غاوي فقر

الأحد 2014/10/19

حلمت طويلا أن أسافر بالدرجة الأولى في أي شركة طيران، رحلاتي كلها كانت بالدرجة السياحية، بعد صعودي للطائرة أمرّ بالركاب المحظوظين في مقاعدهم الوثيرة.

بمجرد جلوسهم تسارع المضيفات إلى غسل وجوههم بالفوط الساخنة المعطرة، ثم يقدمن لهم مشروب ترحيب، ثم سناكس، ثم عصائر وخلافه، بعدها وجبة خفيفة وأخرى رئيسية، ثم فواكه وشيكولاته وحلويات، بالإضافة إلى الشاي والقهوة.

تسألني كيف عرفت تلك المعلومات، ولم يتسنّ لي السفر بالدرجة الممتازة، وأجيبك من الأفلام ومجلات السفر والسياحة، وإحدى قريباتي التي تعمل بشركة مصر للطيران.

مؤخرا سافر أحمد فخري صديقي المقرب إلى ماليزيا بدعوة من إحدى شركات الاتصالات، وكانت الرحلة كلها بالدرجة الأولى، لأنه ركب إلى دبي أولا، ثم إلى كوالالمبور ومثلها في العودة إلى القاهرة..

من ثمة فقد تمتع “أبو حميد” بوسائل الراحة والدلع والفخامة وما لذ وطاب من طعام وشراب، بالإضافة إلى المضيفات الحسناوات والأفلام الخاصة على التليفزيون الملحق بمقعده الوثير.

انتظرت على أحرّ من الجمر عودته، ليحكي لي بالتفصيل الممل عن دنيا السفر بالدرجة الأولى ومتعتها التي ليس لها حدود. بمجرد وصوله هاتفته طالبا اللقاء ليحكي لي عن رحلته.

اتفقنا على اليوم والساعة وذهبت مشتاقا وبي لوعة لمعرفة خبايا ألف ليلة وليلة بالطائرة كما تخيلتها. وبدأ أحمد يحكي عن ماليزيا وتجربتها الاقتصادية وتقدمها التكنولوجي.

قاطعته قائلا: “أنا لم آت إليك لتحدثني عن ماليزيا.. كلمني عن الدرجة الأولى والمقاعد الوثيرة والطعام الفاخر والتدليل الذي حظيت به من المضيفات الحسناوات”.

فوجئت به يقول لي إنها أسوأ مرة سافر فيها، فالدرجة السياحية مملوءة بالحياة، الناس ووجوههم تنطق بالبشر، وسعداء بالسفر، لأنهم إما ذاهبون لإجازة طال انتظارها أو إلى حجّ وعمرة، أو عمل بالخليج لتحسين مستواهم.

أما مسافر الدرجة الأولى فهم أشبه بـ”الروبوتات” كل منهم يحمل “لاب توب” أو ملفا هاما وأوراقا يدرسها، ليكون مستعدا للعمل الذي ينتظره. بعضهم يستغرق في نوم عميق، ليصحو مستعدا ليوم عمل شاق يبدأ من السابعة صباحا.

الأغنياء يسافرون مرتين أو ثلاث مرات أسبوعيا، بينما مسافرو الدرجة السياحية يسافرون مرة كل عامين أو أكثر.

ويقول أحمد لذلك تجد السعادة على وجوه ركاب الدرجة السياحية، بينما تكتسي وجوه ركاب الدرجة الأولى بطبقة شمعية، وتصرفات آلية ولا يظهر عليهم أي استمتاع بمظاهر الثراء والتدليل التي تحيطهم.

المفاجأة أن المضيفات -والكلام مازال لأحمد- يهربن من الدرجة الأولى للسياحية، ليشعرن بالحياة والحركة والصوت العالي والضحك وبكاء الأطفال. لم أجد ما أقوله له سوى: “أنت غاوي فقر، وإذا بعث الله لك ديكا روميا، ستحن إلى سندوتش الفول”.

24