"غرابة في عقلي" رواية صراع الأجيال وتطور المدن

الأحد 2016/05/22
أورهان باموق: رواياته تحقق مبيعات كبيرة في تركيا

في كتاب البروفيسور عثمان كمال كَيْرَا بعنوان “رواية ثلج: من زاوية اللغة والأسلوب” يقدّم الأكاديمي التركي أدلته على حالة التكرار والتراكيب العجيبة التي يستخدمها أورهان باموق في رواياته متخذًا من رواية “ثلج” نموذجًا، ومن ثمّ ينتهي إلى نتيجة صادمة لقرَّاء أورهان باموق مفادها “أن باموق صاحب أسلوب يَدفع بقارئه إلى السأم والملل”، وكأن لسان حاله يقول: كيف حصل على جائزة نوبل مَن لديه هذا الأسلوب؟

في الحقيقة ملاحظة البروفيسور كمال كَيْرَا، رغم أهيمتها وشيوعها بعض الشيء في أوساط غير المتحمسين لأديب نوبل من الأتراك، تعود في المقام الأول إلى الخلفية الأيديولوجية التي يعتنقها كيرا ومَن يناصروه الرأي؛ حيث كتابات باموق لا تروق لهم تمامًا، وهو ما حدا بالقليل إلى اتهامه بإهانة الدولة، كنوعٍ من المعارضة الصَّريحة لآراء باموق السِّياسيّة خاصة في مسألة الأرمن، وموقفه الأخير الداعم لقضية الأكاديميين الذين تمّ تحويلهم مؤخّرًا إلى المحاكمة، ورفضه لهذه المحاكمات التي يراها تعصف بحرية الرأي والتعبير .علاوة على تناوله القضايا الاجتماعية في تركيا بجرأة شديدة جعلت كثيرين يقولون إن ما يُقدِّمه باموق في كتاباته ليس معبرًا عن واقع الشخصية التركية، وإنما هو خيال كاتب يُداعب الغرب بإثارة قضايا قوميَّة، وهو ما تحقّق بحصوله على جائزة نوبل وهو في سن الـ54 عامًا.

على الجانب الآخر تُحقّق كتابات باموق مبيعات كبيرة داخل تركيا حيث وصلت، في آخر رواية له صدرت في فبراير 2016 بعنوان “المرأة ذات الشعر الأصفر”، إلى 200 ألف نسخة في طبعتها الأولى، وهي رواية يعود فيها إلى إسطنبول من جديد في فترة الثمانينات، وإن كان زاوج في أحداثها بين أسطورتي الشرق (رستم وسهراب) والغرب (أسطورة أوديب) في توليفة تعيد مجدًّدا إلى الحياة الأدبية صراع الآباء والأبناء الذي ينتهي إلى القتل سواء على المستوى المعنوي أو المادي.

الرجل ليس هو الأسلوب

مَن يقرأ روايته قبل الأخيرة “غرابة في عقلي” التي صدرت ترجمتها العربية حديثًا عن دار الشروق (القاهرة) بتوقيع عبدالقادر عبداللي، والتي يستعير عنوانها من بيت من قصيدة الشاعر الإنكليزي ويليام ووردزوورث يقول فيه «كان ثمة غرابة في عقلي، وشعور لا يعود إلى ذلك الزمان، ولا إلى ذلك المكان»؛ تخايله منذ الصفحات الأولى هذه الإشكالية التي تتردد على أسلوب باموق، وإن كان البعض يردُّها على استحياء، والبعض الآخر يضعها في إطار أيديولوجي بهدف تشويه إبداع الكاتب، والتقليل من هذه الشهرة المصاحبة له في الداخل والرواج في الخارج.

ثمة انتقادات للأوضاع السياسية على اختلاف مذاهبها الفكرية وانتماءاتها يمررها الكاتب في صور مشاهد تسجيلية؛ كرصده للتبدلات التي حلت بقدوم الحركة الكمالية

المتابع لكتابات باموق منذ روايته الأولى “جودت بك وأبناؤه” 1982، إلى آخر رواياته “المرأة ذات الشعر الأصفر” فبرابر 2016، يكتشف أن باموق يُولي أهمية خاصة للحكاية التي تعصف بذهن القارئ، وتخلب لبّه، وتذهب به إلى مناطق شائكة على حساب الأسلوب، فهو مولع بالتفاصيل الدقيقة التي تجعل من رواياته سجلاً حافلاً بالعادات والتقاليد والتطورات الاجتماعية، والتغييرات الديموغرافية في طبيعة السكان، والهويات المتصارعة التي يجد لها على أرضية الرواية مكانًا للتصالح والتوافق، بعيدًا عن النعرات الأيديولوجية والطائفيَّة، وفوق هذا تجد انتقاداته للأنظمة والتيارات السياسية المتناحرة والمتاجرة بكلِّ شيءٍ من أجل بريق السُّلْطة. ومِن ثمّ مَن لم يقرأ باموق فقد فاته الكثير عن روعة الصياغة والبناء وحرفية رسم الشخصيات، وهي عملة نادرة في الكتابات الروائية الرائجة الآن.

