غرب ليبيا يتجه إلى المصالحة مع النظام السابق بالإفراج عن رموزه

تركيا تسعى لاختراق أنصار النظام السابق ممن يمثلون قاعدة شعبية واسعة تعارض دورها في ليبيا بهدف التوصل إلى تحالف بينهم وبين الإخوان خلال الانتخابات القادمة. 
الثلاثاء 2021/09/07
ترتيبات سياسية جديدة

طرابلس- يتجه الليبيون إلى الدخول في مصالحة وطنية شاملة ولاسيما بين السلطات والزعامات الجهوية وأمراء الحرب في مدن غرب البلاد التي تعتبر نفسها المنتصرة في العام 2011 وأنصار النظام السابق.

وفيما أعلن أمس عن إطلاق سراح عدد من كبار رموز النظام السابق، من بينهم أحمد رمضان مدير مكتب الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، ومنصور ضو آمر الحرس الشعبي سابقا، أكدت مصادر مطلعة أنه تم الاتفاق بين وجهاء وأعيان مصراتة وبين قبيلتي القذاذفة والمجابرة على الكشف عن مكان دفن القذافي ونجله سيف المعتصم ووزير دفاعه أبوبكر يونس جابر. وأبرز المجلس الرئاسي أنه جرى الإفراج عن عدد من السجناء السياسيين، الذين انتهت مدة محكوميتهم، أو الذين لم تتم إدانتهم قضائيًا.

وأكد بيان المجلس الإفراج عن أحمد رمضان، مشيرا إلى أن المجلس الرئاسي سيُواصل عمله في إطار المهام الموكلة له، بتحقيق المصالحة الوطنية الشاملة، بالتنسيق من أجل الإفراج عن بقية السجناء الذين لم تصدر أحكام قضائية ضدهم.

وجدّد الرئاسي تشديده على أهمية الإسراع في إطلاق سراح كل المسجونين قسريًا، والذين ليست لديهم أي قضايا، وإحالة كل الموقوفين على ذمة قضايا إلى القضاء، في أسرع وقتٍ ممكنٍ. وأضاف البيان “يتابع المجلس بشكل مباشر، مع الجهات ذات العلاقة كافة هذا الملف؛ تأكيدًا على قيم العدالة ومبادئ حقوق الإنسان في بناء ليبيا الجديدة”.

فتحي باشاغا: نذكِّر كافة الأطراف بالالتزام بمسؤولياتها لتحقيق العدالة والسلام

وعلمت “العرب” أن مبعوثا من المجلس الرئاسي اتصل بالمفرج عنهم ونقل إليهم طلبا رسميا بالمساهمة في تكريس المصالحة الاجتماعية بين الليبيين خلال الفترة القادمة. 

وكان وفد من قبيلة القذاذفة حل ضيفا على مدينة مصراتة السبت الماضي، “لبحث إمكانية الدفع باتجاه إطلاق كافة المحتجزين منذ العام 2011 وفق الإجراءات القانونية، وذلك في إطار المساعي للمصالحة الوطنية وطي صفحة الماضي”.

وخلال لقاء مع الوفد، أكد وزير الداخلية السابق فتحي باشاغا على ضرورة ترسيخ ثقافة التسامح والتعايش بين الليبيين، مضيفًا “نذكِّر كافة الأطراف والمؤسسات بضرورة الالتزام بمسؤولياتها وفق خارطة الطريق؛ لتحقيق العدالة والسلام والعفو العام عن كافة المساجين والمحتجزين والأسرى من مختلف الأطراف، والمضي قدمًا نحو الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بعد مئة وعشرة أيام”.

وقال مصدر أمني من مدينة سرت الليبية فجر الاثنين، إن “أعيان مدينة مصراتة أبلغوا أعيان قبيلة المجابرة التي ينتمي لها وزير الدفاع وأحد رفاق معمر القذافي الفريق أبوبكر يونس جابر وأعيان قبيلة القذاذفة، لاستلام رفات كل من الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، والمعتصم القذافي، وأبوبكر يونس جابر”.

