غاز المتوسط المحرّك للغزل التركي تجاه مصر

عمر جليك: هناك وضع جديد في البحر المتوسط يمكن البحث فيه مع مصر.
الأربعاء 2021/03/10
الثروات تحدد علاقات تركيا

أنقرة – تخلت تركيا مؤخرا عن استفزازاتها لمصر واستبدلتها بتصريحات "غزلية" تخطّها مصالح أنقرة في شرق المتوسط، حيث بات الغاز ورقة تحدّد سياساتها وتفرض توجّهاتها.

وفي أحدث التصريحات التركية، قال عمر جليك المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية الحاكم، إن هناك وضعا جديدا في البحر المتوسط "ليس فقط في ما يتعلق بقضية الغاز، فبعد أن ظهرت الأزمة السورية استقرت السفن الحربية لجميع دول العالم في المتوسط، وزاد الأمر أكثر بعدما ظهرت قضية ليبيا".

واستطرد “بالطبع لدينا أرضية مع مصر يمكن من خلالها تناول هذه الأمور معها، لكن كما قلت، تركيا لم تتخل بأي شكل عن موقفها السابق القائم على المبادئ… غير أن ضرورات الحديث بشأن التطورات التي تشهدها المنطقة تقتضي مثل آليات الحوار تلك، لكن هذا بالطبع منوط بأن يكون نفس النهج متبادلا”.

وأشار المتحدث باسم حزب الرئيس رجب طيب أردوغان إلى أنه ”من دون شراكتنا التاريخية لا يمكن كتابة تاريخ المنطقة، ولا أفريقيا ولا الشرق الأوسط ولا البحر المتوسط”.

ولفت إلى أن “الديناميكية الكبيرة التي ظهرت في ما يتعلق باستخدام الموارد الهيدروكربونية، تتطلب من البلدان المتشاطئة للبحر المتوسط التحدث أكثر مع بعضها البعض وإيجاد صيغ مشتركة”.

يأتي هذا ضمن الإشارات التي تواصل تركيا إرسالها لمصر في الآونة الأخيرة، لإبداء استعدادها لإصلاح العلاقات التي توترت بشدة منذ أن أطاح الجيش المصري بالرئيس الراحل محمد مرسي، المنتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين وحليف الرئيس التركي في العام 2013 على إثر انتفاضة شعبية.

والدولتان على خلاف كذلك بسبب الحدود والموارد البحرية، فضلا عن خلافات في ليبيا، حيث يدعم كل منهما طرفا مختلفا في الصراع الدائر هناك.

وكان المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالن قال مؤخرا إنه "يمكن فتح فصل جديد، صفحة جديدة في علاقتنا مع مصر ودول الخليج الأخرى لدعم السلام والاستقرار الإقليميين".

وأضاف قالن، الذي اعتبر أن "مصر دولة مهمة في العالم العربي ولا تزال عقل العالم العربي وقلبه"، أن تركيا مهتمة "بالتحدث إلى مصر بشأن القضايا البحرية في شرق البحر المتوسط وكذلك القضايا الخاصة بليبيا وعملية السلام والفلسطينيين. يمكننا معالجة عدد من هذه القضايا، يمكننا خفض التوترات، ومثل هذا النوع من الشراكة يمكن أن يساعد في الاستقرار الإقليمي من شمال أفريقيا إلى شرق المتوسط".

وتقول أوساط سياسية إن الموقف التركي المستجد يندرج ضمن مسار بدأته أنقرة منذ فترة لتخفيف حدة التوترات مع عدد من الدول العربية والأوروبية، لاسيما في مواجهة إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن التي لا تخفي تحفظاتها على نهج الرئيس أردوغان.

كما أن إعلان القاهرة عن فتح مناقصة للتنقيب عن النفط والغاز في شرق المتوسط، يحترم حدود الجرف القاري التركي، دفع أنقرة إلى الحديث عن إمكانية التفاوض مع مصر بشأن ترسيم الحدود البحرية، وذلك رغم غياب إرادة فعلية لتركيا لتعديل سياساتها، والتخلي عن مشاريعها الطموحة ومنها “الوطن الأزرق” والسيطرة على غاز شرق المتوسط.

وكانت القاهرة أعلنت الشهر الماضي عن طرح مناقصة للتنقيب عن النفط والغاز في 24 منطقة بخليج السويس والصحراء الغربية وشرق وغرب المتوسط، ورعت المناقصة الاتفاقية التي جرى توقيعها مع اليونان في العام 2020، وأيضا حدود الجرف القاري التركي التي كانت أنقرة أبلغت الأمم المتحدة بها، بناء على اتفاق مع ليبيا.

وأبرمت تركيا اتفاقا مع حكومة الوفاق الليبية حول ترسيم الحدود البحرية في عام 2019، مما أثار غضب اليونان التي رفضت الاتفاق باعتباره غير قانوني. وأنقرة وأثينا على خلاف بشأن امتداد الجرف القاري لكل منهما وحقوق موارد النفط والغاز البحرية في شرق المتوسط منذ عقود.

وتوجد العديد من العوامل المتداخلة التي تحول دون إمكانية قريبة لحل المسألة الحدودية بين مصر وتركيا في شرق المتوسط وهو ما تدركه أنقرة، ومن بينها الاتفاقية بين مصر واليونان وإذا ما جرى التفاهم مع تركيا سيعني إلغاء تلك الاتفاقية، وهذا الأمر غير وارد.

ويرى مراقبون أن احترام مصر للوضع القائم في شرق المتوسط لا يعني أنها تسعى للتقارب مع تركيا كما يجري التسويق له، فالقاهرة ومنذ البداية تحاول تجنّب أي تصادم أو انخراط في معارك ليست ذات أولوية بالنسبة إليها، كما أنها لا تريد أن تكون جزءا في صراعات الآخرين دون أن يكون هناك ثمن حقيقي يمكن أن تجنيه.

وخلال السنوات الأخيرة، حققت مصر اكتشافات عدة في التنقيب عن النفط والغاز، منها 10 اكتشافات خلال عام 2019، وكان آخرها إعلان شركة إيني الإيطالية عن اكتشاف نفطي في ديسمبر 2020 في الصحراء الغربية بمصر ينتج 10 آلاف برميل يوميا.

وأبرمت مصر في يناير الماضي تسع اتفاقيات مع ست شركات محلية وعالمية، من ضمن 12 اتفاقية جديدة توصلت إليها القاهرة العام الماضي من أجل التنقيب عن النفط والغاز في البحرين الأحمر والمتوسط.