوة حينها وإلى الناس عامة في جزئه الآخر، هو ما وضع الأمور في نصابها وعرى هذه الرموز وغيرها ممن أصبحوا بعد ذلك أكثر تسامحا وأكثر فهما للمعاصرة وقدم بعضهم اعتذاراتهم العلنية له قبيل وبعد وفاته. لكن هذا لم يبرّئهم إلى الآن مما قصده من وقوع الفتنة بسبب أفكارهم ودفعهم بالمجتمع السعودي خاصة، والمجتمعات العربية عامة، إلى أتون التناحر في ظل حروب الأطياف والألوان العقدية والسياسية.

الفتنة وقعت ربما بأكثر مما توقعه القصيبي وهي ليست وليدة البارحة كما يحلو للبعض أن يتبرأوا من ارتكاباتهم ويدفعوا عن أنفسهم تهمة إلقاء شررها قبل عقود من الزمان. وهي نبوءته التي لو تخيلها بهذا الحجم لكانت ردة فعله على إرادة التخلف لديهم أقسى مما فعل في هذا الكتاب وفي غيره مما كتب أو قال في أحاديثه الإذاعية والتلفزيونية.

يحفظ التاريخ، أيضا، لغازي القصيبي قصيدته “الشهداء” التي أثارت في حينها (2002) ضجة عربية ودولية، وقيل إنها سبب عودته إلى الوزارة من السفارة السعودية في لندن بعد ما قيل عن انزعاج البريطانيين من هذه القصيدة التي ثمن فيها عاليا، وبلا مواربة، استشهاد الفتاة الفلسطينية آيات الأخرس بعد قتلها عشرين إسرائيليا في عملية من عمليات المقاومة. وكان، كعادته، واضحا قاسيا على أمته العربية التي أنهكها التخلف وارتكنت إلى الهوان ومقاعد الفرجة على ما يحدث في فلسطين من غلواء الصهاينة. وتمثلت ذروة غضبه في بيتين في هذه القصيدة يقول فيهما:

انتحرتم؟ نحن الذين انتحرنا

بحياةٍ.. أمواتها الأحياءُ..

أيها القومُ! نحنُ متنا.. فهيّا..

نستمعْ ما يقول فينا الرِثاءُ


ثم يقول:


وشكونا إلى طواغيتِ بيتٍ..

أبيض.. ملءُ قلبهِ الظلماءُ..

ولثمنا حذاء شارون.. حتى..

صاح مهلاً! قطعتموني! الحِذاءُ

ويخلد آيات الأخرس بقوله:

قل “لآيات” يا عروس العوالي

كل حسن لمقلتيك الفداء

حين يخصى الفحول.. صفوة قومي

تتصدى للمجرم الحسناء


هذا هو غازي بن عبدالرحمن القصيبي، السعودي والعربي والمسلم، الذي يليق به لقب كبير المثقفين العرب. وقد أحسنت عائلته حين أطلقت مؤخرا موقعا يحفظ تراثه ومآثره بعد أن طالت غفلة المؤسسات الثقافية في المملكة عن هذا الفعل الذي سيحمد لها لو فعلته، من باب أن الرجل ليس عابرا أو عاديا تطوى صحفه وينسى، بل هو في عين الوجود السعودي الحديث وسيظل كذلك إلى ما شاء الله.


كاتب سعودي

9