غالب هلسا: سيزيف يواصل الصعود

السبت 2014/02/08

بين حينٍ وآخر أعود إلى غالب هلسا.

أعود لأقرأ هذا الكم النوعي من الكتب، فأطالعَ رجلاً ناهباً للحياة، جاذباً إيّاها من قَرنيها ليدخلها في أوراقه وقد صَفّاها بموشوره الناقد. عاينها بِحِسِّه الشكاك والمُنَقِّب، فمنحنا شهاداته الصادقة المتطلبة، بدورها، قراءات تماثلها في الصدق والتنقيب الناقد.

ويبدو أنَّ القدرة على الإمساك بـ"كُلّيِّةِ" شخصيّة كغالب هلسا من الأمور غير السهلة؛ أو هذا ما يبادرُ المرءَ إذا ما بدأ من نقطة الصفر بقراءته إنساناً وأوراقاً. فالرجلُ متعددٌ بكل المعاني. وتعددهُ، على الصَعيدين: الحياتيّ الشخصي، والكتابي الإبداعي - اضافةً للغزارة والتنوُّع، كفيلٌ بالشهادة على أنه حققَ مقولةَ جميع الذين يتمنونَ أن يعيشوا حياةً على قدرٍ كبير من الاستحقاق. فثمّة قِلَّة من الكائنات مَن عملت على وضع أنفسها داخل متن الحياة لتثريها بوجودها وتُضيفُ إليها وتترك علامتها فوق وجهها، وكان غالب هلسا أحد هذه الكائنات الجميلة. وثمّة كائنات أُخرى فَضَّلَت أن تنزوي في الهامش دون تَرْك أي شيء يشير إلى أنها عَبَرَت هنا ذات عُمْر. والفرقُ، كما أراه، يكمنُ في أنَّ المتنَ يستدعي من مقتحميه صَلابةَ المحاربين الذين لا يرضون بالمُتاح السهل، ويأبون الرضوخ للشرط السائد، ويملكون "مشروع/ حلم" التغيير – فِعلاً إجرائياً عملياً خادشاً صلادة الواقع، وحُلماً تنبؤياً مكتوباً متخيلاً لقادمٍ سيبقى جميلاً حتّى وإنْ عملَ على نَحْرِ حالمه لاستحالة تحققه -!

كأننا نمشي مدركين حتفنا ولو بعد حين، قليل أو كثير! هذا هو جوهر السبب الذي يدعونا جميعاً لأن نتذكَّر هذا المثقف الأديب الاستثنائي، وسط سقوط معظم "مخاضاتنا العربية" الأخيرة في شِراك الدم المشبوه، والتنظيرات التبريرية المتشحة بـ"نكهات" ثقافية، وانكساراتها تحت وطأة التخلّف الرابض على حياتنا، ناهيك عن توحش الأنظمة المتمسكة بسلطاتها وسلطانها وإنْ هلكَت نصف شعوبها، وارتهن مستقبل بلادها/ أوطانها لعقود وعقود!أكان غالب هلسا غافلاً عن ذلك كلّه؟ غافلاً عن الأسباب العميقة لذلك كلّه؟ غافلاً عن أنّ ما أسميته هنا بـ"التخلّف" هو ذاته "الجهل" كما ورد في عنوان أحد كتبه التفكريّة/ السجالية: "الجهل في معركة الحضارة"، وأنّ هذا تحديداً يشكّلُ، في ذاته، الوباء الضارب لمجتمعاتنا والعلامة المسجلة لمعظم – إنْ لم أقل لجميع – مَن تَسَلّطَ ويتسلّط، ومَن عملَ ويعمل على إحلال نفسه بديلاً لن يكون أقلّ تسلطاً، أو أخف وطأةً في إرهاقنا بضرائب الدم، وفواتير الفقر، وقوانين الصمت القسري، والموت بشتّى أشكاله. أي، وعلى نحوٍ أكثر دِقّة: بالكذب والخديعة على نطاقٍ أوسع؟ تلك هي معطياتنا اليوم. وإنها ذاتها، ولو بنسبةٍ أعلى من التمويه والإخفاء، المعطيات التي عاشها غالب هلسا (1932-1989)، وكابد منحدراتها دون إدارة ظهره لبعض صعودات لم تكفه زاداً مُشْبِعاً؛ إذ ثمّة الانتكاسات تنتظر عند المنعطف التالي. ولقد واصلَ رغم هذا، تماماً مثلما فعل بطلُ التراجيديا الأوّل "سيزيف"، حمل صخرته والصعود بها! تسقط للوادي، فيعاود حملها، ويصعد ويصعد ويصعد مدركاً، في قرارته، أنها ستسقط في الخطوة التالية!

أهي روح التراجيديا الناغلة في حياة أشخاصٍ، بقدر ما هَرَسَتهم أقدارُهم العاتية كان أن قابلوها، من دون شكوى أو تَذَّمُر، بالمزيد من عِناد الأبطال التراجيديين و"تسليمهم الحُر" بمصائرهم؟ أهذه كانت روح غالب هلسا؟ أهذه هي الروح التي قامت بتسيير حياته لتصيِّرَهُ، في السطور الأخيرة من روايته الأخيرة "الروائيون"، طفلاً كبيراً "يَحْرَدُ" على العالم البائس والصلف، فيغادره بإرادة النبوءة المكتوبة وثيقةً يتركها لنا لِنَلِجَ بها حالاتَ تفكيرٍ لا ينقطع؟ تفكير ينبغي أن لا ينقطع؛ فـ" الجهل في معركة الحضارة" لن يؤي إلى نهاية مضاءة في آخر الأنفاق. وها إني أتذكَّر اليوم. أتذكّر لأنّ صخرتنا ما زالت ثقيلة ثقيلة. ما زالت تسقط وتسقط، لكنّ سقوطها الآن إنما على رؤوسنا مباشرةً، أما الوادي؛ فشدقٌ فاغرٌ بلا قاع.

وأن تطفو الذاكرةُ، أي ذاكرة ثقافية حقّة، بما تختزنُ عن أُناس كانوا بيننا ثم غابوا (غابَ حضورهم الجسديّ بالأحرى)، لتعيدَهم إلينا في مَرَّاتٍ ومَرَّات؛ فإنَّ في ذلك مدعاةٌ للتأمُل. تأملهم، وتأملنا، وتأمل أحوالنا.

غالب هلسا حياةٌ غنيّةٌ، زاخرةٌ، مليئةٌ. فلنتأمله. حياةٌ ربما مَنَحَت لقطعةِ العيَش الصغيرة (قضى غالب وهو في السابعة والخمسين) أكثر بكثير مما أخذَت. وأراني أقول، وقد ختمتُ "البكاء على الأطلال" للمرّة الثالثة: هذا هو سِرُّ غالب هلسا! أعطى أكثر مما أخذ. وسيستمر عطاؤه ما دمنا نواظبُ على قراءته خارج منابر الاستثمار الرخيص لسيرته.

* كاتب من الأردن

16