بائع البوظة

في روايته الجديدة “غرابة في عقلي” التي استغرقت كتابتها قرابة الست سنوات، وتغطي مساحة زمنية تصل إلى 43 عامًا، حيث تبدأ أحداثها من عام 1969 (عام انتقال مولود ووالده إلى إسطنبول، وإن كان ثمة استدعاءات لأزمنة ممتدة تصل إلى عام 1957 عام ولادة مولود في قريته بقونية) وتنتهي بعام 2012، يعود إلى مدينة الذكريات (إسطنبول كما وصفها في سيرته التي صدرت عام 2003) المدينة القديمة التي سكنها المهاجرون القادمون من قرى بعيدة، راصدًا التغيرات التي لحقت بهوية المكان، بعد الهجرات المتلاحقة إلى المكان الذي سكنه المهنيون الروم والسريان الذين أحيوا إسطنبول ثم بعد ذلك جموع الفقراء القادمين من الأناضول والأكراد والنَّوَر ومهاجرين من البحر الأسود والجنوب. وقد وفدوا جميعًا بعاداتهم إلى المدينة، وهو ما أثَّر على الهجينة السُّكانية لهذه المنطقة وثقافتها، متتبعًا حكاية هجرة وانتقال عائلة بائع البوظة واللبن مصطفى أفندي والد مولود كراتاش (الحجر الأسود) المولود في عام 1957 في قرية فقيرة من قرى وسط الأناضول.

تبدأ حكاية بائع البوظة الحالم بأشياء كثيرة والخائف من إسطنبول، منذ تلك العودة التي عاد فيها إلى قريته غمشدرة التابعة لقضاء بيه شهير في قونية في حزيران 1982، بعدما رأى الفتاة التي قرّر أن يختطفها في فرح ابن عمه الكبير كوركوت، وبحيلة مع ابن عمه سليمان الذي عاد من إسطنبول يتمّ اختطاف الحبيبة التي كان يُرسل لها خطابات مولود، ولكن بعد الاختطاف يكتشف مولود أن الفتاة التي اختطفها ليست هي الفتاة التي رآها في الفرح، ومع هذا يبدأ الإعجاب بها، ويزداد حبّه لها بعد الزواج. تتفرع عن هذه الحكاية التي يبدأ بها الرَّاوي الثالث سرده وإن كان موقعها الأصلي في منتصف الرواية، حكايات أخرى ترتبط بها وتتشابك كحكاية سليمان الذي كان عاشقًا للفتاة التي وقع في غرامها ابن عمه، ووفقًا للعادات والتقاليد لا يتم تزويج الفتاة الصغرى قبل الكبرى، فدبّر سليمان الخديعة لمولود ابن عمه ليظفر هو بالفتاة التي يُحبُّها ولا يتم الزواج منها إلا بزواج أختها الكبرى.

لكن المفاجأة الكبرى أن سميحة التي دبَّرَ سليمان كلّ شيء من أجلها بل ومنح الأب ثمنًا لشراء طاقم الأسنان، عشقت فرحات الكردي (صديق مولود في المدرسة الثانوية) والذي دائمًا يصفه سليمان بالشيوعي، وفرّت معه وعاشت معه في حي غازي عثمان، الذي انتقل إليه العلويون بعد أحداث مجزرة مرعش التي قتل فيها 150 علويًا (19ــــ 26 عام 1978)، إلى أن يُقتلَ فرحات في ظرف غامض، ويعود مولود إلى سميحة من جديد. حكاية الأم والأب القديمة تُكرِّرها ابنة مولود فوزية التي تُقرِّر هي الأخرى الهرب مع ابن صاحب سيارات.
أورهان باموق يتجول في مدينة الذكريات

