"غرفة تطلّ على الحرب" يوميات عن حمص بأعين فرنسية

الخميس 2014/11/13
إيديت بوفييه تصف جحيم الحرب واستماتة السوريين لإخراجها على قيد الحياة

دمشق - “لم يضع أحد البندقية على صدغي ليرغمني على الرحيل إلى سوريا” بهذه العبارة تستهل الصحفية الفرنسية إيديت بوفييه كتابها “غرفة مطلة على الحرب”، حيث توثّق الحصار الذي عاشته في حي بابا عمرو في مدينة حمص، تحت نيران نظام الأسد جنبا إلى جنب مع زملائها الصحفيين والجيش السوري الحر، الذي قدم لها ولزملائها الحماية أثناء مهمتهم الصحفيّة، الكتاب صادر عن “بيت المواطن للنشر والتوزيع" (2014) كجزء من سلسة “شهادات سوريّة”.

من موقفها كمراسلة حربيّة تسعى إلى تغطية الحروب والأزمات، نرى أنفسنا أمام كتاب يدون لحظة بلحظة الويلات التي مرت بها الصحفية الفرنسية، أثناء زيارتها لسوريا عام 2012، حيث اجتازت الحدود اللبنانية للوصول إلى حي بابا عمرو، للقيام بمهمتها في تغطية وحشية النظام السوري والبطش الذي يمارسه الجيش السوري تجاه سكان حي بابا عمرو الثائر، وتجاه الجيش الحر الذي يقاتل من أجل الحريّة.


إطلالة على الحرب


إديت بوفييه هي واحدة من الناجين من القصف الذي استهدف المركز الإعلامي في حي «بابا عمرو» في مدينة حمص السورية يوم 22 فبراير 2012، الذي راح ضحيته كل من الصحافية الأميركية ماري كولفن المُراسلة الحربية لصحيفة «الصنداي تايمز»، والمصوّر الصحافي الفرنسي ريمي أوشليك، الذي عمل لصالح وكالة «آي بي 3» الفرنسية.

من منطلق معاناتها الشخصية في ظل الحصار نرى بوفييه ترسم تقاسيم الحصار الذي خضع له الحيّ من قبل قوات الأسد، لتبدو هذه الرحلة أقرب إلى الجحيم في ظل نظام قمعي يفترس كل من يحاول أن يقف في وجهه، الأمر يتعدّى حمص، ففي غرفة تطل على الحرب تستعيد بوفييه زيارتها الأولى لسوريا حيث أقامت في جبل الزاوية بأدلب فترة قصيرة قصد تغطية النشاط العسكري للجيش السوري الحرّ فيها، كما أنها تتحدث عن صلاتها مع الناشطين السوريين المتنقلين بين الحدود، الذين تخفي أسماء بعضهم خوفا على حياتهم.

قراءة هذا الكتاب أقرب من أن تكون حاضرا في الحصار، الصعوبات التي مرّت بها الصحفية تسرد بدقة وتنسحب على زملائها كالصحفي وليم دانييلز، بالإضافة إلى الصحفيين اللذين ماتا تحت القصف وهما ماري كولفين وريمي أوشليك، بوفييه لا تكتفي بذلك، بل تصف معاناة السوريين اليومية في ظل نظام الأسد، كذلك تتحدّث عن النشاط الصحفي الذي يقوم به السوريون لإيصال صوتهم إلى العالم، سواء على الشبكة العنكبوتيّة، أو على أرض الواقع لنقل الصور والفيديوهات، ليكون ما ينقلونه من وثائق شاهدا على وحشية نظام الأسد.

قراءة الكتاب تبعث الغيظ في قلب من يقرؤه إن كان سوريا، يشعر أن عشرات الموتى دون أهمية أمام من هو أجنبي

كما تفتضح بوفييه التحالفات التي قام بها النظام في سوريا مع الهلال الأحمر السوري، والصفقات التي يعقدها للقضاء على معارضيه حتى وهم جرحى على أسرّة الموت، كذلك تتعرض الكاتبة إلى فشل الدبلوماسية الدولية في الوصول إلى حل لوقف النار في سوريا، ووضع حدّ لحمام الدم الذي تشهده البلاد.

