غاية الشعر تحريضنا على الحرية

“الكتابة تغيّر الحياة، تروّس الوعي، وتدفع إلى التأمل، والشعر ضمير العالم، به نسير طبقات غامضة من الحياة ليست في متناول المعرفة العقلانية والذكاء المنطقي”، ربما تلخص هذه القولة الجميلة للبيروفي ماريو بارغاس يوسا، ما تحاول أن تطرحه رواية “هيا نشتر شاعرا” للكاتب البرتغالي أفونسو كروش الصادرة حديثا عن “دار مسكلياني للنشر”، من اندثار للقيم الأخلاقية والإنسانية واضمحلال لقيمة الفن والأدب والشعر والثقافة عموما. “العرب” التقت مترجم الرواية التونسي المقيم بالبرتغال عبدالجليل العربي، في حديث حول الترجمة وواقع الأدب.
الجمعة 2017/06/16
الشعر دائما عماد ثقافات الشعوب

تعد رواية “هيا نشتر شاعرا” نوفيلا جاءت في 76 صفحة فقط، في ترجمة متميزة من المترجم التونسي المقيم في البرتغال عبدالجليل العربي. وتعتبر لغة الضاد أول لغة أجنبية -حتى قبل الإسبانية- يترجم إليها هذا العمل الرائع.

“هيا نشتر شاعرا” هي صرخة فنية حارقة في وجه آلهة المجتمعات المادية الجديدة التي تقدس سلطة المال والأرقام وتهمش البشر، ورد إبداعي ناجع في مواجهة تغول العولمة ورأس المال.

وعبدالجليل العربي لمن لا يعرفه باحث ومترجم تونسي مقيم في البرتغال. يدرس الأدب العربي المعاصر في جامعة لشبونة. ويختص بالأدب البرتغالي بحثا وترجمة، وهذا ما حدا به إلى إعداد أنطولوجيا بالعربية للأدب البرتغالي المعاصر. وبالإضافة إلى رواية “هيا نشتر شاعرا” للكاتب البرتغالي أفونسو كروش، ترجم العربي رواية “ميتتان لرجل واحد” للكاتب البرازيلي جورج أمادو. وهو يعمل حاليا على ترجمة كل أعمال أمادو لأنه يعتبر أنها تحتاج إلى إعادة ترجمة إلى العربية. كما ترجم العربي رواية “ماراثون الخلود” لأندريه أوليفيرا، و”بائع الماضي” للكاتب الأنغولي جوزيه إدواردو أغوالوزا، الصادرتين عن “دار نون” بالإمارات. كما يعمل الآن على عدة ترجمات روائية ستصدر قريبا لكتاب مهمين مثل جوزيه سراماغو، وفالتر هوغوماي، وجوزيه لويش بايشوتو، وأفونسو كروش.

اختيار النص

ويشير عبدالجليل العربي إلى أن المحدد الأساسي لاختيار عمل ما لغاية الترجمة هو الإضافة الجمالية والأدبية التي تميزه، ومدى ملامسته لقضايا الساعة ورؤيته للمستقبل. فهو يقرأ كثيرا، ويواكب الدراسات النقدية عن الأعمال المنشورة وهذا يساعده كثيرا في عملية الاختيار. ويذكّر هنا بأنه ليس ممكنا ترجمة كل ما هو جيد وإنما الاختيار يقع في النهاية، وفق تقدير شخصي من ناحية وتشاور مع الناشر من جهة أخرى.

يقول العربي “أترجم عادة، حسب رغبتي الذاتية وميولاتي الشخصية وتقييمي الفردي للأعمال الأدبية. أما الترجمات تحت الطلب فلا أرفضها مطلقا، فعادة أغلب دور النشر تقترح أعمالا ممتازة كانت قد لاقت رواجا جيدا في لغة أخرى. صحيح أنّ التوفيق بين الأمرين صعب ولكنه في النهاية لا يتطلب مشقة في حسمه”.

اختيار ترجمة رواية (هيا نشتر شاعرا) لتصدر باللغة العربية قبل غيرها لم يكن مجازفة، وإنما إيمانا بأهمية الرواية

حول اختياره ترجمة رواية “هيا نشتر شاعرا” رغم أنها لم تترجم من قبل إلى أي لغة عالمية أخرى، وإن كان ذلك من قبيل المغامرة المحفوفة بالمخاطر، يقول المترجم التونسي “لم يكن اختيار ترجمة الرواية القصيرة ‘هيا نشتر شاعرا‘ لتصدر باللغة العربية قبل غيرها من اللغات مجازفة، وإنما إيمانا بقدرة الرواية، حال ترجمتها، على إشعاعها عربيا ولذا كان الإقدام على اختيارها من باب المنافسة لكسب سبق الترجمة إلى اللغة العربية والمساهمة في جعلها لغة جاذبة ومنافسة لغيرها في مجال الترجمة والقراءة، حيث كنت قد قرأت النوفيلا حال صدورها فانبهرت بها معنى وشكلا. وسارعت إلى اقتراحها للنشر وشراء حقوقها. فالنص القوي يفرض نفسه والدليل أنّ هذه الترجمة لاقت اهتماما نقديا عربيا متعددا منذ صدورها، قبل أشهر قليلة، والإقبال عليها من قبل القراء العرب متواصل”.

