غدا لا يأتي أبدا!

تتنوع السلوكيات المزعجة لتصطبغ بها جميع ميادين حياة الناس، من الحافلات والقطارات التي تصل متأخرة عن موعدها الأصلي بساعات، إلى الأصدقاء الذين يغدقون الوعود ولا ينفذونها، إلى زملاء العمل الذين لا يلتزمون أبدا بواجباتهم.
الجمعة 2019/08/23
ميادين الحياة كلها مصطبغة بالسلوك المزعج

“لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد” مقولة مأثورة، يتداولها الناس بكثرة في المجتمعات العربية، ولكنهم لا يطبّقون في الغالب المعنى الحرفي لها، إذ تروق لمعظمهم المماطلة والتسويف وعدم دقة المواعيد والإخلاء بالوعود، وإرجاء عمل اليوم إلى الغد.

استحضر هنا مثالا بسيطا حول “قاموس أكسفورد للغة الإنكليزية”، وكيف تم الإعلان في العام 1860 عن أنه سيكون جاهزا خلال عامين، لكن العمل الفعلي فيه لم يبدأ إلا بعد خمس سنوات، ولم يتم الانتهاء من العمل في هذا الإصدار إلا في عام 1928، وبذلك كانت معظم مفرداته وتعبيراته غير مواكبة للغة السائدة آنذاك، ما دفع المحررين إلى البدء في إعداد نسخة منقحة ومزيّدة منه في عام 1989.

يُظهر هذا المثال كيف يمكن أن يتحول أسلوب التسويف والمماطلة – بغض النظر عن الأسباب الحقيقية لذلك- إلى سلوك مزمن، قد يجعل أصحابه يرجئون مهامهم على الدوام، رغم العواقب الوخيمة التي قد تترتّب على عدم احترام الوقت وتجاوز المواعيد المحددة لاستكمال العمل.

خلال تجربتي في لندن لا أنكر أنني صادفت نماذج من أشخاص يحاولون اختلاق الأعذار، بهدف التنصّل من مسؤولياتهم، كما أن المواعيد بالنسبة إليهم عبارة عن مساحة مفتوحة وغير محترمة، وهذه فئة قليلة لا يمكن القياس عليها، لكنني تعرّفت أيضا أثناء عملي كصحافية إلى الكثيرين الذين أثبتوا لي بالفعل ما معنى أن تكون شخصا موثوقا به ودقيقا في مواعيده، ومحترما لعملك ومقدّرا لعلاقاتك مع غيرك.

هنا في لندن، إنْ تأخّر أحدهم عن الوقت المحدد لإلقاء محاضرة سيغادر الحاضرون على الفور المكان، الواحد تلو الآخر، وسيشعرون بالاستياء لأنه أهدر وقتهم، لكن الأمر مختلف في معظم مجتمعاتنا العربية، فعلى الأرجح سيشعرون بالبهجة والامتنان لأنه لم يأت.

احترام المواعيد في معظم المجتمعات الغربية، يمثل ترجمة حرفية لمقولة “الوقت من ذهب”، فالوقت بالنسبة إليهم مورد قيّم ومحدود وينبغي الحفاظ عليه وعدم إهداره، في حين يستخفّ العرب إلى حد ما بقيمة الوقت، فعندما نقصد على سبيل المثال، إحدى الإدارات للحصول على وثيقة ما لا نسمع سوى “عُد غدا وستجدها جاهزة”، وقد يعني ذلك غدا أو بعد أسبوع أو ربما بعد شهر أو أكثر، وإذا قال أحدهم إنه سيقابلنا في الساعة الواحدة فإنه قد يصل في الساعة الثانية أو لا يأتي أبدا، رغم أن احترام الوقت ليس من كماليات الحياة، بل ينمّ عن السلوكيات المتحضرة والراقية التي تعكس الكثير عن شخصيات أصحابها.

وتتنوع هذه السلوكيات المزعجة لتصطبغ بها جميع ميادين حياة الناس، من الحافلات والقطارات التي تصل متأخرة عن موعدها الأصلي بساعات، إلى الأصدقاء الذين يغدقون الوعود ولا ينفذونها، إلى زملاء العمل الذين لا يلتزمون أبدا بواجباتهم ويلقون باللوم على غيرهم، أو يتعللون بضيق الوقت، من أجل التنصّل من التزاماتهم، والأسوأ من هذا أن البعض يتمادون في المماطلة ويستمرون في البحث عن أعذار لتجنب القيام بمهامهم رافعين شعار “الله غالب”. وأحيانا تكون هذه الأعذار حقيقية، ولكنها في الغالب مجرد ادعاءات يخلقونها من أجل تبرير عدم القيام بالمهمة المنوطة بهم، وفي جميع الأحوال يعطي ذلك انطباعا لغيرهم بأنهم غير جديرين بالثقة، وعاجزين عن الوفاء بما يقولون إن بوسعهم القيام به.

هذا الأسلوب في التسويف والمماطلة لا يمارسه الأشخاص العاديون فحسب، بل هو ثقافة اجتماعية متجذّرة لدى عامة الناس بمن فيهم السياسيون، الذين ترهقهم كثرة المتطلبات الاجتماعية، فلا يحاولون وضع خطط واستراتيجيات لحل المشاكل الآنية، ويمارسون هدر الوقت، في انتظار المعجزات التي لا تأتي.

من بين التجارب التي يمكنني الحديث عنها في هذا السياق، ما واجهته أثناء محاولة إجراء حديث عبر البريد الإلكتروني مع أحد المسؤولين العرب الذي أبدى حماسا واستعدادا كبيرين لذلك، لكن كلما سألت المكلف بالإعلام عن موعد إرسال الأجوبة يؤكد أنها ستكون جاهزة غدا، وكأنه يحاول أن يبقيني رهينة لانتظار الغد الذي لا يأتي عنده أبدا! من دون أن يتأمّل عمق تفكيري في هذه المسألة، بل على الأرجح أنه لا يدرك حجم الضرر الذي قد يسببه الإخلال بالالتزامات وعدم الدقة في المواعيد في ما يتصل بعلاقاته مع الآخرين، ومخلفات ذلك على مسيرته المهنية.

يبقى السؤال؛ هل التسويف جعله أفضل في أداء وظيفته؟ الإجابة هي على الأرجح لا. لكنني لست في حاجة أيضا للتركيز على هذه المسألة بشكل أكبر من حجمها.

21