غاز غرب المتوسط.. القاهرة تورط تركيا مع الكبار

صراع الغاز ينتقل من شرق المتوسط إلى غربه بعدما أعطت مصر الضوء الأخضر لشركات كبرى للتنقيب عن الغاز قرب ليبيا.
الاثنين 2020/02/24
المعركة من شرق المتوسط إلى غربه

القاهرة - باتت التحوّلات الجيوسياسية واقعا ملموسا في حوض البحر المتوسط، وتداخلت معها الأبعاد السياسية والاقتصادية، تحت غطاء البحث والاستكشاف عن النفط الغاز.

ومن المرجح أن تنتقل القضية من الصراع على الغاز في شرق المتوسط إلى غربه، عقب قيام الحكومة المصرية بإرساء عطاءات بالأمر المباشر لشركات أميركية وفرنسية وبريطانية وهولندية للتنقيب عنه على مقربة من الحدود الليبية، بما يجعل شبح الصدام بين الدول التي تنتمي إليها الشركات قائما مع تركيا التي وقعت مذكرة تفاهم بحري مع حكومة الوفاق الوطني الليبية، لا تزال تداعياتها السياسية والأمنية مستمرة.

وضعت مصر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في حرج بالغ، قد يصل إلى درجة حدوث تصعيد من ورائه، مع كل من الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، بعد أن أسندت قبل أيام للشركات الكبرى التابعة لهذه الدول حقوق امتياز البحث عن الغاز في منطقة غرب البحر المتوسط المتاخمة للحدود مع ليبيا.

اتفقت القاهرة بصورة مبدئية مع 5 شركات عالمية للتنقيب عن النفط والغاز في السواحل الغربية في البحر المتوسط، وهى: شيفرون وإكسون موبيل الأميركيتين، وتوتال الفرنسية، و”بي.بي” البريطانية، وشل الهولندية.

ووصفت مصادر سياسية لـ”العرب”، الخطوة بأنها مقصودة في هذا التوقيت لخلق المزيد من الإحراج لتركيا ووضعها في مواجهة مباشرة مع بعض القوى الدولية الراغبة في تكريس دورها في ملف الغاز الحيوي في المنطقة.

ورأت المصادر ذاتها، أنه موقف مدروس بعناية من الحكومة المصرية التي لا تريد خوض مواجهة منفردة مع أنقرة، وتعمل دوما على توظيف الأوراق الاقتصادية التي تملكها ومنحها مسحة سياسية وأمنية أحيانا، وهي بذلك ترد عمليا وتغلق الأبواب المشرعة أمام التحرشات التركية في مياه البحر المتوسط، والباحثة عن دور مؤثر تحت غطاء استكشاف الغاز.

لجأت القاهرة إلى تلك الخطوة في رغبة منها في المزيد من تدويل العمل في المنطقة بأقصى سرعة، بعيدا عن تعقيدات نظام المزايدات المعمول به في البحث والاستكشاف عن النفط والغاز والذي قد يستغرق شهورا، وأرادت توجيه رسالتها في الوقت الذي تعاني فيه تركيا على مستويات متعددة، وتكاد تفقد صوابها في سوريا، وبدأت تترنح في ليبيا.

Thumbnail

ويعتقد أن يؤدي هذا التطور إلى إعادة تركيا النظر في تحركاتها في حوض البحر المتوسط، بعد أن باتت محاصرة بقوى عظمي قادرة على تقويض مفاصلها، وربما تضطر إلى الرضوخ لمجال مقايضات صعبة تحت الوابل الكبير من الضغوط التي تعاني منها.

لم تصدر الحكومة المصرية بيانا رسميا بهذا الإجراء كالمعتاد، لكن فضل المهندس طارق الملا وزير البترول والثروة المعدنية، الإعلان عنه بشكل إعلامي محدود، لأنه يريد تحويله لأمر واقع في هدوء لتربك الصدمة تركيا وتفقدها ما تبقى من صواب.

في الأوضاع الطبيعية تلجأ وزارة البترول للإعلان عن المزايدات، وفق بيان يصدر عنها، إلا أن الوضع الجديد يعد إسنادا لعمليات البحث بالأمر المباشر، وهي من المواقف النادرة جدا في تاريخ البحث عن الموارد النفطية في مصر.