الكتاب يروي مغامرات الصحفيّة للوصول إلى بابا عمرو عبر بيروت، حيث تسرد انطباعاتها عن المدينة التي ما زالت تتعافى من الحرب بالإضافة إلى علاقاتها مع السوريين المعارضين للنظام، كما تستذكر زيارتها الأولى لسوريا، وتتحدث عن شجاعة السوريين في قطع الحدود واختراق حصار نظام الأسد من أجل مساعدة أولئك الصامدين تحت الحصار. كذلك تتحدث عن التقسيمات الطائفية في المنطقة ودور “عشيرة الأسد” -حسبما تسمّيها- في السيطرة على بنية الدولة السورية منذ أن وصلت إلى الحكم في السبعينات، والأساليب التي اتبعتها لنشر الرعب في صفوف الشعب والقضاء على أيّة معارضة تحاول الهمس بأيّة كلمة.

واللافت أنه رغم بشاعة ما تعرضت إليه الصحفية من ألم الفقد والموت المحدق الذي ترصدها، تكتب بوفييه بلغة دقيقة متخلصة من الإنشائية التي تشوب أي عمل عربي يتحدث عن الواقع، فرصدت الواقع السوري بحيادية ودقة متناهيين، وتمكنت مراسلة “لوفيقارو” الفرنسية من سرد ما طالها من رعب أيام الحصار.


معضلة دولية


رغم محاولات عديدة لإجلاء الصحافيين من جانب اللجنة الدولية للصليب الأحمر قبل أن يحاول متمردو الجيش السوري الحر تهريب الصحافيين الغربيين، تحت تهديد شن الجيش السوري هجوما نهائيا على المدينة. حتى تمكنت من النجاة بفضل جهود الثوار السوريين.

إيديت بوفييه تروي أيامها مع الشعب المحاصر

حصار ونجاة بوفييه وصديقها دانييلز اكتسبا أهمية دولية كبرى، فهي ترى أن في نجاتهما وسيلة للفت أنظار العالم إلى ما يحدث في سوريا، لأن موتهما سيجعلهما يتحوّلان إلى سلاح بيد النظام، ليضع اللوم على الجيش الحرّ الذي سيتهم بقتلهما، حيث تصف بوفييه استماتة السوريين لإخراجهما على قيد الحياة، ليكونا ورقة رابحة في يد الشعب السوري الذي يشهد الويلات. لكن هل نحن بحاجة إلى صحفيين فرنسيين كي يرى العالم ما يحدث في سوريا؟ ألا تكفي مئات الصور التي يبثها الناشطون ليشكل ذلك دافعا أمام العالم كله، ليقف في وجه المجزرة التي يشهدها الشعب السوري في كل يوم؟

تحرّك العالم بأكمله من أجل الصحفيين الأجانب الذين حوصروا في حمص، لا يمكن إنكار نبل مهمتهم ورغبتهم في كشف الحقيقة، لكن ألا يكفي الموت اليومي الذي يتعرض له الشعب السوري لتحريك العالم؟ ألا تكفي صور الأطفال الغارقين في دمائهم؟

قراءة “غرفة تطل على الحرب” يبعث الغيظ في قلب من يقرؤه إن كان سوريا، يشعر أن عشرات الموتى دون أهمية أمام من هو أجنبي، وكأن الدماء السوريّة يمكن أن تهدر بسهولة على يد نظام الأسد، لكن الدماء فرنسية كانت أو غيرها غالية، ويجب أن يتحرّك العالم كله لأجلها.

بالرغم من حصار بابا عمرو، والموت المنهمر يوميا، إلا أن الشعب السوري يقف إلى جانب بعضه البعض في وجه نظام الأسد، والاستماتة في الدفاع عن حياة الصحفيين الأجانب، وبوفييه من بينهم، تنبع من رغبة في الحفاظ على نقاوة الثورة لدى الشعب، والشعب حصرا.

هناك الكثير من الأخطاء التي وقعت، والكثير من التدخل الغربي الذي يحرف الثورة عن مسارها، لكن حديث بوفييه عن السوري الذي حملها على ظهره كي تصل إلى برّ الأمان، لا يعكس إلا موقفا واحدا، الشعب السوري نبيل وصامد في ثورته التي ما زالت تردّد كلمة “حريّة” حتى الآن.

لا يمكن إنكار جهد بوفييه، لكن الشكر والامتنان الحقيقي لأولئك الذين ذيّل الكتاب بأسمائهم، عشرات من الذين فقدوا حياتهم تحت الحصار أو على جبهات القتال، حاملين أسلحتهم البسيطة، في وجه ترسانة نظام الأسد الغاشم.

15