غدا سيكون مؤنثا عرض مسرحي فرنسي يتخيل حال البشر بلا تكاثر

الأحد 2017/10/08
يبشر العرض بولادة نوع بشري جديد لا يهدف الجنس فيه إلى التكاثر

مازال الكاتب الفرنسي ميشيل هولويك ذو الواحد والستين عاماً يثير الضجة عبر وسائل الإعلام ويشعل ساحات النقد الأدبي، فآراءه الجارحة ورواياته المليئة بالإباحيّة والجنس تثير حفيظة الكثيرين، كما أن آراءه العنصرية فيما يخص اليهود والمسلمين والمرأة جعلته دوماً معرّضاً للانتقادات من قبل ناشطي المجتمع المدني وللدعوات القضائية التي خرج منها منتصراً كون ما يقوله يندرج تحت حريّة التعبير، إلا أن كل ذلك لا ينفي فرادته الأدبية وسخريته الجارحة من القيم الغربية، فهو عدوّ الشعب المكروه لكن رواياته تعتبر علامة في الأدب الفرنسي المعاصر إذ حاز عام 2010 على جائزة الغونكور وعام 2015 صدرت له رواية “خضوع” المثيرة للجدل.

تشهد خشبة مسرح الأوديون في باريس عرض “العناصر الأوليّة” من إخراج الفرنسي جوليان غوسلين، المستوحى من رواية هولويك التي تحمل ذات الاسم والصادرة عام 1998، العرض الممتد لثلاث ساعات ونصف الساعة أُنتج للمرة الأولى عام 2013، وكان من أهم العروض التي شهدها مهرجان أفينيون ذاك العام ويعود هذا العام مرة أخرى للأوديون لنرى أنفسنا أمام حكاية عن الإحباط الجنسي والتطور العلمي ومستقبل البشريّة في يوتوبيا ينتصر فيها العلم على الأنظمة الماورائيّة.

العرض يحوي الكثير من الاشتغالات المسرحية والخيارات الإخراجية واختلاف مستويات السرد وإعادة تفكيك النص الأصلي والانتقال بين الزمنين الماضي والمستقبل، وتداخل الرواة والشخصيات والأنواع الفنيّة والتي يصعب الحديث عنها كلها، فالعرض كالرواية يوظف العديد من المرجعيات الفنية والمسرحية والسياسية لتقديم رائعة بصريّة وفكرية تترك المشاهد متشبثاً بمقعده.

يتتبع العرض قصة الأخوين غير الشقيقين برونو كيلمانت ومايكل دجيرزينسكي الذي اختفى في أيرلندا آخر حياته، الاختلافات بينهما من حيث التربية والنشأة والإحباط الجنسي بوصفها نتاجا اجتماعيا

ربما هي مصادفة أن يتم تأجيل العرض الأول من المسرحية بسبب مشاركة القائمين على مسرح الأدويون في الاحتجاجات ضد التعديلات الجديدة على قانون العمل في فرنسا، فالمسرحية تنتقد بشدة بنية المجتمع الغربي واقتصادياته منذ خمسينات القرن العشرين وحتى الآن، وتمتد لانتقاد مفهوم الإنسانية والانفتاح الجنسي الذي حدث في الستينات والسبعينات من القرن الماضي وانتشار “الهيبيز”، وكأن ما حدث خدعة تركت الكثيرين أسرى الإحباط الجنسي، وجعلت الفرد يضيع في دوامة من الإباحيّة التي تبدو ظاهرياً تسعى لتحرير الفرد إلا أنها عمّقت سطوة السلطة وسيطرتها على الأفراد.

كما يركز العرض على سطوة التطور العلميّ الذي شهده القرن العشرون ما أدّى إلى تداعي الكثير من المفاهيم المرتبطة بالفرد ودوره في المجتمع، وخصوصاً مع تطوير تقنيات الاستنساخ التي هددت دور الفرد الأهم، وهو التكاثر الذي يحاول العرض أن يدرس تأثيراته إن لم يعد موجوداً في حياتنا.

يتتبع العرض قصة الأخوين غير الشقيقين برونو كيلمانت ومايكل دجيرزينسكي الذي اختفى في أيرلندا آخر حياته، الاختلافات بينهما من حيث التربية والنشأة والإحباط الجنسي بوصفها نتاجا اجتماعيا، ما دفع دجيرزينسكي أن يصبح عالم أحياء ذريّة يكتشف تقنية قادرة على إلغاء الجنس من حياة الأفراد وجعل التكاثر يحدث ضمن المخابر، ويرصد العرض أيضاً تأثير الأحداث المختلفة في فرنسا على حياة الاثنين وذلك منذ ثورة ستينات القرن العشرين حتى كأس العالم عام 1998 الذي حازته فرنسا، كما يسخر من العديد من الموضوعات الدينية والاجتماعية بفحش ولعب إباحي لشرح فشل النظام الإنسانوي والتبشير بنظام جديد يكون للعلم فيه الدور الجوهري في تحرير الإنسان.

يبشر العرض بأنه عام 2076 سيشهد مسرح الأوديون عرضاً جديداً، وفيه سنشرب نخب نوع بشريّ جديد، ذاك الذي يكون الجنس فيه لا يهدف للتكاثر بل فقط للمتعة ما يحرر الفرد من هيمنة الحفاظ على النسل ليكون الجميع حينها في فضاء مؤنث ذي لذة لا متناهية لا تضبطها الصيغة التطورية الذكورية المحدودة بلحظة الإنزال، هذا الإنسان الجديد من المفترض أن يُشكّل قطيعة مع ما سبق، كون الاكتشاف العلمي سيكون نقلة ميتافيزيقية حسب تعبير هولويك، تغييراً في كافة أشكال الحياة أشبه بالتغيير الذي سببه اختراع الدين، لتصبح الأخوة هي معيار العلاقة بين الأفراد لا شهوة الجنس والامتلاك.

ينتهك العرض الصيغة الأدويبيّة التقليديّة التي تُعتبر أساس العلاقات الأسريّة والتي تنعكس على التشكيلات الاقتصاديّة والاجتماعية والسياسية بحيث يكون الجنس محركاً لها، و يرى أن الانفتاح الجنسي فشل في تدمير صيغة علاقات الهيمنة هذه، ويتنبأ أنه بمساعدة التطور العلمي سنصل إلى إنسان لم يخلق من تراب ولا يعرف الخلاص اليوتوبي الديني، بالتالي هو متحرر من الذنب والخطيئة الأولى ولا يرى في ذريته خلوداً فردياً له، لتغدو العلاقات الجسديّة لا اقتصاديّة كونها بلا تكاثر ما يؤدي إلى كسر احتكار النسل من قيود الأسرة، ليطرح تساؤلات واحتمالات عن الأشكال الجديدة للعلاقات حيث الجميع فيها متساو، والاختلاف الطبيعي لا دور له، فلا خطابات هيمنة ناشئة عنه سواء ذكورية أم نسوية، ببساطة عالم بلا آباء.

كاتب من سوريا

13