غالب شعث بطل الظلال والجانب الآخر

الأحد 2015/10/11
غالب شعث: جاء إلى مصر يحمل آمالا كبيرة في صنع سينما أخرى

كان عام 1968 عاما فارقا في مسار الثقافة المصرية، بل وفي تاريخ مصر الحديث كله. كان هذا العام هو العام الذي أعقب مباشرة هزيمة يونيو 1967 التي انتهت باحتلال أراض تقع في ثلاث دول عربية، وانكسار المشروع القومي الناصري في مصر، وتراجع المد القومي في العالم العربي عموما الذي كانت تقوده مصر.

بدأت صدمة الهزيمة المريرة تتفاعل وتنتج عنها تداعيات طبيعية تماما في أعقاب أي مواجهة تنتهي بخسارة بمثل هذا الحجم، وأصبح عام 1968 أيضا، عاما للمراجعة الشاملة وإعادة النظر في الكثير من الشعارات والمسلمات الفكرية القديمة السائدة في حياتنا، على الصعيد السياسي والثقافي والفكري، والمطالبة بالتجديد والتغيير وبمزيد من المشاركة، وكانت البنية تجمعات المثقفين والطلاب تغلي بالرغبة في التغيير.

وقد بدأ في 1968 تكوين التجمعات الثقافية للأدباء والتشكيليين والسينمائيين. فقد ظهرت مثلا مجلة “جاليري 68” تعبيرا عن فكر مجموعة من الأدباء والتشكيليين الشباب الذين يطرحون أفكارا جديدة. وتكونت “جماعة السينما الجديدة” من مجموعة كبيرة من خريجي معهد السينما والسينمائيين الشباب الذين كانوا يطالبون بسينما جديدة مختلفة تعبر عن تطلعات وطموح الناس، مع تبني أشكال تعبير طليعية تتخلص من القوالب التقليدية الجامدة. وكان لسان حال هذه الجماعة صفحتان داخل مجلة “الكواكب” أتاحهما للجماعة رجاء النقاش، رئيس تحرير الكواكب في تلك الفترة. وقد تصدى فتحي فرج رئيس تحرير “مجلة الغاضبين” بكل قوة وانهال بقلمه على أعوان السينما القديمة المتهالكة وأخذ يبشر ويدعو إلى سينما جديدة.

كانت الجماعة تضم أسماء مثل أحمد متولي ورحمة منتصر وعادل منير وعلي عبد الخالق ومحمد راضي ورأفت الميهي وداود عبد السيد وأشرف فهمي، وسعيد شيمي وسمير فرج.. وغيرهم.

لكن كان هناك بين هؤلاء شاب فلسطيني، قادم حديثا إلى مصر بعد أن أنهى دراسته للسينما في فيينا، هو غالب شعث (مواليد 1932) وكان قد أوشك على استكمال دراسته في العمارة هناك. وقد استقر في مصر منذ أواخر 1967 والتحق بالعمل مخرجا للتليفزيون المصري.

أصبح غالب شعث عضوا أصيلا في (جماعة السينما الجديدة) المتمردة التي أرادت أن تؤسس لتيار سينمائي آخر، يعتمد على التقنيات الحديثة، والمفاهيم المتقدمة في العلاقة بين الفيلم والجمهور

كان غالب شعث يعد بالكثير، وكان مشروع تخرجه من مدرسة السينما في فيينا، وهو فيلم قصير بعنوان “حكاية”، بديعا في تكوينه وبنائه، وكان يكشف عن حسه السينمائي المرهف. وقد كان هذا الفيلم جواز مروره الفني إلى العمل بالتليفزيون المصري الذي أخرج له عددا من أفلام السهرة التليفزيونية، ذلك النوع الفني الذي كان شائعا في ذلك الوقت وانقرض بعد ذلك لحساب إنتاج المسلسلات الطويلة التي يستغرق المسلسل منها ثلاثين حلقة أو أكثر، وهو يعد امتدادا لفكرة المسلسل الإذاعي، ولكن بعد أن أصبح المنطق السائد فيها هو الإطالة المتعمدة، والتكرار، والبطء الشديد في الإيقاع، واعتماد الحوار وسيلة للشرح والتفسير والبيان، والمبالغات الميلودرامية، والثرثرة، بدلا من اعتماد اللقطات المحسوبة بدقة، والإيقاع الموزون جيدا في الفيلم.

