غرب أفريقيا مسرح لعمليات إرهابية تستهدف الوجود الفرنسي

يندرج الهجوم على فندق بواغادوغو عاصمة بوركينا فاسو، ضمن سلسلة من العمليات المتواترة التي يقودها تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي، ويدّعي التنظيم أن الهجوم يستهدف بالأساس الوجود الفرنسي في حين يرى محللون أنه يتخذ من هذه الحجة ذريعة لارتكاب المزيد من العمليات الإرهابية، والتي يرمي من ورائها إلى تكريس نفسه على رأس حركة الجهاد العالمي.
الأحد 2016/01/17
مشهد متكرر

واغادوغو - شهدت دول غرب القارة الأفريقية خلال الفترة الأخيرة هجمات إرهابية متواترة، تبنّى معظمها تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، أو جماعات موالية له.

وآخر الهجمات تلك التي هزت عاصمة بوركينا فاسو واغادوغو، حين أقدم جهاديون مساء الجمعة على اقتحام فندق يرتاده في العادة غربيون خاصة من الفرنسيين.

وانتهت العملية، السبت، بمقتل عشرات الأشخاص من 18 جنسية، فيما أعلن تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي مسؤوليته عن الهجوم.

وقال التنظيم المتطرف إنه تمكن من قتل ثلاثين ممن سماهم “الصليبيين” في هجوم على فندق “سبلنديد”، فيما أكد السفير الفرنسي لدى بوركينا فاسو مقتل 27 شخصا من ضمنهم 3 مهاجمين.

وأوضح أحد منفذي الهجوم في تسجيل صوتي نشرته وسائل إعلام محلية في موريتانيا وبثّته مؤسسة الأندلس للإعلام والنشر الذراع الإعلامي لتنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي “إنه الهجوم الأول من نوعه ضد بوركينا فاسو يستهدف فرنسا” و”سيقاتلها التنظيم ما بقيت فيه روح” مضيفا أن الهدف من العملية “الثأر” للنبي محمد.

وكان تنظيم القاعدة قد صرّح في وقت سابق أن عناصر من كتيبة “المرابطون” التابعة له نفذت الهجوم ثأرا من “فرنسا الصليبية”.

وتنفّذ قوات فرنسية عملية برخان ومقرها تشاد بهدف محاربة الإسلاميين المتشددين في منطقة الساحل القاحلة بغرب أفريقيا وتستخدم الفندق في بعض الأحيان. ويوجد عادة نحو 200 فرد من القوات الخاصة الفرنسية في بوركينا فاسو.

والهجوم على فندق بواغادوغو يندرج في إطار سلسلة من الهجمات تتعرض لها دول غرب أفريقيا، على غرار مالي التي شهدت بدورها هجومين مسلحين على مواقع للجيش انتهى بمقتل جنديين وعنصر من قوات شبه عسكرية، وأربعة من المسلحين.

ويأتي الهجوم بعد أسبوع من خطف، السويسرية بياتريس ستوكلي في تمبكتو حيث تقيم.

وقد سيطرت جماعة “أنصار الدين”، الإسلامية المتطرفة المرتبطة بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي على تمبكتو خلال عامي 2012 و2013.

وطرد القسم الأكبر من الجهاديين الذين كانوا يسيطرون على شمال مالي إثر تدخل دولي بقيادة فرنسا في يناير 2013، وهذا التدخل الفرنسي لا يزال مستمرا إلى اليوم.

وتعتبر غرب أفريقيا منطقة نفوذ هامة بالنسبة إلى فرنسا، وهناك مصالح استراتيجية تجعل من باريس في مقدمة المتصدين للجماعات الجهادية في هذه البقعة من العالم، بالنظر إلى تهديدهم المباشر لمصالحها هناك.

وفي مقدمة هاته المصالح مادة اليورانيوم الغنية بها الصحراء الأفريقية، حيث تعتمد فرنسا على 75 بالمئة من احتياجاتها من الكهرباء على الطاقة النووية، وبالتالي هي بحاجة للوصول إلى منابع هذه المادة، الموجودة أساسا في هذه المنطقة.

ويتخذ تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي حجة الوجود الفرنسي للقيام بعمليات دموية، تستهدف في معظم الأحيان المدنيين.

وتعتبر هذه العمليات الإرهابية في صلب استراتيجية التنظيم باعتبارها تفتح شهية مجموعات متطرفة للانضمام إليه، كما أنها تشكل إغراء لمئات الشباب “التائه”.

