غايات العمل الأدبي

الثلاثاء 2014/08/26

يثير السؤال عن غايات العمل الأدبيّ كثيرا من التجاذبات بين القرّاء والأدباء، ويعيد التذكير بكثير من المقولات حول الالتزام والأدلجة والحرّيّة. وبالانطلاق من التساؤل: ما الذي يبحث عنه القارئ في أيّ عمل أدبيّ؟ قد يجد الباحث نفسه أمام دائرة من السبل والغايات، وهي بدورها تحرّض على المزيد من الأسئلة التي من شأنها تسليط الأضواء على الجوانب المعتمة في الدواخل.

يطرح الأنكليزي تيري إيغلتون (سالفورد 1943) في كتابه “كيف نقرأ الأدب؟” العديد من الأسئلة التي تحدد مسارات بحثه وتنقيبه عن كيفية قراءة الأدب، من تلك الأسئلة: ما المواقف التي يتخذها القراء ودارسو الأدب إزاء شخصيات رواية ما؟ هل تكون الأحكام التي يصدرونها متماسكة أم يكتنفها اللبس والإبهام؟ ما شأن الصورة والرمز والبنية السردية في الرواية؟ هل تراها تعزز ما تشعر به نحو شخصياتها أم أنها تضعفه؟ ما الذي يتضمنه تفسير نص من النصوص؟ هل من نهج صحيح أو غير صحيح لذلك التفسير؟ أيمكننا أن نوضح أن تفسيرا ما أصح من التفسير الآخر؟ وهل يمكن أن يكون هناك شرح دقيق لرواية ما لم يسبق التوصل إليه أو لن يصل إليه؟ ما الشيء الذي يجعل من العمل الأدبي جيدا أو رديئا أو متوسطا ليس بالجيد ولا بالرديء؟

يشير إيغلتون إلى أهمية عدم الخلط بين الخيال والواقع، وإن كان هناك تقاطع بين الفن والعالم الواقعي تتجلى آثاره في الأعمال الأدبية والوقائع الحياتية. وعن القيمة التي تعطى للعمل الأدبي يذكر الكاتب أن هناك أجوبة عديدة شهدتها القرون المنصرمة، منها: عمق البصيرة، الواقعية، الوحدة الشكلية، نيل الإعجاب الشامل، التعقيد الأخلاقي، الابتكار اللفظي، الرؤية التخيلية، أصالة العمل وتعبيره عن روح الأمة. ويعتقد أن الفعل والسرد هما اللذان يجعلان العمل الأدبي استثنائيا.

لا يقتصر الأمر على سؤال كيف نقرأ، بل يتجاوزه إلى: كيف نكتب؟ كيف نستعرض ما نكتب؟ كيف نعيش ما نكتب؟ ولماذا نكتب ما نكتب؟ هل الرغبات والنزعات هي التي تدفعنا إلى القيام بفعل الكتابة أم أنّ هناك موجبات خارجيّة وإملاءات لا شعوريّة؟

قد يعتبر البعض أنّ العمل الأدبيّ هو غاية بذاته، ولا ينتظر غايات منه، انطلاقا من إضفاء الكمال عليه، ما قد يعني استلابه لرسائله الإنسانيّة المتجدّدة في فضاء الزمن، ومع كلّ قراءة في أيّ زمان ومكان. وقد يعتبر آخرون العمل الأدبيّ وسيلة لتحقيق ما هو أكثر من المتعة والفائدة، باعتباره جسرا بين العوالم، يهيّئ للتواصل والحوار، ويبدّد الأحكام المسبقة ويحطّم القيود المفروضة بالتوارث والتراكم لا بالتجربة والتبصّر. وبين تجاذب الرؤى يستكمل العمل الأدبيّ رحلته إلى الذات والآخر ناشدا التصالح والأمل.



كاتب من سوريا

15