بيان الجماعة

أصبح غالب شعث عضوا أصيلا في “جماعة السينما الجديدة” المتمردة التي أرادت أن تؤسس لتيار سينمائي آخر، يعتمد على التقنيات الحديثة، والمفاهيم المتقدمة في العلاقة بين الفيلم والجمهور، والتخلص من الطابع التقليدي النمطي السائد في السينما المصرية، والاستفادة من الأساليب الحديثة في التصوير والمونتاج. وقد وردت هذه الأفكار وغيرها، في “بيان جماعة السينما الجديدة” الأول، وكانت التجربة الأولى التي خاضتها الجماعة في الإنتاج بطريقة “المشاركة” مع مؤسسة السينما المصرية الحكومية، من خلال فيلم “أغنية على الممر”، عن مسرحية علي سالم التي كتبها بعد الهزيمة 1967 مباشرة، وأخرج الفيلم علي عبد الخالق، وعرض عام 1972، وحقق نجاحا لا بأس به وإن لم يكن بالطبع بحجم النجاح الذي كانت تحققه أفلام من ذلك العهد مثل “أبي فوق الشجرة” أو ما شابه!

كان الفيلم يؤكد على ضرورة الصمود، ورفض الهزيمة، ويصور أن جنود الجيش هم أبناء الشعب، جاءوا من بين الفلاحين والأسر الصغيرة والمتوسطة، وأن صمود هؤلاء جميعا كفيل بتحقيق النصر.غير أن الفيلم الثاني الذي أنتجته الجماعة وهو فيلم “الظلال في الجانب الآخر” لغالب شعث عن رواية للكاتب المسرحي الراحل محمود دياب، جاء مثل الضوء الساطع، فحرك المشاعر، وأثار الاهتمام بكل ما يحتويه من عناصر سينمائية خالصة. لقد كان فيلما مصريا، لكنه كان أيضا ذا نفس مختلف، وروح مختلفة جديدة متمردة، بحكم التجربة الخاصة لمخرجه غالب شعث، ابن القدس الذي تعلم في القاهرة وألمانيا والنمسا، ثم استقر مبدئيا في القاهرة، ووجد نفسه أيضا طرفا مباشرا في حركة سينمائية جديدة تبشر بتغيير السينما والعالم “نريدها حمراء بلون الدم”!

يروي غالب في مذكراته التي لم تنشر بعد، عن بداية اهتمامه بالموضوع فيقول “لدى عودتي، بعد حوالي أحد عشر عاما قضيتها بعيدا عن الوطن العربي، كان لابد من أن أحاول – بالقراءة – أن أعوض، بقدر الإمكان، وأن أستزيد من أسباب التواصل مع مجتمعي القديم الجديد، لاسيما وأن عملي سوف يعتمد إعتمادا وثيقا على هذا التواصل.

محمود ياسين ونجلاء فتحي في فيلم "الظلال"

كانت رواية “الظلال في الجانب الآخر” إحدى الغنائم التي خرجت بها من جولاتي الروتينية الكثيرة حول “السور”. وكنت، في ذلك الوقت، أبحث عن “نص” يصلح لأول تمثيلية سهرة تلفزيونية سأقوم بإخراجها. أخذتني الرواية، ابتداء من عنوانها الغني بالإيحاءات.. إلى أجواء الفنانين التشكيليين التي لم أكن بعيدا عنها. الشباب الباحث عن مصابيحه في عتمة الضياع، بين افتقاد للإحساس بالاستقرار والأمان.. وأمل في مستقبل أفضل يلوح بريقه ثم يخبو.. حسب اتجاه رياح الصراعات الدولية التي تؤثر في أوضاع المنطقة بكاملها.

