غبطة متصلة

الخميس 2014/10/02

الأندلس ذاكرة لأجل المستقبل، ذلك اعتقادي الدائم بالنسبة لنا كمغاربة على الأقل، الجوار الملتبس بانتكاساته، ومواعيده الخاطئة، لم تعن يوما أن الأميال القليلة بيننا، علامة على مفارقة حضارية. وحين جلست للمرة الأولى إلى محاضرات البروفيسور “رامون روبيو ضوميني” الخبير في النقوشات الجبسية والرخامية بقصر الحمراء، كان يتحدث في كلامه عن تراث المغاربة في المملكة النصرية بغرناطة، متحاشيا الحديث عن العرب والإسلام بصيغة التعميم الفضفاض.

تحدث طويلا عن مسار الترميمات الخاطئة للمعمار المغربي في الأندلس، كانت أمامه لوحة جبسية لعبارة ناقصة هي: “الحمد لله على نعمة الإس″ كانت هي النموذج لبيان تقنيات الترميم في برج “قمارش”؛ كنا ثمانية خبراء مغاربة في التاريخ والعمارة والثقافة الأندلسية، استوقفتنا طبعا اللوحة الناقصة، لكنه كان منهمكا في الحديث عن القطعة الجبسية باعتبارها مثالا للموتيفات المرممة، قلنا له إن العبارة لا معنى لها، الأصل هو: “الحمد لله على نعمة الإسلام”.

لكن بالنسبة إليه لم تكن العبارة الكاملة ذات أهمية، المعنى شيء ثانوي، الأهم هو الجملة الناقصة التي تبين النموذج المرجعي للنقش الذي قيس عليه الترميم. وهكذا تطبعنا على قراءة عبارات بدون معنى، من قبيل: “عز لمولانا السلط” و”برك” و”العز والتم” و”حر” و”مقام الجزي”.. كنا لأسبوعين كاملين نمضي ساعات الصباح في محاضرات نظرية، عن النقصان الدلالي الذي يوازي الاكتمال الموضوعي، ونقضي المساءات في غرف وفناءات قصر الحمراء، متتبعين خرائط الأصول والنسخ، وفي الليل كان يحلو له أن ينقد انفعالاتنا، ونحن نستظهر معارفنا من أبيات شعرية وآيات وأدعية وأسماء ملوك، عن القطع المرجعية وتلك المرممة في نقوش “المشور” و”قاعة السفراء” و”باحة الأسود” و”برج قمارش”…

لم يكن “رامون” يعرف العربية، كانت الكاليغرافيا بالنسبة إليه أهم من المعنى، لهذا لم يستسغ أن نحاول جرّه إلى استحالة نجاح ترميم قطعة زخرفية ما دون فقه لمعناها. وفي لحظة ما قال لنا: أتدرون أن مئات الخبراء في قصر الحمراء من جامعة غرناطة وغيرها من الجامعات الإسبانية يتقنون العربية؟ لكن خبير الزخارف من الأفضل ألا يكون متقنا للعربية، سيشوش المعنى على رغبة الوصول إلى فقه الأصل، لكن عبارة أساسية كان تستوقفنا هي “غبطة متصلة” لأن أغلب لوحاتها لم تكن أصلية، بقيت نماذج قليلة في جناح الحريم ومنظرة البرطال، وقصر جنة العريف.

كنا نلتئم ليلا في مطعم “لاميمبرا” القريب من القصر، “لا ميمبرا” هي السفرجل، أي “التفاح الناقص”، كما أن “لالامبرا” هي “قصر الحمراء الناقص”، كانت تداعيات الأفكار تأخذنا إلى رمزيات التخريب، إذ لا يمكن تشييد نظرية للعمارة دونما وعي لفقه الخراب، كانت الليلة الأخيرة في الأيام الدراسية في 30 من يونيو، يوم سقوط حكم الإخوان في مصر، لم يفهم “رامون” حماسنا الزائد لترديد عبارة: “غبطة متصلة”.


كاتب من المغرب

15