غرائب وعجائب التليفزيون المصري

الأربعاء 2015/05/13

من آفات التليفزيون المصري، أنه لم يشهد تطورا في الأسلوب والنهج بل والشكل أيضا، منذ تأسيسه حتى يومنا هذا. صحيح أن الصورة أصبحت “بالألوان”، بعد أن كانت باللونين الأبيض والأسود فقط حتى منتصف السبعينات، وصحيح أن الإمكانيات المادية زادت، وأصبح هناك بدل القناة الواحدة في الماضي، أكثر من ثلاثين أو أربعين قناة حكومية بما في ذلك قنوات تتخصص في إعطاء دروس تعليمية للتلاميذ والطلاب على نحو لا مثيل له في أي مكان في العالم، فهو خلط مضحك بلا شك، بين دور وزارة التعليم، والتليفزيون كجهاز إعلام.

وإن كنت لا أحب كلمة إعلام لأنها تذكرني على الفور بفكرة الدعاية الحكومية، فليس من المفهوم بالضبط إعلام لمن ومن قبل من، ومن الذي يريد أن يُعلم، ويعلم من بماذا؟!

وكلها أسئلة لا نسألها لأنفسنا بل اعتدنا فقط تكرار كلمة الإعلام والإعلامي والإعلامية، دون أن نفهم ما هو مفهوم هذا الإعلام بالضبط، وهل الإعلام يأتي من قبل الحكومة أم أصحاب رءوس الأموال الذين يمتلكون حاليا عشرات القنوات الخاصة؟

قد يكون هذا موضوعا آخر يستحق التوقف أمامه، أما موضوع هذا المقال فهو كيف يصر التليفزيون المصري على التوقف عند زمن معين، أي حقبة الستينات، سواء في مواده وبرامجه، أو في أسلوب المذيعين والمذيعات.

انظر مثلا إلى نشرات الأخبار ستجد أن كل المذيعين والمذيعات الذين يقدمون نشرات الأخبار مصابون بحالة من التجمد والتكلس والجمود الذي يبدو على وجوههم، وكأنهم يقفون في طابور عسكري في وضع الانتباه، يخشون أن تتحرك عضلة واحدة في وجوههم، وإلاّ تعرضوا للعقاب الصارم المباشر.

لا شك أن لغة الجسد كما تعرف، أي تعبيرات الوجه والإيماءات الخاصة التي تضفي طابعا “إنسانيا” على المذيع والمذيعة، أصبحت منذ فترة طويلة، علامة مميزة تساعد المشاهد على متابعة ما يستمع إليه ويشاهده من أخبار وتقارير.

أما سمتا الجمود والتحجر البادي على وجوه كل المذيعين، وحظر الابتسام تماما عليهم، هو شكل يعادي الفطرة، ويجعل المذيع مجرد “روبوت”، أو آلة صماء تردد كلاما لا يتفاعل معه المشاهد وربما لا يفهمه.

المشكلة أيضا أن نشرات الأخبار مازالت تبدأ بأخبار الرئيس، ثم رئيس الحكومة، ثم الوزراء، والتعليق على الأخبار في برامج “التووك شو” اليومية، تصر على “التلقين”، أي تلقين المشاهدين مثلا كيف أن الدولة تواجه مؤامرة، وأنها تبذل كل ما لديها من إمكانات، وتكرار الحديث عن الإنجازات اليومية التي تتحقق على الأرض، في حين لا يرى الناس شيئا ملموسا على أرض الواقع، وكأن تكرار الحديث كفيل بتغيير الواقع.

وعندما يقدم المذيع أو المذيعة ضيفا له علاقة بالسينما أو المسرح أو الغناء من مصر أو العالم العربي، لا يتم تقديمه مثلما يتم تقديم أي مشتغل بهذه الفنون من الأجانب، فعادة ما يقال “الفنان” و”الفنان الكبير” و”الفنانة” في حين أن المتبع مع الأجانب أن يقال “الممثلة الأميركية” أو “المخرج الفرنسي”.

فلماذا تصبح لبلبة مثلا “الفنانة لبلبة” بينما تظل أنجلينا جولي “الممثلة الأميركية أنجلينا جولي” أو “النجمة” في أفضل الأحوال، أو يُقدم المخرج السينمائي داود عبدالسيد مثلا باعتباره “الفنان داود عبدالسيد”، في حين يقال المخرج الفرنسي كلود ليلوش.

وهل “الفنان” أكبر من التخصص؟ أي هل صيغة الإطلاق أفضل من صيغة التخصيص، أي وصف الشخص بـ”المغني” أو “المطرب” أو “المخرج”، أم أننا أصبحنا جميعا “فنانين” دون أن ندري.

كاتب وناقد سينمائي من مصر

16