سجل اجتماعي

يرصد الكاتب التاريخ الحديث لتركيا في صورة المتغيرات التي جرت لمدينة إسطنبول عقب النزوح والهجرات إليها، وكذلك ما لحق بالهوية التركية من هجنة، فلا تقف عين الراوي الثالث مع مولود (بطل الرواية) في جولاته في أزقة وشوارع إسطنبول وهو يبيع البوظة وإنما هي عين تتجوّل فيقدّم عبرها هندسة المكان وخريطة بالمتغيرات، وفق آليات التطور التي شهدتها المدن، وتزايد معدلها السُّكاني بتركيبته المتنوِّعة، فيرصد ما حلَّ بإزالة غالبية البيوت الخشبيّة التي كانت قبل خمسة وعشرين عامًا، وأنشئت مكانها أبنية أسمنت مسلح، بعد أن أُزيلت المقابر، وكذلك تغيرات الزبائن وأسئلتهم عن نوع البوظة حلوة أم حامضة، التي تغيرت إلى أسئلة من نوعية: هل تحتوي البوظة على الكحول أم لا؟! وهو ما يعكس تأثر السكان بأيديولوجية الطبقة الحاكمة.

يتوارى باموق خلف شخصية مولود الرجل العادي، الذي لا يتورط في السياسية إلا إذا شدّه زبائنه إليها، ليدخل بالرواية رغم الخيط الاجتماعي البارز للرواية الذي تشغله الحكاية التي بنى عليها نصه متتبعًا ثلاثة أجيال من أسرة بائع اللبن والأرز والبوظة مصطفى أفندي، إلى معترك السياسة وصراعاتها، وما سببته من أزمات انتهت بأربعة انقلابات منذ انقلاب مايو عام 1960، وصولاً إلى الانقلاب الأبيض على حكومة نجم الدين أربكان عام 1997، وما صحب هذه الانقلابات من موجة عُنفٍ اجتاحت تركيا في نهاية سبعينات القرن العشرين ممثلة فيما ارتكبته المنظمات اليساريّة من جرائم، وقد استمرت حتى العقد الأخير من القرن الماضي. لكن العجيب أننا لا نجد إدانة لهذه الانقلابات بل حفاوة كما ظهر على لسان مولود الذي يلحظ الفرق بعد عودة الحياة الطبيعة بعد الانقلابات، حيث عمّ الاستقرار والأمن، واختفت الجرائم، وانتهى الصراع بين اليمين واليسار.

ثمة انتقادات للأوضاع السياسية على اختلاف مذاهبها الفكرية وانتماءاتها يمررها الكاتب في صور مشاهد تسجيلية؛ كرصده للتبدلات التي حلّت بقدوم الحركة الكمالية، وسعى موظفو النفوس الذين كانوا يطوفون البلاد على ظهور الحمير لتسجيل الألقاب الجديدة التي فرضتها الحركة الجديدة، في مسعى لنزع الهوية التي ترتبط بالتراث العثماني الذي قامت الحركة بهدمه بمعاولها، وهو ما تمّت مقاومته بالتمسك ببيع البوظة كحفاظ على الهُوية العثمانية، وانتقاده لحالة الطبقية التي خلقتها السُّلطة الجديدة بين مؤيّد لها مِن يساريين قوميين، ويمنيين متشددين، علاوة على الطبقية الاجتماعية التي دفعت بالسلطة لأن تؤسّس لثانوية أتاتورك للبنين في تل التوت ليحظى أبناء الموظفين والمحامين والأطباء القاطنين في الجمعيات السكنية الحديثة على الطراز الأوروبي، لكن زحف عليهم أبناء الأناضول الفقراء القادمين من أحياء المخالفات المنتشرة على التلال الخلفيّة، كما ينتقد أسباب تهتك العلاقات الاجتماعية، وجذور هذا الانقسام الذي ارتكبه الآباء بفعل الميراث، وبدا على الصغار جني ثماره، كما يُثَمِّنُ الكاتب العلاقات الاجتماعيّة خاصّة الزواج ويروّج لفكرة الزواج دون قصد التي كان

مولود أحد الكاسبين منها، فحبّه لزوجته (رائحة) جاء بعد الزواج، كما يتعرض لمفهوم الشعب غير المُتعلم للدين، وكيف أن معظم المعلومات الدينية عن الحلال والحرام مُستقاة مِن شيخ خريج مدارس الأئمة والخطباء لم يكمل تعليمه، وتأثير هؤلاء الرجال على فكر الذين يفتونهم في كلّ أمور حياتهم بدءًا من العبادات والعلاقات الزوجية، إلى شؤون الحياة. ويعرض لأهمية الشرف عبر تكرار حكاية هروب رائحة مع مولود وهي المحور المهم الذي بدأت به الرواية فيعود إليها أكثر من مرة ليكشف من خلالها جوانب من الحياة الاجتماعية لهذه المنطقة وعادات الشرف التي تتكشف تباعًا بعد حادثة اختفاء رائحة، وهو ما تكرّر مع هروب سميحة مع فرحات ثم هروب فوزية مع ابن صاحب سيارات.

كاتب من مصر

13