غربة النقاد في مهرجانات السينما المصرية تتواصل

كان مهرجان القاهرة السينمائي حتى وفاة رئيسه سعدالدين وهبة، مناسبة ينتظرها عشاق السينما، ويصطف خلالها الجمهور أمام دور العرض في طوابير انتظارا للدخول، ومن ذلك الزحام خرجت مقولة “قصة ولا مناظر؟”، سؤال يلخص الفيلم في إجابة من كلمة واحدة.. هل الفيلم درامي؟ أم يحفل بالمشاهد الساخنة؟
الثلاثاء 2015/09/15
قياس نجاح المهرجانات بات مرتبطا بعدد النجوم الحاضرين فيه

وثّقتْ متابعتي لأفلام المهرجانات علاقتي بالسينما، بأفلام أراد صانعوها أن تمس الجوهر الإنساني، وأن تتجاوز اختبار الزمن، وتثير دهشة أجيال لم تولد بعد، يصلنا بعض هذه الأفلام خلال مهرجان القاهرة السينمائي.

وأدركت الشيخوخة مهرجان القاهرة الدولي بعد وفاة رئيسه سعدالدين وهبة فورثته وزارة الثقافة، وروضه وزيرها الأسبق فاروق حسني وتابعوه بغير إحسان وموظفو الفنون والثقافة، فانتقل من دفء الشارع إلى فتور دار الأوبرا وأرستقراطيتها.

قبل حضوري لمهرجانات خارج مصر، كنت أظن المهرجان هو الأفلام، ولأكثر من ربع قرن على متابعتي مهرجان القاهرة لاحظت الملل في حفل الافتتاح ورسميته وافتعاله، فإذا انتهى الحفل أعلن عن استراحة مدتها نحو عشر دقائق، يليها فيلم الافتتاح، وهو عادة جدير بالمشاهدة، والقاعة التي كانت كرنفالا لاستعراض العطور وفساتين السهرة، تخلو إلاّ من المقاعد، ولا يقطع الصمت إلاّ نحنحة واحد من بضعة مشاهدين ينتظرون عرض فيلم الافتتاح.

هذا التهافت على حفلات مهرجان القاهرة وخلوّ عروض الأفلام من صناع السينما فسر لي أسباب توقف نموّ هذه الصناعة، فلا تقدّم دون خيال وغيرة من ذوي الخيال، ولكن كثيرا من صناع أفلامنا لا يغارون.

من أصحاب الخيال كاتب السيناريو الإيطالي سيزار زافاتيني، وقد قال عنه الروائي الأميركي ترومان كابوت (1925/1985) “هناك كاتب طور نفسه، وكان يعمل ككاتب سيناريو، ويمكننا أن نطلق عليه عبقري السينما، أعني ذلك الفلاح الخجول المرح زافاتيني”.

ويضيف “ثلاثة أرباع الأفلام الإيطالية الجيدة كتبها زافاتيني، كل أفلام فيتوريو دي سيكا هو الذي كتب لها السيناريو، ودي سيكا رجل موهوب ومحنك، ومع ذلك فهو بوق لزافاتيني، فأفلامه من خلق زافاتيني، كل ظل، كل خطوة عمل، وكل جو مرسوم كان زافاتيني قد وضحه في السيناريو”. (عن جنون إزرا باوند وآخرين، ترجمة: أحمد عمر شاهين).

خلو شجاع

معظم من تولوا رئاسة مهرجان القاهرة لا تعنيهم السينما، ولا تشغلهم مشاهدة فيلم في المهرجان، تحديدا حسين فهمي وشريف الشوباشي وعزت أبوعوف، ولم أجد من السينمائيين كبار السن من يحرص

على مشاهدة فيلم، باستثناء محمود حميدة ونور الشريف، وإن كان الجيل الجديد أعمق وعيا وأقل حظا، وأكثر ثقة رغم بطء الخطوات.