“مهّد محمود دياب لذلك ببراعة مذهلة، في تلك “العوّامة” التي تسكنها مجموعة من طلبة كلية الفنون الجميلة، ينتمون إلى أماكن متباعدة من (الوطن العربي) مصر.

“العوّامة” المهتزة دوما من تحتهم. المرتبطة بأرض الواقع بحبال قديمة واهية.. وجسر خشبي لا يكف عن الأنين تحت وطأة أقدام العابرين. وذلك العالم المتضارب من الألوان والتكوينات والنظريات والمذاهب.. والأصوات والمشاعر.. والعمل والفشل.. والمحاولة والأمل.. والرفض.. والإصرار.. والحب.. والغيرة.. إلخ

“كل ذلك في رواية ظهرت في عام 1963.. هل كان محمود دياب يستشعر الهزّات؟ هل كان يحذر من كارثة أسموها بعد ذلك بالنكسة؟!“

الحلم بالألوان

يقول غالب شعث في مذكراته: “إننا في “جماعة السينما الجديدة”، في ذلك الوقت، لم نكن نملك رفاهية الحلم بعمل فيلم بالألوان بالرغم من أن أجواء كلية الفنون التي كانت خلفية الأحداث، كانت تقتضي ذلك”.

وقد استغرقت كتابة سيناريو الفيلم من غالب أكثر من عام، وكانت الفتاة التي رشحها للقيام بدور البطولة أي “روز”، قد كبرت عاما آخر. ويقول إنها “جاءتها “الفرصة” الحقيقية على شكل عريس ثري، فاستغنى عنها بالتالي، وأسند الدور إلى نجلاء فتحي.

ويروي هو قصة طريفة عن لقائه بمنتج “غير مصري” في ذلك الوقت في إطار سعيه لتمويل إنتاج الفيلم، ولكن هذه المحاولة فشلت بعد أن حاول المنتج العربي التدخل والتعديل في الفيلم واقتراح ممثلين محددين للقيام بالأدوار الرئيسية بل وتغيير اسم الفيلم وجعله “أربع تلامذه.. وبنت”، على غرار فيلم “أربع بنات.. وضابط”، الذي سجل في حينه نجاحا تجاريا، كما يعلق غالب!

ويضيف غالب شعث أنه طرح موضوع إنتاج الفيلم من خلال جماعة السينما الجديدة، وإن الجميع تقريبا تحمسوا للفكرة. ثم يضيف: “ولكن بعد القيام بعملية حسابية، تبين أننا سوف ننتظر أعواما كثيرة حيث كان المبلغ الذي يستطيع أيسرنا حالاً أن يساهم به، لا يتجاوز الخمسة جنيهات شهريا”. و”في أحد الإجتماعات تقرر تقديم مشروعي الفيلمين، “الظلال..” و”أغنيه ..”، إلى مؤسسة السينما، حسب نظام المشاركة وتأجيل قبض الأجور.

وعن شكل السرد في فيلمه يقول غالب: “لم يكن السرد الرباعي الذي يعتمد على فكرة تعدد الرواة في الأدب والسينما، حيث تتكامل رواياتهم أو تتعارض أو تتقاطع، وتخلق من القاريء أو من المشاهد شريكا في الحدث وصناعته، بجديد على الأدب ولا السينما. ومع ذلك، كان هناك من ينصحني بأن أختار شكلاً سردياً أسهل، خصوصا وأنني كنت إزاء أول عمل سينمائي روائي طويل. وظلت هذه النصيحة تلاحقني الى ما بعد الانتهاء من التصوير، الى مرحلة “المونتاج”، أو تركيب الفيلم.