تعالج رواية “هيا نشتر شاعرا” اندثار القيم الأخلاقية والإنسانية واضمحلال قيمة الفن والأدب والشعر والثقافة عموما في المجتمعات الرأسمالية الحديثة التي يحكمها قانون العرض والطلب والعولمة التي تسعى إلى تسليع البشر وتشييئهم. ويرى عبدالجليل العربي أن غاية الفن عامة والشعر خاصة، تحريضنا على الحرية ودفعنا إلى التحرر من أشكال الاستعباد المختلفة ومنها سلطة المال وتسلطه. فقد جاءت هذه النوفيلا لتحتج على الوضع الذي تعيشه المجتمعات الحديثة التي غالت في إعلاء قيمة الاقتصاد مقابل تهميش قيمة الفرد والإنسان واختزاله في مجرد بضاعة ورقم وشيء.

ولمواجهة هذه التحولات كان ردّ أفونسو كروش الأدبي على ذلك باقتراح شراء شاعر كما تشترى أي بضاعة أخرى من المراكز التجارية؛ إذ تطلب طفلة من والديها شراء شاعر لها أسوة بالأسر الأخرى التي تشتري حيوانات وتجد في حضورها ألفة ورفقة وتسلية، فالشاعر غير مكلف ولا يترك أوساخا مثل الرسامين أو النحاتين. وما اختيار شاعر إلا دلالة على توجيه الاتهام الأخطر للمجتمعات المادية، فتغييب الشعر وتحييد الكلمة هما تنكّر لقيمة الإنسان بما هو خالق للمجاز والخيال والمستقبل.

الإضافة الجمالية

نسأل ضيفنا إن كانت هناك أعمال إبداعية أخرى للكاتب البرتغالي أفونسو كروش ينوي ترجمتها للغة الضاد؟ ليجيبنا بأنه يعمل حاليا على ترجمة رواية جديدة لنفس الكاتب صدرت منذ مدة قصيرة جدا وعنوانها “ليست الحيتان كلها تطير”، وهي تنطلق من واقعة حقيقية عرفت في أواخر الستينات والسبعينات من القرن الماضي بسفراء الجاز، إذ سعت المخابرات الأميركية سي اي اي وقتها لاستمالة الشعوب الشيوعية موسيقيا، فجندت عازفي جاز مشهورين ودعمتهم وعملت على ترتيب حفلات لهم في بلدان الاتحاد السوفييتي السابق، وحاولت تمرير رسائل مشفرة إلى تلك الشعوب تمجّد بأسلوب خفيّ القيم الرأسمالية الغربية.

مهمة صعبة

أما تفكيرها الفريد في اختيار موسيقى الجاز فكان الهدف منه ضرب عصفورين بحجر واحد؛ اختراق الشيوعية موسيقيا وتلميع صورة أميركا كبلد للمساواة والحريات وليست بلد العنصرية كما كانت تعرف، وذلك من خلال اختيار موسيقى الجاز وعازفي الجاز على اعتبار ارتباطه أساسا بزنوج أميركا.

نتطرق مع ضيفنا إلى الحديث حول ترجمة الشعر التي يرى أنها مغامرة صعبة ولكن عدم ترجمته ظلم وجحود. فالشعر دائما عماد ثقافات الشعوب. ولكن ضيفنا لم يتخلص بعد من رهبة ترجمته، فما أنجزه، كما يقول، لم يكن سوى ترجمة قصائد أعجبته ولم ينشرها. ولكنه لم يتخلّ أبدا عن مشروع ترجمة ذخائر الشعر البرتغالي، ليس لبيسوا فقط وإنما لشعراء آخرين رائعين مثل نونو جوديس، وصوفيا ميلو برانكو، وإربيرتو هيلدر، وميغيل تورغا وغيرهم كثير. ويقول “أقرأ كثيرا الشعر وخاصة المترجم للاستفادة والدربة والاستعداد”.

ترجم عبدالجليل العربي راوية “ميتتان لرجل واحد” للكاتب البرازيلي جورج أمادو الصادرة عن دار مسكلياني كما أنه بصدد ترجمة عمل آخر له، نسأله هنا عن خصوصيات التعامل كمترجم مع عوالم أمادو الفنية خاصة وأن هذا الكاتب معروف لدى القراء العرب في ترجمات عديدة؟

فيقول العربي “أعتبر ترجمة جورج أمادو وخاصة ‘ميتتان لرجل واحد‘ مغامرة لذيذة. فكتابات أمادو مازالت مطلوبة ومرغوبا فيها وليس لها مثيل، في حدود اطلاعي، في الأدب البرازيلي من حيث اعتمادها لغة بسيطة وشعبية وغنائية في ذات الوقت، فهو كان يصور الفقر والبؤس بطريقة تكاد تكون رومانسية، وانتصر للطبقات الفقيرة وكل المهمشين بشكل أدبي اتفق أغلب النقاد على فرادته وقوته. ورغم ترجمة بعض أعماله إلى العربية فإن الكثير من إنتاجه يحتاج إلى ترجمة أو إعادة ترجمة إلى العربية”.

ويلفت المترجم إلى أن هناك ترجمات روائية أخرى سيصدرها قريبا لكتاب مهمين مثل جوزيه سراماغو، وفالتر هوغوماي، وجوزيه لويش بايشوتو، وأفونسو كروش. ويعتقد أنها ستكون بدورها مفاجأة جميلة للقراء بالعربية.

15