غرفة في فندق سان بول

لم تكن تلك الغرفة في فندق سان بول عالم السياب وحسب، بل فضاء اجتمع فيه الأدباء العرب من حوله، قبل أن يغادرها إلى غرفة أخرى بجوار القوس الرخامية في لندن، في فندق كمبرلاند على ناصية شارع أكسفورد.
الجمعة 2019/05/03
لقد كان الصمت يُثمِرُ

بالأمس حين مررتُ بالمقهى” في برلين، لم أسمع سوى آلات طحن البن، واحتكاك الصحون على طاولات الرخام، مع رنين خافت للملاعق الصغيرة وهي تدور في فناجين سميكة لا في استكانات رقيقة الزجاج.

لا دورة أسطوانة ولا دورة أفلاك، بل النهار الرمادي هو من كان يدور بغيمه البارد هابطا صاعدا بين المارة. لقد تغيّر الزمان. وبات من الصعب أن تنطبع الصور في الواقع على مثيلاتها في العقل.

في الخامس من هذا الشهر، مايو، قبل 57 عاما، طرق السياب باباً في شارع بليس في بيروت، عُلّقت عليه لافتة تحمل اسماً بحروف لاتينية تقول “د.زويتش”. كان زويتش هذا طبيبا ألمانيا بلا شهادة، غير معترف به، لكنه كان يعشق الشرق الأوسط، ويتقن العربية. قام بحجز غرفة للسياب في فندق “سان بول” في المنارة. وبدأ يعالجه بالمشدات والأربطة لكن دون جدوى. كان المريض مريضاً بعلّة أخرى غير علل الجسد، شخص مثل السياب لا يقال له إلا “قد صحّ عزمُكَ والزمانُ مريضُ”.

كانت تلك اللحظة لحظة فارقة في حياة الشاعر الذي كنت وغيري محظوظاً لأني عشت في زمن قريب من زمنه، وكانت كلماته تتقدم على عصره وعصرنا نحو رؤى مستقبلية لا مثيل لها. حقّاً لقد كان الصمت يُثمِرُ.

في تلك الغرفة كتب السياب “لقد سئم الشعرَ الذي كان يكتبُ، كما مَلَّ أعماقَ السماءِ المذنَّبُ، فأدمى وأدمعا. حروبٌ وطوفانٌ، بيوتٌ تُدمّرُ. وما كان فيها من حياة تصدّعا. لقد سئم الشعرَ الذي ليس يَذكرُ، فأغلق للأوزان باباً وراءَه، ولاح له بابٌ من الآسِ أخضرُ. أراد دخولاً منه في عالم الكرى، ليصطادَ حُلماً بين عينيكِ يخطرُ، وهيهات يقدرُ”.

لم تكن تلك الغرفة في فندق سان بول عالم السياب وحسب، بل فضاء اجتمع فيه الأدباء العرب من حوله، قبل أن يغادرها إلى غرفة أخرى بجوار القوس الرخامية في لندن، في فندق كمبرلاند على ناصية شارع أكسفورد.

كتب حينها دنيس جونسون ديفز محرر مجلة “أصوات” العربية التي كانت تصدر في لندن، والتي تقوم بدورها التنويري اليوم مجلة “الجديد” الفكرية الثقافية، يروي كيف أنه زار السيّابَ في تلك الغرفة، وبقي ينتظره طويلاً على بابها، ينتظر وينتظر، قبل أن يفتح له السياب الباب. لم يكن ذلك لقلة لباقة الشاعر العربي العظيم، بل لأنه استغرق وقتاً طويلاً في السير من مقعده إلى الباب بسبب أوضاعه الصحية.

وهكذا مضت الحياة من غرفة نُطيل السيرَ إلى بابها إلى غرفة أخرى تنفتح على ثالثة ورابعة بلا نهاية.

24