غدا صباحا تدخل الرواية إلى المطبعة

يحتاج الكاتب دائما إلى الحذف والتعديل ليخرج عمله الأدبي سواء أكان شعرا أم سردا أم نثرا أم غيرها من أجناس الكتابة، في صورة متماسكة للقارئ. ولكن لعبة الحذف والتعديل قد تفسد النص في شحنته الأولى وتضيّع الكثير من طاقته. “العرب” حاورت الروائي الأردني الشاب حول عمله الروائي الأخير “مقهى البازلاء”.
السبت 2016/07/16
أخلص للجانب الفني وأحترم ذكاء القارئ

في روايته “مقهى البازلاء”، يروي القاص والروائي الأردني الشاب عثمان مشاورة عبر فصولٍ متناوبة، مختلفة زمنيًا، حكاية المتقاعدين العسكريين في بلاده، انطلاقا من مقهى يكتنفه الغموض واللبس، مقهى اختار له المؤلف اسم “مقهى البازلاء”، ليقدم لنا السارد في عمله الروائي الثاني رواية مختلفة في طرحها وشكلها، حيث تبدأ القصة من صورة الغلاف، لوحة لبيكاسو، ومن العنوان الصادم في تركيبته.

عقيد متقاعد

يقول مشاورة إن روايته “مقهى البازلاء” الصادرة حديثًا عن “دار إبداع للنشر” في القاهرة، أخذت منه جهد أربع سنوات ونصف السنة، مضيفًا “طبعًا لم يكن جهدًا متواصلًا بالكتابة اليومية، وإنما هذا الوقت من بداية التأليف وحتى يوم أطلت أول نسخة برأسها من المطبعة هو الوقت المحسوب لإنجاز الرواية، شرط ألا تكون مهملة في درج المكتب لوقت طويل. ولآخر لحظة قبل النشر كنت لا أزال مترددا، إذ بعثت للناشر رسالة نصية أسأله فيها “هل دخلت الرواية إلى المطبعة؟”، فأجابني “غدًا صباحًا”. فقلت “ممتاز لأنني أرغب في البعض من التعديل الإضافي”. ثم صرخ “ليس من جديد!”، لكنه وافق في نهاية الأمر، شرط أن يكون ذلك آخر طلب تعديل أقوم به. لكن لو استمر الوضع على ما كان عليه، لبقيت طوال عمري أكتب الرواية ذاتها، وربما بعد أن أفارق الحياة، ليجدها البعض من الأصدقاء المقربين فرصة مؤاتية للتّرحم علي ونشر مخطوطي، وقد لا يقرأ الرواية بعد ذلك سواهم، وهذا في أحسن الأحوال”.

تتناول رواية عثمان مشاورة “مقهى البازلاء” ما جرى مع عقيد متقاعد، أخيرا، من الجيش الأردني من أحداثٍ مهمة وحاسمة، كان على رأس عمله، لكنه فوجئ عندما قدِم نشيطًا وسعيدًا إلى عمله، كقائدٍ للكتيبة الخامسة، ذات صباح، بكتاب استقالته ملقىً أمامه بشكلٍ منفرد فوق المكتب.

وفي تقديمه للرواية، التي تمتد على 326 صفحة من الحجم المتوسط، لقراء “العرب”، يقول مُحاورنا “كثيرًا ما كنت أتجاذب أطراف الحديث مع سائقي التاكسي، أو حراس مجمعات تجارية كبيرة، لأتفاجأ بأنهم متقاعدون عسكريون، وبرتبٍ محترمة، أحدهم كان برتبة عميد، ويقود تاكسي أجرة. ولقد تواصلت مع الكثير منهم، وكنت ألاحظ أن شيئًا ما مطبوع على وجوههم، بشعار مائي، مازال الكثير منهم يلعب دوره كضابطٍ قدير؛ فالمشية منتصبة، والكلام قليل، والذقن محلوق بصورة يومية، والكآبة مختلطة بالحزن. وقد كتب الآخرون مقالات وتحليلات مطولة عن هذه القضية بلا شك، واطلعت على البعض منها، لكني كتبت رواية في نهاية المطاف”.

في الرواية رجعات مختلفة إلى أزمان سحيقة من حياة الشخصية الرئيسة، وكذلك استباقات وتداخلات زمنية مختلفة

بسؤاله عن الشواغل التي اشتغل عليها في منجزه السردي هذا؟ يجيبنا عثمان مشاورة “أنا قلق جدًا على مستوى روايتي الفني، لأنني لا أكتب حكاية، وربما هذا سبب آخر لكل ذلك الوقت المخصص لإنجازها، إن الكلمة الواحدة في النص تعني لي الكثير، وهذا أمر متفق عليه عند الكتاب الذين يحترمون إبداعهم، أحيانًا كثيرة أنتظر الظرف المناسب، أعني أني كثيرًا ما أتردد في اختيار الظروف الزمانية والمكانية وكذلك الأفعال والصفات. وقبل النشر قمت بقراءة الرواية أكثر من خمسين مرة، على فترات متباعدة نوعًا ما، وفي كل مرة أقوم بالتّعديل، وصدقًا شعرت بسعادة لا حد لها وأنا أحذف أحب المقاطع إلي، وهي السعادة التي تحدث عنها البعض من الكتاب المتمرسين، وأحيانًا كثيرة كنت أقرأ النص بصوتٍ مسموع، لأن المعلومة القادمة عن طريق السمع تختلف عن تلك القادمة عن طريق البصر”.

