غاندي وتولستوي

الجمعة 2014/03/28

عن الكاتب الروسي العظيم، تولستوي صاحب الروائع من أمثال “الحرب والسلام”، كتب أحد النقاد يقول: “كان تولستوي الإنسان الأكثر حقيقيّة في عصره. وقد وُسمتْ حياته بجهد دائم، ومتواصل، ومضن من أجل البحث عن الحقيقة وتطبيقها في الواقع الملموس حالما يتمّ العثور عليها. لذلك لم يسع أبدا إلى إخفاء الحقيقة، أو التقليل من شأنها. بل عكس ذلك، فقد سعى دائما إلى إظهارها للجميع دون أيّ مساومة، أو أيّ شكل من أشكال التسويف. ولم تكن هناك قوة في العالم قادرة على إبعاده وصرفه عنها”. وأضاف نفس هذا الناقد قائلا: “وكان تولستوي أعظم داعية ضدّ العنف في عصره وبعده أيضا. ولا أحد في الغرب قبله أو بعده، كتب ضدّ العنف، وعنه تحدث بطريقة رائعة، وبفكر ثاقب وبعمق شديد، وبصفاء ذهنيّ نادر”.

والواضح ان الزعيم الهندي الماهاتما غاندي الذي ابتكر أسلوب المواجهة السلميّة لمقاومة الاستعمار البريطاني، كان قد تأثر مبكرا بتولستوي. ففي عام 1894، كان غاندي يعمل محاميا في جنوب أفريقيا. وكان يدافع عن الأقلية الهندية هناك ضدّ القوانين المجحفة التي كانت تسلطها عليها السلطات البريطانية. وفي تلك الفترة، اكتشف كتابا لتولستوي حمل عنوان: “مملكة الله فيكم”؛ وقبل أن يقرأ هذا الكتاب، كان غاندي يعتقد أن العنف هو الوسيلة الأساسية لمواجهة الظلم، والقهر. لكن ما إن أتم قراءته حتى تغيّرت أفكاره تماما، وأصبح ينظر إلى الواقع بنظرة مغايرة. فقد اكتشف أن المظلوم يمكن أن يواجه المظالم بوسيلة أخرى غير العنف. وهذه الوسيلة هي المواجهة السلميّة.

وقد أمضى تولستوي السنوات الثلاثين الأخيرة من حياته في نقد كل أنواع العنف، سواء العنف الذي تستعمله الدولة في مواجهة خصومها السياسيين، أو الذي تلجأ إليه الكنيسة لفرض سلطتها، أو ذلك الذي يشرّعه الثوريون لمقاومة السلطة. ففي عام 1899، ومن خلال روايته “البعث”، انتقد تولستوي الكنيسة الأورثوذكسية بسبب المظالم التي تسلطها على الناس باسم الدين. وعند اندلاع الحرب الروسية-اليابانية عام 1904، قاوم بشدة الموجات القومية، والشوفينية التي ساندت تلك الحرب. وعند اندلاع ثورة 1905، وجّه سهام غضبه إلى الثوريين الذين كانوا يحرضون أنصارهم على استعمال العنف والقوة لمواجهة السلطة الحاكمة. وفي عام 1908، أطلق تولستوي نداء حمل عنوان: “لم يعد بوسعي أن أسكت”، وفيه أعلن عن استنكاره للحكم بالإعدام الصادر في حقّ فلاحين ثاروا ضدّ ملاّك ألأراضي الكبار. ويقول غاندي إن تولستوي هو الذي ساعده على ابتكار نظرية “المقاومة السلبية” التي سمحت له بإنهاء الوجود الاستعماري في بلاده، والذي استمر ثلاثة قرون!

15