وكانت كتيبة المرابطون التي يقودها الجهادي الجزائري مختار بلمختار والتي شاركت في عملية واغادوغو قد انظمت مؤخرا للتنظيم.

ويقول مختصون في الجماعات الجهادية إنه لا يمكن تجاهل أن حرص التنظيم في الفترة الأخيرة على ارتكاب المزيد من العمليات الإرهابية يندرج أيضا في سياق صراع النفوذ بينه وبين تنظيم الدولة الإسلامية، الذي نجح هو الآخر في فرض نفسه كرقم صعب في حركة الجهاد العالمي وهو يحاول اليوم تزعّمها.

غرب أفريقيا منطقة نفوذ هامة بالنسبة إلى فرنسا، وهناك مصالح استراتيجية تجعل من باريس في مقدمة المتصدين للجماعات الجهادية في هذه البقعة من العالم

ويظهر ذلك من خلال خروجه من بوتقة سوريا والعراق، ومد أذرعه في أوروبا وآسيا والقارة الأفريقية، حيث نجح في تثبيت أقدامه في مصر عبر ولاية سيناء (تنظيم بيت المقدس سابقا) وأيضا في ليبيا الدولة المنهارة والتي باتت تشكل مصدر قلق لدول الجوار والعالم ككل.

ويوضح مايكل كوغلمان من مركز “وودرو ويلسن” للأبحاث في واشنطن أنه “منذ البداية، فإن تنظيم الدولة الإسلامية أعلن عزمه بأن يصبح حركة جهادية عالمية”.

وأضاف أنه “حتى وقت قريب، كان (التنظيم) يركز على إدارة خلافته في العراق وسوريا، ولكن مع بدء فقدانه للسيطرة على الأراضي، بدأ بتبني نهج أكثر شمولية”.

وأعرب مبعوث الأمم المتحدة لليبيا مارتن كوبلر، السبت، عن مخاوفه إزاء إمكانية تشكيل تحالف بين تنظيم داعش ومتطرفين إسلاميين آخرين في شمال أفريقيا.

وقال كوبلر “هناك في جنوب ليبيا جماعات إرهابية إسلامية مثل بوكو حرام.. من المعروف أن داعش تهدف إلى السير في هذا الاتجاه بحثا عن تحالف مع هذه التنظيمات. وعلى المجتمع الدولي أن يحول دون حدوث ذلك”.

وتعتبر منطقة شمال أفريقيا والساحل مركزا لنفوذ تنظيم القاعدة إلاّ أن دخول داعش اللاعب الجديد يهدد هذا النفوذ، وهو ما سيجعل القاعدة في وضع يدفعها لارتكاب المزيد من العمليات الإرهابية للحفاظ على وهجها بالنسبة إلى الموالين لها.

ويشير بيتر فام من “أتلانتك كاونسل” إلى أنه “لا يجب تجاهل أن منطقة الساحل قابلة للاختراق من قبل داعش، وهذا سيكون مصدر قلق كبير للقارة”.

وأضاف أنه “مع وجود جماعة بوكو حرام في نيجيريا، والتي هي الآن ولاية أفريقيا التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية (…) لاحظنا تطورا حقيقيا في التكتيكات والدعاية”.

وجدير بالتذكير أن انطلاقة تنظيم داعش كانت ضمن تنظيم القاعدة الأم، فقد ورث مقاتلي جماعة “التوحيد والجهاد” الذي كان يرتبط بتنظيم القاعدة، ويقوده الأردني أبو مصعب الزرقاوي.

وبعد مقتل الزرقاوي في سنة 2006 تولي أبو بكر البغدادي قيادة التنظيم وقرر تغيير اسم التنظيم إلى الدولة الإسلامية في العراق والشام وسمح لمقاتلي التنظيم بالقتال في سوريا. وبعد ذلك أصبح الخلاف بين تنظيم القاعدة وتنظيم البغدادي أكثر وضوحا، ونشبت في سوريا معارك بين مقاتلي التنظيمين.

وتشبّه البروفيسورة كاثرين براون، خبيرة شؤون الإرهاب في كلية “كنغ” في لندن، تنظيمي القاعدة وداعش بشركات عالمية تحاول أن تكسب المجموعات المحلية لأجندتها الأيديولوجية وإلى الجهاد العالمي.

2