والأسبوع الماضي، قال القيادي الميليشياوي صلاح بادي أحد المشاركين في دفن العقيد ونجله المعتصم بالله، مع وزير الدفاع أبوبكر يونس، إنه “مستعد للكشف عن المكان الذي دفن فيه جثمان القذافي بعد مقتله في عشرين أكتوبر عام 2011، إثر معركة دامية في مدينة سرت مسقط رأسه”.

وتم الإفراج مساء أول أمس عن اللواء ناجي حرير مسعود القذافي، آمر الكلية العسكرية وكتيبة محمد المقريف في النظام السابق، الذي ألقي عليه القبض في 2011 وأطلق سراحه في 2017 بعد ثبوت براءته من التهم المنسوبة إليه، ثم أعيد اعتقاله من قبل ميليشيا الردع الخاصة بقيادة عبدالرؤوف كارة في العام 2018.

وتزامن ذلك مع الإفراج عن الساعدي القذافي بعد سبع سنوات قضاها رهن الاعتقال، وأعلنت حكومة الوحدة الوطنية في بيان صحفي عن إخلاء سبيل الساعدي القذافي، نجل معمر القذافي، تطبيقاً لقرار الانفراج الصادر بحقه قبل عامين.

وقالت الحكومة إنه بعد عامين من قرار الإفراج عن الساعدي، تسلمته عائلته وفقا للإجراءات القانونية، مؤكدة التزامها بما تعهدت به بالعمل على الإفراج عن جميع السجناء ممن تقضي أوضاعهم القانونية ذلك، دون استثناء.

ودعت الحكومة في بيانها، إلى أن تصب مثل هذه الجهود في مسار المصالحة الوطنية الشاملة، والتي أساسها نفاذ القانون واحترامه.

وصرح رئيس الحكومة الليبية عبدالحميد الدبيبة بأن الإفراج عن الساعدي جاء تنفيذا لقرار أصدرته النيابة العامة، مضيفا أنه لا يمكن لليبيا التقدم إلى الأمام دون تحقيق المصالحة ولا إقامة دولة دون تحقيق العدل وإنفاذ القانون.

وذكر محمد حمودة، الناطق الرسمي باسم حكومة الوحدة الوطنية، في تصريحات صحافية أن “قرار الإفراج خطوة من شأنها الدفع نحو المصالحة الوطنية ونسيان الماضي”.

وكشفت مصادر صحافية، أن الطائرة التي تقل الساعدي هبطت في ساعة مبكرة من صباح الإثنين في مطار إسطنبول بتركيا، وعلى متنها ناجي حرير المفرج عنه أيضا لأسباب صحية. وظهرت صورة لإحدى صفحات جواز سفر الساعدي، كتب عليها “مغادرة على طائرة خاصة تابعة للجهاز التنفيذي للطيران الخاص، قاصدة إسطنبول الساعة 21:45 مساء”.

أغلب من تم الإفراج عنهم من رموز النظام السابق انتقلوا مباشرة من طرابلس للإقامة في دول أخرى ومنهم البغدادي المحمودي

وكان الساعدي قد لجأ أثناء ثورة فبراير 2011 إلى النيجر، إلا أن السلطات في النيجر قامت بتسليمه للسلطات الليبية عام 2014 ليسجن من وقتها حتى تاريخ خروجه اليوم.

واتهمت سلطات طرابلس نجل القذافي “بالاستيلاء على ممتلكات بالقوة والترهيب في حقبة ترؤسه الاتحاد الليبي لكرة القدم” وأصدرت المنظمة الدولية للشرطة الجنائية (إنتربول) “مذكرة حمراء” بحقه لمطالبة دولها الأعضاء بالقبض عليه، وفي أبريل 2018 تمت تبرئته في حكم نهائي من كل التهم المنسوبة إليه بما في ذلك تهمة قتل لاعب ومدرب فريق الاتحاد لكرة القدم بشير الرياني، لكن لم يتم الإفراج عنه.