الرواية لا تضاهى

يشير مشاورة إلى أنه حاول مرارًا تغيير الراوي، قائلًا “جربت الراوي المُشارك، ثم العليم، ثم المخاطب، وفي نهاية المطاف خرجت بتوليفة من العليم والمشارك، فقد انقلب العليم ليكون مشاركًا، والمشارك أصبح عليمًا، وهكذا دواليك، رغبت في أن أدخل القارئ في تلك اللعبة التي لا تتوقف عن الدوران في رأس العقيد المتقاعد (نايف صالح). ووجدتني ألجأ إلى كل الشواغل السردية المتاحة، فزمن الروي يمتد من 2006 إلى 2011 لكن زمن الرواية أكبر من ذلك بكثير، في الرواية رجعات مختلفة إلى أزمان سحيقة من حياة الشخصية الرئيسة، وكذلك استباقات وتداخلات زمنية”.

ويتابع ضيفنا “بسبب خلفيتي القصصية، حاولت اختزال ما أمكن اختزاله، على صعيد البناء طبعًا، فأنا لا أُحب الإسهاب، حتى لو كانت الرواية تتحمّل ذلك، لكن ضمن الحدود، استخدمت أنواعًا كثيرة من الحوار، فالحوار يقدم تقنية رائعة لرسم الشخصية وتفاعلها مع المكونات الأخرى، لا سيما من الداخل. لنقل إني حاولت جاهدًا أن أخلص للجانب الفني من الرواية، وأحترم ذكاء القارئ”.

الرواية فن لا يضاهى

نتابع حوارنا مع الروائي عثمان مشاورة ونسأله عن مدى اختلاف تقنـيات كتـابة الرواية عن القـصة ولا سيـما أنه كـتب هـذين الجنسين الأدبيين؟ ليجيب ضيفنا بأن القصة القصيرة يفضحها اسمها، فكما أن الانقباض قد طالها بالمجمل، فإن كل شيء فيها قد طاله الانقباض بالمجمل أيضًا، فإن احتملت الرواية أساليب من الحوار مختلفة ، وتعدد الشخوص وكثرتها وامتداد الزمن وتداخله، فإنك لن تجد ذلك في القصة القصيرة، فهي تكاد تكون أحادية الحدث والزمان والمكان، وهكذا وصولًا إلى كل شيء في بنائها.

ويلفت مشاورة إلى أن هناك من يتهم القاصين الذين اتجهوا إلى الكتابة الروائية بالإصابة بما يسمونه متلازمة الاستسهال أو وبصورة تهكمية أكثر “الإسهال الأدبي”. فإن كتب القاص رواية، فذلك حسب رأيه لا يعني أبدًا أنه قتل القاص القابع بداخله، بل بالعكس، إن الأمر أشبه بالرّزمة، فالقدرات القصصية لديه تعمل بشكلٍ رائع جدًا في إنتاج روايته المنشودة. والقاص، كما يرى ضيفنا، الذي دخل إلى مضمار الرواية يكون متمكنا من أدواته السردية أكثر من ذلك الذي دخل إليها من خلفيات أخرى ككتابة الشعر أو المسرح أو المقالات.

ويتابع مشاورة حديثه موضحًا أن الرواية عمل إبداعي صعب جدًا، كما هي القصة أيضًا، فالاختزال والتكثيف ليسا بالأمر الهين.

ويعتبر صاحب “مقهى البازلاء” أن الرواية فن لا يضاهيه فن آخر، حتى أفضل الأفلام الروائية، فمهما زاحمت الفنون الأخرى الرواية، تبقى الأخيرة شيئًا منفردًا ورائعًا جدًا. ودعني أتبجح أكثر، لأقول إن القصة لا تساوي الشيء الكثير مقارنة بالرواية؛ قد تُسبب لك قصة قصيرة، مكتوبة بشكل رائع، لسعة في دماغك فور الانتهاء منها، لكن الأثر الذي تتركه رواية ما هو أشبه ما يكون بالوقوع في دوامة، لا ينجو المرء منها في أحيانٍ كثيرة.

وبناء على نظرية الدمية الروسية أو الصندوق الصيني، قد تكون القصة القصيرة جزءًا صغيرًا في متن الرواية، ولك أن تتخيل مفعول العشرات من القصص القصيرة الذائبة في بعضها البعض، في جرعة واحدة.

15