مع إيمان الكسالى بأن الأفلام بالنيات لن تطور صناعة السينما، لأن لدينا وهما يقترب من جنون العظمة بأننا الأقدم والأجدر

مع إيمان الكسالى بأن الأفلام بالنيات لن تطوّر صناعة السينما، لأن لدينا وهما يقترب من جنون العظمة بأننا الأقدم والأجدر، وندمن “أفعل التفضيل”، ثم يأتي اختبار سهل يكشف الزيف، ونصير أضحوكة، حين لا نجد فيلما مصريا جديرا بالمشاركة في مهرجان تنظمه مصر. ولو امتلكت إدارة مهرجان الإسكندرية مثلا شجاعة إعلان خلوّ المسابقة من فيلم مصري، لكان خيرا لها وأبقى من إقحام فيلم مثل “سعيكم مشكور يا برو” في الدورة التي انتهت مؤخرا، ليس لأنك لا تعرف قبل مشاهدة الفيلم من يكون “برو”، وإنما لأن إبراء الذمة بوجود أي فيلم مصري لا يجوز في المهرجانات، والأكثر كراهة لدرجة التحريم هو الإصرار على وجود نجم أو نجمة على قمة لجنة التحكيم.

تنويه أحادي

الفقر الذي عشناه لدرجة التصحر في العقود السابقة جعل البعض يقيس نجاح المهرجانات بحضور النجوم، والنجوم في هذا الوعي الفقير تعني الممثلات، وهذا لا عيب فيه ولا كراهة، على أن يبتعدن عن لجان التحكيم.

فعضو لجنة التحكيم قاض، يفترض أن لديه حدا أدنى من الثقافة السينمائية، والوعي البصري والتشكيلي والجمالي الكافي لقراءة الصورة، والتفرقة بين دلالة فيلم يخلو من الموسيقى مثل “الخروج إلى النهار”، وفيلم خفيف مقتبس باعتراف مخرجه الذي يسجل أنه “مصّره” عن فيلم “موت في جنازة”، وإن كان الأصل يخلو بالطبع من نداء “يا برو”، والحياة تحتمل الاختلاف.

ربما يسعى الجمهور إلى مشاهدة “سعيكم مشكور يا برو” أو من غير “برو”، ولن يهتم الجمهور أو يتذكر حصول هذا الفيلم على “تنويه” في مسابقة الفيلم العربي بمهرجان الإسكندرية (الذي دارت فعالياته من 2 إلى 8 سبتمبر 2015)، ولا أن الفيلم شارك في المسابقة الرسمية لدول البحر المتوسط بالمهرجان نفسه. والمسابقة الرسمية ترأست لجنة تحكيمها ممثلة مصرية محظوظة، تزيد خبرتها على ثلاثة عقود، لم تعرف فيها من التمثيل إلاّ أنه صراخ انتقل من أمام الكاميرا إلى حفل الختام، فقبل إعلان الجوائز هتفت ضد الإرهاب، ولم يكن في القاعة إرهابي يخشى جانبه.

ثم بدأت الجوائز بشهادة تقدير إلى الطفل المغربي إلياس الجيهاني بطل فيلم “جوق العميين”، وهم العميان، ولم يحدث هذا الأمر لبسا في استقبال الفيلم من جانب رئيسة اللجنة التي تفتقد إلى الوعي الجمالي، وتريد أفلاما مناهضة للإرهاب وحكايات ميلودرامية مثل أفلامها.

لم تجد اللجنة في “جوق العميين” ما يستحق الإشادة، في حين نال الفيلم نفسه الجائزة الكبرى من مهرجان وهران (جوان 2015).

إدارة أي مهرجان تتنصل من سوء الجوائز، وتحتج بأن الأمر يرجع إلى ذائقة لجنة التحكيم، وهذه كلمة حق يراد بها باطل، مثل تلخيص الديمقراطية في صناديق الاقتراع، وإهمال السياق العام الذي يسبق الاقتراع، وأستطيع تحديد الجوائز عند اختيار لجنة لا تستوعب اللغة البصرية، وتسيء إلى السينما، وإلى نقادها المحترفين الذي يستبعدون من هذه اللجان.

16