وبعد مجيء الحكومة الجديدة في مارس الماضي، اتسعت دائرة المساعي المبذولة لإخلاء سبيل من برّأهم القضاء كالساعدي وعبدالله منصور، وشارك فيها المجلس الرئاسي ووزيرة العدل حليمة عبدالرحمان والنائب العام الصدّيق الصور.

وكانت عبدالرحمن، قد صرحت في وقت سابق أنها تسعى إلى تنفيذ حكم البراءة للساعدي القذافي، وأشارت إلى أن الوزارة “لا تتوقف عن التواصل مع الجهات ذات العلاقة لتنفيذ حكم البراءة الذي حصل عليه الساعدي القذافي، رغم عدم خضوع مكان احتجازه لسلطة وزارة العدل”، حسب قولها.

وقالت مصادر مطلعة، إن طلبا باستقبال الساعدي تم توجيهه إلى عمّان والرياض والقاهرة وأنقرة، وأن السلطات التركية والسعودية سارعت بقبول الطلب، وأضافت أن الساعدي غادر نحو تركيا لتكون محطته اللاحقة مصر حيث تقيم والدته صفية فركاش وطفلاه (ولد وبنت) اللذان يعيشان مع والدتهما.

ويرى مراقبون أن أغلب من تم الإفراج عنهم من رموز النظام السابق انتقلوا مباشرة من طرابلس للإقامة في دول أخرى ومنهم البغدادي المحمودي آخر أمين للجنة الشعبية العامة (رئيس وزراء) في عهد القذافي وبوزيد دوردة مسؤول الأمن الخارجي الأسبق وسيد قذاف الدم وأحمد الشريف وغيرهم .

ويقيم أغلب المفرج عنهم بالقاهرة أو ببعض العواصم الأخرى، ويرد البعض ذلك إلى عدم قدرة السلطات المحلية على توفير الحماية الأمنية لهم، فيما يشير آخرون إلى أنهم عادة ما يطالبون بالمغادرة إلى الخارج لتلقي العلاج، وللالتقاء بأفراد أسرهم المشتتة في ديار المهجر.

محمد حمودة: قرار الإفراج خطوة من شأنها الدفع نحو المصالحة الوطنية ونسيان الماضي

واعتبر المستشار مصطفي النعمي أن نقل الساعدي القذافي إلى خارج وطنه بعد الإفراج يعتبر انتهاكا للقانون والحقوق الأساسية للإنسان.

وأضاف النعمي “الإفراج عن المحكوم عليه بالبراءة بعد مضي عدة سنوات بالسجن ظلما بالرغم من صدور حكم نهائي وبات ببراءته، ونقله بواسطة طائرة إلى تركيا بدلا من منحه حق اختيار مكان إقامته يعد ذلك انتهاكا لحق من حقوقه الأساسية وهو حق في العيش داخل وطنه أو منحه حرية التوجه لأي مكان يختاره لا أن ينقل إلى دولة لا يرغب في الإقامة بها مما يجعله يعيش بعيدا عن أسرته وموطنه الحقيقي”. متسائلا “لماذا لا يسمح له بالتوجه إلى حيث تقيم أسرته وأطفاله الذين هم في أمس الحاجة إليه”؟

لكن مصادر ليبية، أكدت أن الساعدي اختار المغادرة إلى الخارج، وقد تم ترتيب ذلك مع السلطات التركية لتكون إسطنبول محطته الأولى في اتجاه المحطة الثانية التي يرغب في الاستقرار بها، وأعدت له السلطات جواز سفر، ومكنته من السفر عبر طائرة خاصة، وقد تم الكشف الطبي عليه للتأكد من سلامته البدنية وتوفير جميع الضمانات الأمنية التي تتطلبها عملية المغادرة من السجن إلى المطار.

