"غراميات شارع الأعشى" علاقة ملحمية بين الناس والمدينة

السبت 2014/02/15
بدرية البشر وصفت مآلات القلق التعبيري المضطرم في روايتها

بعد نيل الكاتبة رجاء عالم لجائزة البوكر العربية عن روايتها “طوق الحمامة”، وذيوع صيت الروائية الشابة سهام مرضي من خلال الضجة الكبيرة التي أحدثتها رواية ” حين رحلت”، ورد هذه السنة اسم الروائية بدرية البشر بروايتها “غراميات شارع الأعشى” الصادرة عن دار الساقي – لبنان، ضمن القائمة الطويلة لجائزة البوكر.

تقع أحداث الرواية في فترة السبعينات في السعودية، الحارة التي يتفرع منها (شارع الأعشى) في حي المنفوحة في قلب الرياض، محور الرواية عزيزة، فتاة مرحة، لديها آراء خاصة حول كل شيء، وهي تعشق الأفلام المصرية وتحب تقليدها. مخيلتها ملئية بأحداث ربما تحدث لها، و كلها شبية بأحداث الأفلام. عزيزة المولعة بالأفلام المصرية تفقد بصرها في ليلة عاصفة محمّلة بالغبار. وفي العيادة، تطيل الإصغاء إلى صوت الدكتور أحمد. هي لا تعرف صوتَ مَنْ يُشبه، حسين فهمي أو رشدي أباظة أو شكري سرحان؟

بعد شفائها تغرم به. ليس لأنه مصري، هي لا تحبّ اللهجة بل تحبّ الحنان الذي تسكبه لتصبح حديثاً دافئاً. عائلتها تعارض الارتباط به لتصبح قصّتها، كبقية حكايا الحب في شارع الأعشى، من دون ثمر.

هل تهرب معه إلى بلاده وتغيّر اسمها كي لا يعرفها أحد، تماماً كما فعلت تحية كاريوكا؟ حيث كان انبهار السعوديين بالثقافة المصرية من موسيقى وأفلام ومن ثم التدرج نحو مجتمع يحكمه النظام السلفي ويطوق الخناق عليه.

هناك على حافة السطح ينتظر سعد أختها عواطف، وأمام سوق الحريم تجلس (وضحى) البدوية الصلبة أمام بسطتها.

السائق مناحي يقود “باصا” ممتلئا بالتلميذات وشرائطهن البيضاء، وصوت (طلال مداح) يصدح من (البيك الأب ) الأحمر، وبعيدا هناك تهرب عطوى من خلال حقول الرمان عن عصا زوج أمها لتبدأ حياتها من جديد في الرياض، (مزنة) تغرم برياض الفلسطيني.

الفكرة الاجتماعية غير مكتملة أو لها دلالات أخرى، في مقابل الفكرة الدينية التي تسيطر حتى ولو بشكل غير مباشر


إنجاز المعنى


نضج شارع الأعشى، وتراكم تفاصيل وممارسات متعددة في داخله بعد أن دخلت الأشياء حياتهم تدريجياً وغيّرتها، المكيف، والتلفزيون الملون، وأهم شيء الهاتف الذي كان السبب في بداية إنقطاع الزيارات والتفكك بين الجيران. وظهور جماعة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وما أحدثه ذلك من تغييرات في طبيعة الحياة. فخلفيّة السعودية الدينية والإجتماعية والإ قتصادية تتحول هنا إلى مادة تجريدية صالحة لأي كتاب. فكل ما نقرؤه في الرواية يحدث قرب الذات وأحلامها، في سطور مشدودة، أو يترك لها أن تسترخي في سردٍ أطول قليلاً.

بالتأكيد يتحكم رمز “شارع الأعشى ” بوصفه عتبة نصية يدونها عنوان الرواية ذاته بالمسار الخطي لحركة الأحداث الروائية منذ البداية وحتى النهاية. فهو يرافق حياة سكانه، على مستوى دنيوي وحسي من خلال الإصرار على ممارسة فعل الحياة ـــ بمختلف مستوياتها الدنيوية و”الإيروتيكية” والجمالية ليؤشر ديمومة الحلم الإنساني الذي يظل هناك دائما في آخر النفق. ولكي تتجاوز الرواية السقوط في موقف تشاؤميّ “نهلستي” يكرس لموضوعة الإحباط واليأس وإخفاق الأمل، تتحرك “رؤيويّا” وسرديا نحو فضاءات بعيدة عن روح التفجع والإسقاطات “السيكولوجية”والعاطفية المفرطة التي قد تصل درجة “السنتمنتالية” وتحديدا من خلال الانعطاف من فضاء السرد الواقعي الحديث بعشقه لوصف أدق التفاصيل عن الحياة اليومية.