أوضح الملا أن الشركات سوف تبدأ عمليات البحث الاستكشافي مطلع العام المقبل، وتحمل هذه السرعة في طياتها رسائل سياسية تستهدف تسريع وتيرة العمل في المنطقة التي ضاعفت تصورات تركيا من سخونتها.

وقال جهاد عودة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة حلون في القاهرة، لـ“العرب”، “لا تنال هذه الخطوة من مصر، فهو قرار استراتيجي داخلي يخصها، لكنه يحمل في طياته مناورة مربكة لتحركات أنقرة في البحر المتوسط”.

بهذا التحرك تصبح أنقرة في مأزق حيال رغبتها في التمدد داخل غرب البحر المتوسط عقب توقيعها مذكرتي تفاهم بحري وأمني مع حكومة طرابلس، فضلا عن محاصرتها في شرق البحر المتوسط وفق عمليات ترسيم الحدود بين مصر وقبرص واليونان وإسرائيل، والتي أصبحت منطقة عمليات دولية أيضا بعد اكتشاف حقل ظُهر.

بعثت القاهرة برسالتين واضحتين الفترة الماضية، الأولى تشكيل منتدى غاز المتوسط الذي يضم عددا من الدول المعنية بالطاقة في شرق المتوسط، ويمثل الذراع الرئيسية للاستثمار الجماعي في المنطقة، وألحقته بعطاءات لبعض الشركات الكبيرة في غرب المتوسط.

وطلبت فرنسا رسميا الانضمام إلى المنتدى، فيما طلبت أميركا الموافقة على ضمها للمنتدى بصفة مراقب دائم، ما يزيد من تدعم المنظمة المرتقبة بوصفها قوة ضغط على الساحة الدولية.

 والرسالة الثانية تتعلق بإجراء مناورة “قادر 2020” في يناير الماضي، وتعد من أضخم وأكبر المناورات البحرية للقوات المسلحة، وشاركت فيها تشكيلات ووحدات القوات المسلحة من القوات البرية والبحرية والجوية، وجميع القيادات والهيئات والإدارات والجيوش الميدانية وقوات الدفاع الجوي، إضافة إلى عناصر القوات الخاصة من الصاعقة والمظلات.

وتضمنت ما يسمى بـ”عمليات الفتح الاستراتيجي للقوات على جميع الاتجاهات للدولة وعلى ساحلي البحرين الأحمر والمتوسط”، في إشارة حاسمة لتركيا التي لم تخف أطماعها الإقليمية.

ورطة تركيا في المتوسط
ورطة تركيا في المتوسط

وأكد قدري أبوإسماعيل، أستاذ العلوم السياسية بجامعة الإسكندرية، أن المياه الإقليمية لمصر محددة وموثقة في الأمم المتحدة، وهذا موطن قوة للدولة.

وأشار لـ”العرب” إلى أن التوجهات العسكرية خلال الفترة الماضية عززت من توفير الحماية للمنشآت البحرية المصرية، ويزيد تواجد الشركات الأميركية والفرنسية والبريطانية موقف القاهرة تحصينا ضد أي عمليات إرهابية أو تجاوزات تركية.

ازداد موقف أنقرة تعقيدا بعد اتفاق خط “إيست ميد” بين قبرص واليونان وإسرائيل لنقل الغاز لأوروبا عبر إيطاليا، الأمر الذي دفعها إلى إيجاد مخرج من تلك المعضلة ومحاولة ترسيم الحدود في مياه البحر المتوسط مع ليبيا، في خطوة قفزت على كثير من محددات الجغرافيا والتاريخ والأمن والسياسة.

وشدد أيمن شبانة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، على أن تواجد شركات دولية عملاقة في منطقة غرب المتوسط الساخنة، هو “حائط صلب ضد القرصنة التركية على غاز المتوسط”.

وأضاف لـ”العرب”، أن إسناد البحث عن الغاز والنفط بالمياه الاقتصادية المفتوحة في غرب المتوسط لهذه الشركات يدعم موقف مصر على صعيد النزاعات الإقليمية وتشابكاتها، من هنا تزيد هذه التحولات من أهمية أجندة الدورة المقبلة لمنتدى شرق المتوسط المرتقبة في يوليو المقبل، والتي يمكن أن تتمخض عنها قرارات مهمة ضد التحركات التركية.

7