وأضافت المصادر أن الساعدي له موقع اعتباري خاص لدى أنصار والده، وبالمقابل يكن له آخرون عداء مطلقا قد يهدد حياته، ثم هو حاليا لا يمتلك منزلا خاصا في طرابلس.

وأفراد أسرته موجودون خارج ليبيا، ما عدا شقيقه سيف الإسلام الموجود بمكان غير معلوم، وقد رأى من الأفضل المغادرة إلى خارج البلاد ليكون على صلة مباشرة بأفراد أسرته 

وبالمقابل، تساءلت أوساط ليبية عن الطريقة التي تم بها نقل الساعدي إلى تركيا، ولاسيما في ظل العلاقات الأمنية والمخابراتية الواسعة والوطيدة بين طرابلس وأنقرة . 

وشكك آخر متحدث باسم الحكومة الليبية في العام 2011 موسى إبراهيم في الدوافع وراء نقل الساعدي إلى تركيا بالذات، وقال في تدوينة إن “الطائرة التي أقلت اللواء الساعدي القذافي إلى إسطنبول لم تكن طائرة عادية وحتى جواز السفر كان مزورا لأسباب سياسية”، وأضاف “يمكن أن تكون صفقة جديدة من الإخوان لعرقلة الانتخابات، وصفقة جديدة للإطاحة بنجل العقيد الراحل معمر القذافي وجرّه نحو هدف ما”.

ويرى المتفقون مع هذه الشكوك أن تركيا تسعى حاليا لاختراق أنصار النظام السابق ممن يمثلون قاعدة شعبية واسعة تعارض دورها في البلاد، لعقد صفقة معهم بهدف التوصل إلى تحالف بينهم وبين الإخوان خلال الانتخابات القادمة لقطع الطريق أمام عدوها خليفة حفتر القائد العام للجيش.  وسبق لأنقرة أن استقطبت عددا مهما ممن كانوا محسوبين على النظام السابق تحت غطاء العمل على تحقيق مصالحة وطنية شاملة.

واعتبر عضو مجلس النواب الليبي عبدالمطلب ثابت، أن “عملية الإفراج هذه تندرج تحت إطار المصالحة الوطنية”، مشيرا إلى أن “المصالحة الوطنية مهمة في المرحلة الحالية، من أجل لم الشمل، ورأب الصدع بين كل الليبيين”.

ووصف رئيس حركة المستقبل ووزير الخارجية في الحكومة المؤقتة المنتهية ولايتها عبدالهادي الحويج، الإفراج عن رموز النظام السابق بالبداية نحو مصالحة لا تقوم على المغالبة. وقال الحويج في تغريدة على حسابه بموقع تويتر:

وينتظر أن تشهد الأيام القادمة الإفراج عن بقية أنصار النظام السابق المحتجزين في سجون طرابلس ومصراتة ضمن خطة المصالحة الوطنية، فيما لا تستبعد مصادر قريبة من مراكز القرار أن يكون من بين المفرج عنهم عبدالله السنوسي رئيس المخابرات في النظام السابق. 

ويرى المهتمون بالشأن الليبي أن رئيس الحكومة عبدالحميد الدبيبة كسب نقطة مهمة في رصيده الشعبي بإقراره مبدأ الإفراج عن رموز النظام السابق، وقد استفاد في ذلك من الأجواء الإيجابية التي تنظر بها الفعاليات الاجتماعية والسياسية في مدينته مصراتة إلى المصالحة كمشروع وطني شامل.

ويحسب لليبيين أنه لم يتم تنفيذ أي حكم من أحكام الإعدام الصادرة في حق رموز النظام السابق، وأنه تم النظر بجدية إلى التوازنات المناطقية والقبلية والاجتماعية، واليوم لا يتجاوز عدد المحتجزين من رموز نظام القذافي عشرة أشخاص، ينتظر أن يتم الإفراج عنهم خلال أيام.

4