غالب هلسا.. الغريب حيا وميتا

الخميس 2014/01/02

في الثامن عشر من ديسمبر للعام 1989، توفي في دمشق الروائي والمبدع المناضل العربي/ الأردني غالب هلسا، عن سبعة وخمسين عاما (فهو المولود في اليوم نفسه من عام 1932)، ومشينا في جنازته المهيبة من مشفى الأسدي حتى الحدود الأردنية، ليدخل بلده الأردن للمرة الأولى، بعد رحلة اغتراب امتدت من منتصف الخمسينات، بسبب مواقفه المناهضة للنظام آنذاك، رحلة عاش خلالها في عدد من الدول العربية، فكانت محطته الأولى في القاهرة منذ (1955)، قبل أن يبعده نظام السادات في العام 1977 إلى بغداد، لينتقل منها إلى بيروت ويقيم فيها حتى نهاية الحصار الإسرائيلي لها العام 1982، وينتهي إلى الإقامة في دمشق حتى رحيله.

كنت قد وصلت الشام يوم السابع عشر من ذلك الشهر، بصحبة صديق من آل هلسة (انقطعت أخباره عني منذ تلك الرحلة)، وكانت غايتي الأولى من الرحلة لقاء الروائي المشاكس المثال في الاختلاف. جرى ما جرى في الأردن من "هبّة" أنتجت ذلك الانفتاح الهش، وما إن تسلمت جواز سفري، بعد حجزه ومنعي من السفر لسنوات عدة، حتى أخذت طريقي إلى دمشق.

وحين وصلنا الفندق، أسرعت للاتصال بصديق مقرّب من غالب، فجاء صوته حزينا "غالب في غرفة الإنعاش"، أليس من الممكن زيارته، سألت صديقي، فقال إن غالب في غيبوبة تامة.

ولم يطُل انتظارنا، فجاء نبأ رحيل الكاتب الكبير، وأقيمت له جنازة من مشفى الأسدي في دمشق حتى درعا، بموكب طويل من سيارات الكتاب والسياسيين من فصائل "المقاومة الفلسطينية" وغيرها.

لم أكن قد تعرّفت على غالب شخصيا، فقط رأيته في مشهد هو الأول والأخير، في التابوت، ببذلته وأناقته، وبيديه المصلوبتين على صدره، لتبدأ بعده رحلة التعرف على عالمه العميق والواسع، وبعد عودتي أيامها إلى عمان، أنشأنا لجنة لتكريمه وتخليده وترميم المنزل الذي ولد فيه وتحويله متحفا.

(لا نعرف مصير هذه اللجنة)، وأقمنا عددا من الندوات لدراسة تجربته الروائية والفكرية...بمشاركة كبار المبدعين والمفكرين العرب.

بعد وداع الجثمان عند درعا، عدت أنا إلى الشام لأُعنى بجمع كتاباته من مجلات وصحف "المقاومة الفلسطينية" التي عمل فيها أو تعاون معها.

وقد جمعت الكثير من كتاباته غير المنشورة في كتب، وكانت في غالبيتها ذات طابع سياسي فكري، وهيّأتها لتصدر في كتاب، وسَطا عليها "تاجر" من تجار الثقافة والسياسة (ناهض حتر)، و "كرّمني" بأن وضع اسمي ضمن قائمة من شكرهم "لجهودهم!!"، ونشر الكتاب باسمه من دون أن يرفّ له جفن.

لم أعرف غالب شخصيّا، لككني أزعم أنني أحطت بكل نتاجه الأدبي والفكري، تأليفا وترجمة، منذ قصصه "وديع والقدّيسة ميلادة"، ورواياته "الضحك" 1971، و "الخماسين" 1975، مرورا بـ "سلطانة" 1987، وصولا إلى آخر رواياته "الروائيون" 1988. هذا فضلا عن ترجماته المتميزة سواء لكتاب غاستون باشلار "جماليات المكان"، أو لروايات سالنجر وفوكنر وغيرهما.

وبحسب قراءتي لنتاج غالب كلّه، أعتقد أنه لا يمكن أن يُحسب على حزب أو تنظيم سياسيّ، فكتاباته تنبئ عن روح نَقدية لكلّ ما كان قائما، بمن في ذلك من عمل في صحافتهم لأسباب معيشية بحت، ولعل من يعرفونه عن قرب، يدركون هذه الحقيقة جيدا.

غالب هلسا جرت قراءته سريعا، وما يزال في حاجة إلى من يكشف المزيد عن أسرار تجربته، خصوصا أنه لم يُحسَب أيضا على بلد من البلدان التي عاش فيها، بما في ذلك مصر التي خاض في حياتها الثقافية كواحد من أبنائها، لذلك عاش غريبا ومات غريبا، ويبدو أنه سيظلّ غريبا.


* شاعر من فلسطين

14