"شارع الأعشى".. تراكم تفاصيل وممارسات متعددة

تنطوي رواية ” غراميات شارع الأعشى” على مستويات سردية متنوعة وتحفل ببنية سردية “بوليفونية” (تعددية) من خلال تخلي الروائية، أو راوية الضمني عن سلطته “الأوتوقراطية” وإحالة السرد إلى الشخصيات ذاتها من خلال سرد داخلي مُبَأَّر تفصح فيه الشخصيات عبر “منولوجات” أو حوارات ثنائية عن أعماقها الداخلية ومكنوناتها في لحظات “زمكانية” (كرنوتوبية). بلغة متخففة من ماضيها المجازي والجمالي، وذهبت نحو إنجاز المعنى، لكنها خاضعة لضبط أسلوبي خفي يؤمّن التوازن بين تلقائية هذا السرد ومعانيه المستهدفة. كأنّ تَجَنُّبَ بدرية للتزويق اللغوي، وموضوعاتها العابرة للحدود، وجدا بيئة لائقة لدى القارئ، فتهويمات الذات الأنثوية وتذمّراتها المضجرة شبه غائبة، بينما تزداد كثافة المواضيع الإنسانية والمفارقات الحياتية العابرة للمشهديات المحلية والذاتية. حتى عندما تكتب في الحب، لا تقع في “كليشيهاته” وعاطفته المائعة، بدون تواطُؤٍ في ترويج هذا الإجراء، وهذا موقف أخلاقي مبرّر، بل هو حقّ جمالي ونقدي لا يُنكر. مردّه موقف بدرية الروائي/ الشخصي، في البحث عن انتماء إلى «سلالة روائية ما»، على نحو أشبه بإجراء لا غنى عنه لكي يبدو المشروع الروائي مثل بنيان مرصوص، في مستوى بنيته الداخلية وفي مستوى صلاته الخارجية.


قاع الحكي


بدرية البشر جرّبت وجازفت وتمرّست وأنجزت، في سياق مزدوج الضغط: مآلات القلق التعبيري المضطرم الذي اكتنف نماذج مثل وضحى المرأة البدوية الفقيرة التي جاءت إلى شارع الأعشى من مدينة أخرى سائلة الستر والأمان ولقمة العيش من أبي إبراهيم وهي تحمل وزر ابنتيها “اليازي” و”مزنة”، وولديها “متعب” و”ضاري” حتى أكرمها وصارت جزءًا من كيانه، وحكاية “أم جزاع” وابنة أختها “عطوى”، وحكاية “الشيخ عمران” وابنته “فاطمة”، فضلاً عن حكايات أخرى مصغرَّة. وأقدار السكينة التعبيرية التي هيمنت على” عواطف و”علياء”، و”عفاف”، وهنَّ بنات نورة الأم، يعشن في بيت والدهن “محمَّد إبراهيم”، برفقة الابن “إبراهيم”، الذي يدرس في مصر، “وفواز” الذي يعيش معهن في بيت العائلة”، سواء لجهة الخيارات الأسلوبية (الشكل واللغة والمعجم التصويري)، أو لجهة دورة الموضوعات، لجهة الغوص الرؤيوي والإنشادي في القيعان الأعمق من علاقة البشر الملحمية بالمدينة، والتنقيب غير المألوف في باطن شعوري ذاتي وجَمْعي، والالتقاط التصويري الرهيف لمستويات آسرة من معنى المعايشة الآدمية للأشياء اليومية في حياة عائلية رعوية تدور مكوّناتها في النفوس كما في الطبيعة. فداخل هذه اللغة المجردة من اجتماعيتها، هناك ضمير جماعي يتحدث. وهنا المفارقة. فالعلاقة بالذات علاقة ذات شكل عاطفي، ربما هي رغبة الفعل التي تحملها اللغة. فالصورة أو المشهد ليسا حادثاً شخصياً، وإنما صورة جماعية لحلم جماعي، ربما هذا السبب هو الذي يعطي لأي مشهد ضبابيته وغموضه.

وهو ليس غريباً في السعودية، فالفكرة الاجتماعية فكرة غير مكتملة أو لها دلالات أخرى، في مقابل الفكرة الدينية التي تسيطر حتى ولو بطريق غير مباشر. فحتى لو رفض الكاتب نهجا معينا، وهو رفض طبيعي، فسينهج ماهو ضده؛ هذا الوعي الشامل والمتماسك والذي لايؤمن بأي تقسيم، أو يتناسى هذا المشكل المحوري تماماً. وهنا يأتي دور الدراما الروائية التي تنبع من داخل اللغة نفسها، من إخلاص لها أو مراهنة خطرة عليها.

إنه طور «الأسلوبية المتأخرة» على حدّ تعبير إدوارد سعيد، أي تلك الحصيلة المَزْجية التي تستحوذ على أسلوبية المبدع حين يباشر مراجعة تأمّلاته المبكرة في اليفاعة أو الشباب، ونتاج المبدع في هذا الطور ينقلب إلى مطحنة أساليب لا تقدّم ما هو أقلّ من خلاصة مركّزة لمجمل السنوات التي صرفها وهو يجرّب ويجازف وينجز.

17