وقفة أخرى مع غالب شعث الذي فضل منذ سنوات بعيدة الركون إلى الظل بعد غروب شمس السينما الجديدة التي كان يحلم بها

نظرية الضوء

ويستمر غالب: “الظلال في الجانب الآخر”.. ذكرني هذا العنوان بالنظرية الضوئية التي تقول أننا إذا سلطنا ضوءاً على جسم ما، فإننا سنرى له ظلاًّ في الجهة المعاكسة. وإذا سلطنا ضوءاً آخر من تلك الجهة المعاكسة على نفس الجسم، فإننا سنحصل على ظلين متقابلين بحيث يكون كلا الظلين أخف حدة من الحالة الأولى. فإذا سلطنا ضوءاً ثالثا مساويا لكل من الضوئين السابقين على نفس الجسم من الجهة الثالثة، فإننا سنحصل على ظل ثالث.. بحيث نلحظ نقصانا في درجة حدة الظلال الثلاثة. أما إذا سلطنا ضوءاً رابعاً مساوياً في القوة لكل من الأضواء الثلاثة السابقة، من الجهة الرابعة.. فسوف تختفي كل الظلال!

“ما أكثر ما تخفيه الظلال من حقائق ..

ولكي نرى واقعنا بدون ظلال ..

لا بد من أن تتعدد مصادر النور”.

هذا ما كتبه غالب شعث عن تجربته في صنع الفيلم. ولكن قصة مصادر النور الأربعة وإزالة الظلال سيكون لها انعكاس على “مصير الفيلم” فيما بعد، أي بعد ان تشاهده الرقابة ونقاد السينما الجديدة عموما، سواء من داخل الجماعة أو من خارجها.

وكان عرضه في “جمعية الفيلم” إيذانا بمولد موهبة سينمائية رفيعة المستوى، واحتفالا كبيرا بفن السينما. كانت الصورة حزينة، موحية، مشاغبة، عنيفة حينا، شاعرية ناعمة، حينا آخر. وكانت مجموعة الممثلين في أفضل حالاتهم، وكانوا “في عزهم” في ذلك الوقت: محمود ياسين، نجلاء فتحي، مديحة كامل، محمد حمام، أحمد مرعي، وغيرهم.

وقد عرض الفيلم بعد ذلك في نادي السينما. وكنا جميعا متهللين بمولده، فها هو أول فيلم مصري يخرجه مخرج فلسطيني مثقف ودارس وموهوب، يضع القضية الفلسطينية، بطريقة فنية في سياق سينمائي جذاب تماما، يبتعد عن الشعارات، وعن المباشرة، ويتجه إلى الجانب الإنساني من خلال شخصية الطالب الفلسطيني في كلية الفنون الجميلة الذي يجد نفسه يقطن مع أربعة من زملائه في عوامة في النيل، يختلف ويتشاجر معهم، ويشهد على ما يقع من أخطاء، ويعلن رفضه للشعارات التي تستخدم للتبرير، ويرفض الهروب العاجز في النهاية، فيتخلى عن تلك الأحلام المؤجلة، ويتوجه إلى الأردن للالتحاق بالمقاومة الفلسطينية.. الأمل الوحيد الذي يراه ممكنا، بل ومشرفاً.

دلالات المكان

كانت هذه الشخصية بالطبع من ابتكار غالب، ولم يكن لها وجود عضوي في رواية محمود دياب، كما قام غالب بتغيير الكثير من التفاصيل، لكنه حافظ، تماما كما طلب منه دياب، على العوامة كمكان مميز له دلالاته في هامشيته واهتزازه وانفصاله عن الأرض الصلبة، كما حافظ على الشخصيات الرئيسية، ومنها شخصية “روز” التي يخدعها “محمود” ويقيم معها علاقة جنسية كاملة تكون نتيجتها أن تحمل وتنجب منه، لكنه يلفظها ويتخلى عنها، وهي المدخل الدرامي الذي ينفذ منه السيناريو إلى تجسيد التناقضات القائمة في الفكر والوعي بين الشباب الخمسة، لكي يرسم صورة نقدية لمجتمع الهزيمة. لكن الفيلم سرعان ما واجه مصيرا غريبا سيظل يلقي بتبعاته على مصير مخرجه حتى يومنا هذا. ولكن هذا يقتضي وقفة أخرى مع غالب شعث الذي فضل منذ سنوات بعيدة الركون إلى الظل بعد غروب شمس “السينما الجديدة” التي كان يحلم بها!

16